
حبيب العمر حكايات اسما اتجوزت حبيب عمري في أوضة المستشفى بعد ما الدكاترة أكدوا إنه مش فاضله غير كام شهر يعيشهم… لكن أول ما كتبنا الكتاب، ممرضة همستلي وقالت: “قبل ما تمشي… بصي تحت المرتبة.” عرفت أحمد وإحنا عندنا تمان سنين.كان هو الولد اللي يشيل عني الشنطة لما تبقى تقيلة، ويخبّيلي أكبر قطعة جاتوه في الفسحة وهو فاكر إني مش واخدة بالي. ولما وصلنا للثانوية…كل الناس كانت بتقول: “أكيد الاتنين دول هيتجوزوا.”وفعلًا…كانوا عندهم حق.
قبل فرحنا بشهرين…أحمد وقع فجأة في شغله. بعد التحاليل والفحوصات…جالنا الخبر اللي هدم الدنيا فوق دماغنا…سرطان شرس…وفي مرحلة متأخرة جدًا. الدكاترة قالوا بهدوء…ان غالبًا فاضله كام شهر بس. فضلت أبص على كروت الفرح اللي كنا وزعناها… وحسيت إن كل حاجة فقدت معناها…ألغينا القاعة. وألغينا الفرح.وألغينا الفستان…كل اللي طلبته… إن مأذون ييجي المستشفى ويجوزنا في أوضته…لبست بنطلون جينز وقميص أبيض… وممرضة جابتلي طرحة رخيصة من محل هدايا قريب. أما أحمد…فأصر يلبس البابيون الأسود اللي كنت شرياهوله علشان الفرح…كان شكله مضحك فوق ليس المستشفى.
ضحك وقال:”العريس لازم يبقى شيك.” كل اللي في الأوضة عيط.حتى الممرضات.بعد كتب الكتاب…مسك إيدي وهمس:” يوم ما بقيتي علي اسمي احلى يوم في حياتي.”ابتسمت…وقلت لنفسي إنه كمان أحلى يوم في عمري…لكن…وأنا خارجة من الأوضة… ممرضة وقفتني في الطرقة.بصت حواليها تتأكد إن أحمد مش سامع.وقربت مني وقالت بصوت واطي:”إوعي تقولي له إني قلتلك.”قلبي وقع.كملت وهي بتبص ناحيته: “قبل ما تمشي الليلة… بصي تحت المرتبة.” اتجمدت مكاني.قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
“أحمد بيكدب عليكي… هو والدكتور عاملين خطة.” وسابتني ومشيت..رجعت أوضته وأنا ببتسم كأن مفيش حاجة حصلت.لكن عقلي كان بيفكر في سؤال واحد. إيه السر اللي ممكن الراجل اللي بحبه من عشرين سنة يخبيه تحت سرير المستشفى؟ استنيت لما قام يدخل الحمام وهو ماسك حامل المحاليل. أول ما الباب اتقفل…رفعت المرتبة بهدوء. ولما شفت اللي مستخبي تحتها…رجلي ما بقتش شايليني.
انحبست أنفاسي وأنا ببص للحاجة اللي ممدودة تحت المرتبة.. ما كانتش فلوس، ولا كانت أوراق طبية، كانت علبة قطيفة سودا كبيرة، وجنبها كشكول جلد بني قديم.. الكشكول ده أنا عارفاها كويس، ده كشكول مذكرات أحمد اللي كان دايماً شايله في شنطته من أيام الجامعة. سحبت الكشكول والعلبة بسرعة وإيد اللى بتترعش، وخبيتهم في شنطتي قبل ما باب الحمام يتفتح ويخرج أحمد وهو ساند على حامل المحاليل، وشه كان باهت بس ابتسامته كانت لسه منورة وشه وهو بيبصلي بحب.. الحب ده اللي خلاني أحس بنغزة في قلبي.. هو بيكدب عليا في إيه؟ والدكتور شريكه في إيه؟
قعدت جنبه، وحاولت أبان طبيعية جداً، اتكلمنا شوية لحد ما مفعول المسكن بدأ يشتغل وعينه غفلت ونام.. أول ما اتأكدت إنه غرق في النوم، قمت براحة وخرجت من الأوضة، رحت لآخر الطرقة في المستشفى عند الشباك الكبير اللي بيطل على الشارع.. كانت الساعة بقت واحدة بعد نص الليل، والمكان هس هس. فتحت الشنطة، وطلعت الكشكول البني.. فتحت الصفحة الأولى، ولقيت خطه اللي حافظاه زي اسمي، بس الخط المرة دي كان مهزوز، كأنه كان بيكتب وهو تعبان.. بدأت أقرأ والدموع بتتحجر في عيني:
“اليوم.. الدكتور قالي الحقيقة كاملة.. الورم مش خبيث زي ما فهمت رنا.. الورم حميد وممكن يتشال بعملية، بس نسبة نجاح العملية دي 20% بس، ونسبة إني أطلع منها مشلول أو فاقد الذاكرة عالية جداً.. الدكتور قالي لو عملناها وفشلت، هتمـ,ـوت في ساعتها.. ولو سيبناها، الورم هيكبر وقدامك ست شهور بالكتير.. أنا اخترت الاختيار التاني.. اخترت أعيش الست شهور دول وأنا في كامل وعيي عشان أقضيهم معاها.. مش عايزها تشوفني عاجز أو مش فاكرها.. بس الكدبة دي بتقـ,ـتلني كل يوم.. الدكتور وافق يمثل معاها السيناريو ده عشان تقتنع، وعشان توافق نتجوز بسرعة ونعيش الكام شهر اللي فاضلين في سلام.. سامحيني يا رنا..
