
الجزء الرابع:انتفض جدي من مكانه كالشباب، وتراجعت حشرجة الحزن في صوته لتتحول إلى ذعر خاطف. فتح الباب بسرعة وحذر، وهجم على الممر الخارجي المطل على السلم القديم. ركضت خلفه وأنا أحتضن جسدي المرتجف، ونظرنا كلينا نحو الأسفل عبر دربزينات السلم المصنوعة من الحديد المشغول. رأينا ظل شخص يهرول بسلاسة وسرعة ونزل الدرج قاصدًا الباب الخارجي للعمارة. لم نتمكن من رؤية وجهه تمامًا بسبب عتمة السلم، لكن الشيء الوحيد الذي لمحته قبل أن يختفي في ظلام الشارع كان معطفًا أسود بطول الركبة وحذاءً جلدياً ثقيلاً.
. نفس المعطف الذي كان يرتديه خطيبي في آخر مرة رأيته فيها!تسمر جدي في مكانه، وامتدت يده لتتمسك بالمقبــ,,ـــــض الحديدي بحركة تفتقر للاتزان. كان يقف على أول الدرج وأنقاسه متلاحقة، ووجهه الذي كان أصفر بالكامل صار الآن شاحبًا كالمــ,,ـــــوتى. همس بصوت لا يكاد يُسمع:— كان واقف ورا الباب. . كان بيسمع كل كلمة!انتابتني حالة من الفزع المستعر. جثوت على الركبتين عند باب الشقة، وشعرت أن الهواء جف في حلقي. هل كان هو؟ هل عاد خطيبي المفقود ليفتش عني، أو ليختبر حقيقة مشاعره، ليجد نفسه يسمع الفاجعة الكبرى بصوت جدي؟
هل عرف الآن أن الفتاة التي أحبها والتي ينتظر طفلها هي أخته من الأب؟صرخت بنبرة مبحوحة:— جدو.. قول لي إن ده مش هو! قول لي إن ده حد تاني.. أي حد من الجيران!جدي لم يجب فورًا. مشى بخطوات بطيئة للداخل، وأغلق الباب الثقيل بالمفتاح، ثم أدار القفل مرتين متتاليتين وكأنه يحاول إغلاق الباب في وجه القدر نفسه. التفت إليّ وعيناه تتسعان برعب مكتوم:— لو كان هو اللي بره يا بنتي.. يبقى المصيبة كبرت. لو عرف إني كشفت أصله وعرفت إنه ابن فريد العطار، ومحمل بالسر ده.
. مش بعيد يعمل أي حاجة عشان يغطي على اللـ,ـعنة دي. في تلك اللحظة بالذات، ارتفع صوت بكاء الطفلة من الغرفة الداخلية. كان صوتًا حادًا ومستمرًا، ينبض بالحياة في وسط بيت أوشك أن يخنق أصحابه. قمت أترنح وذهبت للغرفة، رفعتها بين يدي المرتجفتين، وضمنتها إلى صدـ,,ـــري.
كانت تفتح عينيها الصغيرتين الغريبتين وتنظر إليّ.. نفس العينين: عين أزرق فاتح كشاطئ ناءٍ، وعين بني داكن كعمق بئر مجوف. كلما نظرت إلى عينين طفلتي، كنت أرى وجوه ثلاثة أشخاص: وجه أمي المسكــ,,ـــــينة التي عاشت تمــ,,ـــــوت كل يوم وهي تخفي هذا السر، ووجه الرجل النذل الذي دمر حياتها، ووجه أخي—أو خطيبي—الذي سلبني حياتي واستقر في ذكرياتي قبل أن يختفي. جلس جدي أمامي على طرف السر,,ـــــير، وامتدت يده ليمسح وجهه المبلل بالدموع والحيStandard.قال بصوت مكسور لكنه يتصنع الثبات:— مفيش وقت للبكاء يا بنتي. لو كان خطيبك هو اللي كان واقف ورا الباب، فده معناه إنه مش هيمشي بسهولة.
اللي بيسمع سر زي ده، إما إنه بيهرب للحقارة أبعد، أو بيرجع عشان ينهي كل حاجة بطريقته. إحنا لازم نتــ,,ـــــحرك قبل ما الصبح يطلع. نظرت إليه باستغراب وذعر:— نتــ,,ـــــحرك نروح فين يا جدو؟ ده بيتك.. المكان الوحيد اللي كبرت فيه وأمتنت له!رد جدي بنبرة قاطعة:— البيت ده مبقاش أمان. خطيبك عارف المكان ده كويس، وعارف إننا هنا. لو رجع وهو في حالة جنون أو صدمة بعد اللي سمعه، مش هيتردد إنه يعمل حاجة تضرنا أو ياخد البنت دي ويختفي! العيون دي بالنسبة له إثبات ومستند يدينه ويشوّه حياته للأبد.
حنا لازم نسيب البلد دي كلها ونروح الشاليه القديم بتاع العيلة في الساحل قبل ما حد يلاحظ اختفاءنا. أمسكت بيده وقلت وبكائي يخنقني:— والسفر ده هيهربنا من الحقيقة يا جدو؟ بنتي لما تكبر.. لما تفتح عينيها وتسألني: “مين أمتي؟ مين أبويا؟”، أقولها إيه؟ أقولها إن أبوكي هو خالك؟ أقولها إنك جيتي للدنيا نتيجة لعـ,ـنة وخـ,ـطيئة خطط لها الزمان؟غمض جدي عينيه ألمًا، ولم ينطق بكلمة. كانت دقات الساعة الحائطية القديمة هي الصوت الوحيد الذي يخـ,ـترق وحشة الغرفة. بدأنا بنقل المستلزمات الضرورية للطفلة في حقيبة صغيرة بسرعة وهستيريا. يداي كانتا تعجزان عن إغلاق السحاب من شدة الارتجاف.
وفي منتصف الليل، وأثناء ما كنا نعد أنفسنا للخروج من الشقة في الخفاء، رن هاتف جدي القديم الموضوع على المنضدة. كان الصوت الصادر من الرنين يقطع الصمت كأنه ضــ,,ـــــربات ساطور. توقفنا في مكاننا كالصنام. جدي نظر إلى شاشة الهاتف المضيئة في الظلام. اقتربت منه ببطء، وشاهدت الرقم الظاهر على الشاشة. . كان رقمًا غير مسجل، لكنني عرفت الأرقام الأربعة الأخيرة منه تمامًا!إنه رقم خطيبي! الرقم الذي أغلقه في وجهي منذ شهور متواصلة، الرقم الذي حاولت الاتصال به مئات المرات وأنا أبكي في ليالي حملي الطويلة!جدي نظر إليّ بنظرة ملؤها الخوف والتردد، وقال بتمتمة حائرة:— أرد؟
أومأت برأسي بالرفض وأنا أضع يدي على فمي لمنع صرخاتي، لكن جدي بلع ريقه، وبأصابع ترتجف، ضغط على زر الإجابة وفتح مكبر الصوت. ساد الصمت لثوانٍ معدودة عبر أثير الهاتف.. ثوانٍ كانت أطول من أنفاس العمر. ثم جاء الصوت من الطرف الآخر. . صوت مشروخ، متقطع، مليء بالبكاء الهستيري والنبرة المرعبة التي لم أعتدها منه أبدًا. قال خطيبي عبر الهاتف وهو يلهث:— يا حاج.. الكلام اللي أنت قلته جوه ده.. الكلام ده صح؟ رد عليا وحياة أغلى ما عندك! اللي أنا سمعته ده حقيقة ولا أنا اتجننت؟


