روايات

المفروض تستحمي مرة 

المفروض تستحمي مرة أحمد أخد نفس طويل، عميق وشديد، كأنه واحد بيحاول يتنفس تحت المية. وشه المصدوم اتحول في ثواني لجمود يرعب. بص لمراته مي اللي كانت واقفة قدامه بتنهج، ودموعها نازلة على وشها بس مش والسقوط. قالها بصوت واطي جداً، بس كان أهدى : — افتحي شنطتك يا مي. مي رجعت خطوة لورا وضمت شنطة إيدها لصدـ,,ـــرها : — أحمد.. إنت مصدق الكلام ده؟ دي أمك بتكرهني من أول يوم! دي عايزة تخرب بيتنا وتطلعني حرامية عشان تخلص مني!

دهب إيه اللي آخده؟ أنا أهلي مربيني كويس! أنا ما اتكلمتش. قعدت على الكرسي بتاعي بهدوء، ومسكت كوباية المية بإيد ثابتة. خلاص، السر اللي كاتماه في قلبي بقاله أسابيع ونازل على صدـ,,ـــري زي الحجر اتكشف، والكرة بقت في ملعب ابني. أحمد قرب منها خطوة واحدة، وصوته نزل نبرة كمان: — بقولك افتحي الشنطة.. أو أنا هفتحها بنفسي. — مش هفتحها! إنت بتفتش مراتك عشان كلام فارغ؟ في لحظة خاطفة، أحمد مسك الشنطة من إيدها وشدها بقوة. مي صرخت وحاولت تمسك فيها، بس أحمد نفض إيدها وفتح السوستة الكبيرة، قلب الشنطة كلها على سفرة الأكل وسط أطباق الرز والعشا.

المشهد كان كفيل ينهي أي شك. نزل من الشنطة أزايز سيروم وكريمات من الماركات الغالية اللي بتيجي بطرود، ونزل معاهم محفظة جلد صغيرة.. أحمد مسك المحفظة وفتحها، وطلع منها كيس قماش قطيفة أحمر. فتح الكيس وماله على إيده.. نزلت الغوايش الدهب بتلمع تحت نور النجفة. غوايشي.. دهب شبكتي من حسن الله يرحمه، اللي كنت حاطاه في الدرج المتقفل. ومع الدهب، كانت فيه رزمة فلوس ملفوفة بأستك.. الفلوس اللي أحمد كان بيدهالها كل شهر عشان مصاريف البيت!

أحمد بص للدهب في إيده، وبعدين بص للفلوس، وكأن الصدمة شلت لسانه. بص لـ مي اللي وشها بياض تماماً ورجليها ما بقتش شايلانها، فقعدت على الأرض وهي بتعيط بصوت عالي: — أحمد افهمني! أنا كنت خايفة من بكرة! إحنا ما عندناش ، وأنا كنت عايزة أضمن مستقبلنا! أنا ما بعتش الدهب، أنا كنت شايلاه معايا عشان.. عشان لما نحتاج مقدم الشقة نبيعه! أنا ما سرقتوش لنفسي، أنا عملت كده عشانك!

أحمد ضحك.. ضحكة مكتومة مكسورة فيها كمية وجع وقرف مش طبيعية. رمى الدهب والفلوس على السفرة، وبص لها وهو بيهز رأسه: — عشاني؟ بتسرقي أمي عشاني؟ بتستغلي طيبتها وسكوتها عشان ما تخربش بيتي، وبتدخلي الحمام تقفلي على نفسك بالساعة وتسيبيها واقفة بره، وفي الآخر تقعدي على سفرتها وتأكلي من أكلها وتقولي لها إنتِ مش نضيفة ومحتاجة تستحمي؟ عشان توهامينا وتغلوشي على الحقيقة؟ مي زحفت على الأرض ومسكت في بنطلونه: — سامحني يا أحمد! أنا غلطت، والله غلطت! بس أنا بحبك ومغرمة بيك وما أقدرش أعيش من غيرك! هي أمك مسامحة، قولي إنك مسامحة يا طنط! قولي له عشان خاطري!

بصيت لها من فوق لتحت، وقلت لها بنبرة جافة خالية من أي شفقة: — أنا سكت يا مي عشان كنت فاكرة إنك جاهلة أو طايشة، وسكت عشان خفت على قلب ابني اللي شقيان طول اليوم عشان يعيشك مستورة. لكن لما الفجر يوصل بيكي إنك تهينيني في بيتي وتعايريني بالنظافة عشان تداري على قرفك وسرقتك.. يبقى إنتِ ما تستاهليش لا بيتي ولا ابني. أحمد وطى، ومسك إيد مي اللي ماسكة في بنطلونه، وشالها عنه بقسوة عمره ما استخدمها معاها. وقّفها على حيلها وشاور على باب الشقة:

— ادخلي الأوضة.. لمي كل زبالتك ومستحضراتك وهدومك في شنطة واحدة. معاكي عشر دقايق. مي اتخضت وصرخت: — أحمد! إنت بترميني في الشارع بالليل؟ الساعة داخلة على 9! هروح فين؟ أحمد رد عليها وعينيه مليانة دموع غضب: — تروحي لـ أهلك اللي بتقولي إنهم ربوكي كويس! تروحي لـ أهلك وتقولي لهم بنتكوا كانت بتسرق دهب أمي ومصروف البيت وتشتري بيه كريمات لتنعيم شعرها وتتطاول على ست قد أمها! ولو ما طلعتيش خلال عشر دقايق بشنطتك.. أنا هطلب شرطة النجدة وأعمل بلاغ بسرقة الدهب والفلوس اللي اتلقت في شنطتك حالا!

مي فهمت إن أحمد خلاص وصل لنقطة اللارجوع.. الحقيقة كانت عريانة وقاسية، والجمود اللي في وشه ما كانش فيه أي مجال للتفاوض. قامت تجري على الأوضة وهي بتعيط وتشهق، وبدأت ترمي الهدوم في الشنطة بعشوائية وصوت خبط الأدلاف مالي البيت. المفروض تستحمي مرة على الأقل كل يوم يا ماما! قالتها مرات ابني قدامه على السفرة رغم إنهم عايشين عندي ببلاش بقالهم 6 شهور، وهي بتقفل الحمام الوحيد في البيت ساعة و دقايق كل يوم. ما معاها حطيت الشوكة وقلت لها أنا بستحمى فين فعلًا وساعتها ظهرت حاجة أسوأ بكتير.

كست يا طنط نادية، المفروض تستحمي مرة على الأقل كل يوم. إنتِ مش صغيرة علشان حد يفكرك بده. مرات ابني، مي، قالت الجملة دي وهي بتحط لنفسها رز أحمر زيادة على سفرة بيتي، بمنتهى العادية، كأنها بتقول إن الجو بكرة هيبقى حر. ابني أحمد وقف الشوكة في إيده وبص لها مصدوم. أما أنا ما اتحركتش. عندي 62 سنة، واتعلمت إن لما حد يحاول يحرجك قدام أهلك، إنك ترد بسرعة ساعات بيكون في صالحه.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى