
لو كان كل اللي حصل ده عشان تبقي من نصيبي… يبقى ألف حمد وشكر ليك يا رب. علياء ابتسمت لكلامه الحلو اللي داوى جرحها في ساعتها، ومسكت إيده بثبات. وفي نفس اللحظة، أم محمد كانت حاضرة الحفلة، أول ما شافت المشهد زغردت بعلو صوتها وهي طايرة من الفرحة، لأنها عارفة ومتقطعة إن ابنها بيحب علياء من زمان وكان مكسور لما اترفض.
المكان كله اتقلب، والقاعة اتملت بالتصقيف والحماس من المعازيم اللي معجبين بموقف محمد وشجاعته. كارم في اللحظة دي حس بإحراج شديد وكسرة نفس عمري ما شفتها عليه، وخوف رهيب تملك منه لما بصيت له بعينين مليانة غضب واشمئزاز. ما استحملش الموقف، مسك إيد البنت اللي جابها معاه وجري بيها برة الشقة والناس بتبص لهم باحتقار. أنا بصيت لأخويا سالم بحزن وندم يقتل، وبقيت أصفق مع الناس وأنا دموعي في عيني. طلعت علبة الشبكة الفخمة اللي كنت جايبها لبنتي علياء، وقربت من أخويا وقلت له:
“سامحني يا خوي، حقك عليا وعلى رأسي.” واعتذرت من علياء، وقدمت الشبكة هدية مني لعلياء ومحمد. وفي نفس الليلة، وزعنا الشربات وتمت شبكة علياء على محمد جارها، وكانت ليلة جميلة ودافية رغم أنها بدأت بكسرة وألم. ومن وقت الليلة دي… وكارم ابني مش قادر يرجع البيت. أنا حذرت أمه وإخواته إن محدش يفتح له الباب، وطردته من حياتي ومن شغلي. بقى يحاول يتصل عليا عشرات المرات في اليوم، يبعث رسائل اعتذار وتوسل، بس أنا كنت برفض أرد عليه أو أسمع صوته… الجرح كان أكبر من أي كلام، والندالة مالهاش دوا.
مرت الأيام والشهور، وكارم كان يحاول يبني كبرياء أعمى مع نورهان. أخد الشويتين اللي كان حوشهم ورماهم تحت رجليها، واشترى لها هدايا وسفرها، فاكر إنها هي دي السعادة اللي كان بيدور عليها والحرية اللي حرم نفسه منها لما كان معمي بغروره. بس الأيام ما بتسيبش حد، والزمان كفيل يفوق أي غافل. بعد حوالي أربع شهور، بدايات الانهيار بدأت تظهر لما فلوس كارم بدأت تخلص، والشركات اللي كان يقدم فيها ترفضه بسببي، لأن اسمي ومكانتي في السوق كانت سابقة أي مكان يروحه، والكل عارف إنه اتطرد من شركة أبوه بسبب قلة أصله.
في يوم من الأيام، كارم راجع شقته اللي كان أجرها بالعافية، وكان راجع تعبان ومكسور الخاطر بعد ما اترفض في المقابلة العاشرة. أول ما دخل، لقي نورهان قاعدة بتلم حاجتها في شنط كبيرة! بصلها باستغراب وقال: إيه ده يا نورهان؟ رايحة فين بالحاجات دي كلها؟ بصت له بمنتهى الجمود والبرود، ولفت وشها وهي بتمسح أحمر الشفايف: رايحة مكان أعرف أعيش فيه يا كارم… أنت فاكرني هكمل معاك وأنت حافي كده؟
لا شغلة ولا مشغلة وأبوك حارمك من ورثك ومن شركته! كارم وشه اتخطف وقال بصوت مخنوق: أنتِ بتقولي إيه؟! أنا بعت دنيتي وأهلي وعمتي وعمي عشانك! أنا وقفت قدام أهلي كلهم في الصالة وكسرت كلام أبويا عشان أبقى معاكِ! ضحكت بسخرية أوجعت قلبه أكتر من أي قلم أ خده في حياته وقالت: وده كان أهبل تصرف تعمله في حياتك! الراجل اللي يبيع أهله وعمه عشان واحدة، بكره يبيعها هي كمان عشان غيرها… وأنا بصراحة مش فاضية أستنى لما تفتقر أكتر من كده. أنا أصلًا اتخطبت لواحد صاحبي في الشغل، ومستقبله مضمون ومستقر، عن إذنك!
مشيت وسبته واقف في نص الشقة فاضي، الحيطان بتترد فيها ضحكتها الساخرة، والندم بياكل في قلبه زي النار في الحطب. في اللحظة دي بس، افتكر علياء… افتكر البنت اللي كانت شايلاه في نني عينها، البنت اللي كانت مستعدة تستحمله وتصونه طول العمر وتعيش معاه على المرة قبل الحلوة، البنت اللي هو رماها ورخص بيها قدام القرايب. خرج كارم يجر رجليه في الشوارع، الضباب مغمي عينيه، والندم بيطحنه. وبدأ يتردد على المنطقة بالليل من بعيد، يقف في مدار الشارع يراقب بيت عمو سالم.
