
— الحاجة نفيسة كانت لابسة دهب يوزن كيلو، وقاعدة في الصف الأول للستات، وعينيها ثابتة على طليقة مصطفى اللي كانت قاعدة في آخر صف، مستنية تشوف وشه وهو بيكتب كتابه على غيرها. المأذون فتح الدفتر وقال: “العريس مصطفى مرزوق…” رد مصطفى بصوت ثابت: “موافق.” وبعدين بص ناحية عايدة، لقاها مبتسمة لأول مرة من يوم عرفها. تم كتب الكتاب، والزغاريد علت، لكن طليقة مصطفى خرجت من الجامع وهي مخـ,ـنوقة، لأنها كانت متخيلة إن كلامها هيكسر الراجل، فإذا به واقف وسط البلد كلها مرفوع الرأس.
— الأيام الأولى من الجواز كانت هادئة بشكل غريب. عايدة عمرها ما فتحت سيرة الخلفة، ولا سألت عن دكتور، ولا لمّحت حتى. كانت كل يوم تقوم قبله، تحضر له الفطار، وتفتح الشبابيك، وتخلي البيت فيه روح. بعد شهور، مصطفى حس لأول مرة إنه راجع بيت، مش راجع ساحة حـ,ـرب. وفي يوم قال لها: “إنتِ عمرك ما زعلتي إن معندناش عيال؟” ابتسمت وقالت: “أنا كنت نفسي في زوج يحترمني… وربنا رزقني بيه.”
الكلمة دي فضلت ترن في ودنه أيام. — بعد سنة، عايدة اقترحت عليه يكفل طفل يتيم. قالت: “إحنا مش لازم نكون خلفناه… المهم نكون أب وأم بجد.” في الأول اتردد. لكن لما راح دار الأيتام، وشاف ولد صغير متعلق في هدومه وبيقوله: “هتيجي تاني؟” رجع البيت وهو ساكت. وبعد أسبوع خلصوا كل الإجراءات، والولد دخل بيتهم. سموه “ياسين”. ومن يومها البيت اتملّى ضحك. مصطفى اكتشف إن الأبوة مش بس دم… الأبوة مسؤولية ورحمة وحب.
— بعد حوالي سنتين، عايدة بدأت تتعب. دوخة، وإرهاق، وأعراض غريبة. مصطفى افتكر إنها أنيميا. راحوا للدكتورة… ابتسمت وهي بتبص في التحاليل وقالت: “مبروك… حضرتك حامل.” عايدة ضحكت من الصدمة، أما مصطفى فضل ساكت. قال للدكتورة: “أكيد فيه غلط… أنا…” قاطعته وقالت: “تقارير زمان قالت إن الاحتمال ضعيف جدًا، لكنها ما قالتش مستحيل.” خرج من العيادة وهو مش مصدق. وقف في الشارع، وبكى لأول مرة من سنين. — بعد تسعة شهور، رزقهم الله ببنت.
أول واحد شالها كان ياسين. باس رأسها وقال: “دي أختي.” عايدة بصت لمصطفى وقالت: “شايف؟… ربنا لما بيكرم، بيكرم من أوسع أبوابه.” — بعد فترة، قابل طـ,ـليقته صدفة في السوق. وقفت تبص للبنت اللي في حضـ,ـنه، وياسين اللي ماشي ماسك إيده. قالت بخجل: “سامحني… أنا ظـ,ـلمتك.” بصلها بهدوء وقال: “أنا سامحتك من زمان… عشان أقدر أعيش.” وسابها ومشي. — في آخر الليل، كان مصطفى قاعد في البلكونة، والبنت نايمة على صدره، وياسين بيلعب في الصالة، وعايدة بتحضر الشاي.
افتكر اليوم اللي دخل فيه بيت مرزوق يقول للبنت الغلبانة إنها ممكن تعيش عمرها كله من غير أولاد. ابتسم وقال بينه وبين نفسه: “كنت فاكر إن ربنا قفل كل الأبواب… لكنه كان بس بيأخر أجمل رزق لحد ما ييجي في وقته.” تمت.