أنا مريض، بس مش بتمـ,ـوت بالطريقة اللي أنتِ عارفاها.. أنا بهرب من العجز عشان أمـ,ـوت وأنا راجل في نظرك.” قعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي.. الكلمات كانت بتلف في دماغي.. أحمد مش بيمـ,ـوت من غير أمل! في أمل، حتى لو 20%! هو استسلم عشان خايف على صورتي عنه؟ خايف يبقي عبء عليا؟
فتحت العلبة القطيفة السودا وإيدي بتترعش أكتر.. لقيت جواها طقم دهب رقيق جداً، شبكتنا اللي كنا اخترناها سوا قبل ما يتعب، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها: “الفلوس اللي رجعت من حجز القاعة والفستان، الدكتور ساعدني أشتري بيهم الشبكة دي من برة المستشفى.. كنت مستني اللحظة اللي نبقى فيها لوحدنا عشان ألبسهالك.. مبروك يا مدام أحمد.” نزلت دموعي ومسحتها بسرعة وأنا بحس بنار بتولع جوايا.. الحزن اتقلب لقوة وعصبية.. إزاي يفكر بالنيابة عني؟ إزاي يقرر يرمي الـ 20% أمل دي في الزبالة عشان ‘صورته قدامي’؟ هو فاكرني بحب شكله ولا بحب قوته؟ أنا بحبه هو!
قمت وقفت، ورجعت الأوضة وعيني حمرا من العياط بس نظرتي كانت متغيرة.. بصيت لأحمد وهو نايم زي الملاك.. فتح عينه براحة لما حس بحركتي، وابتسم بتعب وقال: “أنتِ لسه هنا يا حبيبتي؟ أنا افتكرتك مشيتي.” قربت من السرير، وحطيت الكشكول والعلبة القطيفة قدامه على المرتبة.. ابتسامته اختفت فجأة، ووشه اتخطف وبقى لونه أصفر زي الليمونة.. بص للكشكول وبصلي، وحاول يتكلم بس صوته خانق. قلتله بصوت قاطع وثابت رغم الوجع:
“الـ 20% دول بتوعي أنا يا أحمد.. أنت ملكش حق تتنازل عنهم.. الفرح اللي ألغيناه، والفستان اللي قـ,ـلعته، هرجع ألبسه تاني.. بس مش والسرير ده محبوس في الأوضة.. هنعمل العملية يا أحمد.. حتى لو النسبة واحد في المية.” أحمد دمع، ومسك إيدي وقالي بصوت مكسور: “أنتِ مش فاهمة يا رنا.. لو العملية فشلت أنا ممكن أمـ,ـوت على التربيزة في ثواني.. أنا عايز الكام شهر دول معاكِ.. بلاش تضيعيهم.” في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل الدكتور المسؤول عن حالته وهو ماسك الأشعة الجديدة، وبص لملامحنا وفهم إن السر اتكشف.. وقف ومبقاش عارف يقول إيه.
بصيت للدكتور وقلتله: “جهّز أوضة العمليات يا دكتور.. الكدبة خلصت.” الدكتور بصلي وبص لأحمد اللي كان مغمي عينه بكف إيده وبيعيط بصمت.. الدكتور تنهد تنهيدة طويلة، قفل الملف اللي في إيده وقرب مننا وقال بنبرة هادية بس جادة: “يا مدام رنا.. أنا وافقت أحمد على طلب الخطة دي مش عشان أخدعك، أنا وافقت لإني طبيب وشايف حالة اليأس اللي كان فيها، والحالة النفسية للمريض بتشكل 70% من استجابته.. الـ 20% نسبة نجاح مش سهلة في جراحات المخ الدقيقة دي، المخاطرة فيها ممكن تنهي حياته في دقايق.”
وقفت بكل ثبات، وربطت دراعي على صدري وقلتله: “والـ 80% مخاطرة التانية يا دكتور معناها إنه هيمـ,ـوت بالبطيء قدام عيني خلال ست شهور.. أحمد طول عمره بيشيل عني، طول عمره هو اللي بيحميني ويقويني.. المرة دي أنا اللي هشيل، وأنا مش هسيبه يستسلم للمـ,ـوت عشان خايف من العجز.. لو مكتوباله ثانية واحدة يعيشها، أنا عايزة يعيشها وهو بيحارب، مش وهو مستني المـ,ـوت في أوضة مستشفى.”