في ليلة من الليالي، شاف محمد نازل من العمارة وماسك في إيده شنط أكل وهدايا، وعلياء نازلة جنبه لابسة فستان واسع رقيق، ووشها منور بضحكة دافية صافية عممر كارم ما شافها على وشها وهو معاها. شاف محمد وهو بيفتح لها باب العربية بحب واهتمام، وبيعدل لها طرحتها بحنية راجل بجد بيعشق مراته ويصونها. كارم كان واقف ورا شجرة في الضلمة، الدموع نازلة من عينيه مغرقة وشه. كان حاسس إنه واقف في جهنم وبيبتفرج على الجنة اللي ضيعها بإيديه.
ثاني يوم بالليل، فتحت باب مكتبي لقيته واقف على الباب. شكله كان يصعب على الكافر… وشه ذبلان، هدومه دبلانة، عينيه طافية تماماً وفيها انكسار وذل مالوش حدود. وقف وقالى بصوت مبحوح ومكسور: بابا… أرجوك متطردنيش. أنا مش جاي أطلب فلوس ولا جاي أقولك رجعني الشركة… أنا جاي أقولك إنك كان عندك حق في كل كلمة. أنا اتعلمت الدرس، والدرس كان قاسي أوي يا بابا. أنا قمت من على الكرسي وبصيت له بجمود وقلت:
عرفت قيمة النعمة لما زالت من إيدك يا كارم؟ نزل على ركبه وبكى بحرقة شديدة: عرفت إن اللي يبيع أصله مالوش أصل، واللي يكسر كلمة أبوه ربنا بيذله… أنا خسرت كل حاجة، خسرت نورهان اللي كانت شايفاني مجرد قرشين، وخسرت علياء اللي كانت شايفاني راجلها، وخسرت احترامك ليّا وده أكتر حاجة كاسراني. أنا مستعد أروح لعمي وأبوس رجله ورأس علياء، ومستعد أشتغل مساح جزم تحت رجلك، بس متحرمنيش من رضاك!
أنا قلبي كأب يتقطع عليه، بس الكسرة اللي عملها فينا مكانتش سهلة. قربت منه، مسكته من كتفه وقومته بصعوبة، وقلت له بصوت حازم وثابت: الاعتذار مش هيصلح اللي انكسر يا كارم… عمك علياء ربنا عوضها براجل بجد يصونها، وهي دلوقتي طيرة في عشها ومبقتش من حقك ولا ينفع تجيب سيرتها على لسانك تاني خالص. وأنا مش هسيبك لشارع يا ابن قلبي، بس الرجوع مش هيكون لسابق عهده. كارم مسح دموعه وقال: “أي حاجة تقولها يا بابا، أنا تحت رجلك.”
كملت كلامي: هتسافر فرع الشركة اللي في الصعيد، هتشتغل هناك من الصفر زي أي عامل في مخزن، بمرتب بسيط يكفيك أكلك وشربك وشقتك. هتتعب وتعرف القرش بيجي إزاي، وتعرف قيمة الكلمة والوعد. لما ألاقيك بقيت راجل بجد وبيعتمد عليك، ساعتها بس هفكر أفتح لك بيتي تاني. هز رأسه بسرعة وقال: “موافق يا بابا… والله موافق وألف حمد وشكر ليك.” ومرت الأيام، وجيه يوم الفرح الكبير لـ علياء ومحمد.
كانت ليلة من أجمل ليالي العمر، القاعة كانت منورة بأهل المنطقة والقرايب والحبايب. علياء كانت طالعة زي الملكة بالفستان الأبيض، والضحكة مش مفارقة وشها، ومحمد ماسك إيدها كأنه ماسك أغلى ثروة في العالم وبيطير بيها بين المعازيم. أخويا سالم كان واقف وسط القاعة، شكله يصغر عشر سنين من كثر الفرحة والراحة، والدموع في عينيه دموع فرح وأمان على بنته. أنا وقفت جنبه، حطيت إيدي في إيده وضغطت عليها بقوة، فبص لي وابتسم ابتسامة صافية وقالي:
ربنا بيعمل الصالح دايماً يا محمود… كنا فاكرين إننا بنختار لعيالنا، بس ربنا كان شايل لعلياء الأفضل والأبر بقلبها. رديت عليه وأنا ببتسم وبمسح دموعي: الحمد لله يا سالم… الحمد لله إن ربنا كشف القلوب وعوض البنت باللي يريح بالها ويصونها ويشيلها في عينيه. ومن بعيد… عند باب القاعة الخارجي، كان واقف كارم. كان واقف في الضلمة بعيد عن عينين المعازيم، بيبص على الحفلة بدموع ونظرة ندم وألم عميق. شاف علياء وهي بتمسك إيد محمد وبتضحك من قلبها، وشاف أبوه وعمه واقفين كتف بكتف زي زمان بعد ما الجرح التأم.
عرف كارم وقتها إن القرارات الطائشة والغرور بيكلفوا البني آدم عمره كله، وأن الأصول والرجولة مش كلام بيتقال، دي أفعال وهيبة وتضحية. لف كارم وشى ومشي في الضلمة بخطوات هادية وهو بيدعي لعلياء بالتدبيس والسعادة من أعماق قلبه، بعد ما اتعلم الدرس القاسي اللي غير حياته للأبد. .. إن العيلة والكرامة والأصل هما الثروة الحقيقية اللي لو ضاعت، ما فيش فلوس ولا كلام فاضي يقدر يعوضها ولا يرجعها تاني.

