
!الجزء الخامس (قبل الأخير):تسمرنا في مكاننا كأننا أجساد بلا أرواح. كان الصوت القادم من مكبر الصوت في الهاتف يحمل شحنة من الرعب والانهيار لم أسمعها في حياتي من قبل. لم يكن صوت الرجل القوي الشديد الذي أحببته، بل كان صوت إنسان يتحطم إلى شظايا على الطرف الآخر من الخط. جدي قبــ,,ـــــض على الهاتف بقوة حتى كادت عظام أصابعه تتكسر، وضغط على حنجرته ليخرج صوته صلبًا رغم الارتجاف الذي يسكنه:— أنت فين؟ وواقف تسـ,ـرّق السمع عند بيوت الناس ليه يا ابن فريد؟جاءت من الطرف الآخر ضحكة هستيرية مزيجًا من البكاء والصراخ، ثم قال خطيبي بصوت يتخلله اللهاث:— ابن فريد؟
! يعني أنت عارف؟! يعني الكلام اللي قلته للين صح؟! أبويا هو نفسه أبوها؟! رد عليا يا حاج.. قولي إنك بتألف! قولي إنك كنت بتخوفها أو بتنتقم مني عشان سيبتها! قولي أي حاجة ترحمني من النــ,,ـــــار اللي بتاكل في جسمي دي! انفجرتُ في البكاء ولم أستطع التحكم في نفسي. أخذت الهاتف من يد جدي بالقوة، وصرخت فيه بصوت يحترق بالوجع:— أنت اللي سيبتني! أنت اختفيت من غير كلمة واحدة أول ما عرفت إني حامل! لو كنت عارف الحقيقة دي من زمان، ليه ما حذرتنيش؟ ليه سبتني أجيب البنت دي للدنيا؟
! ليه عملت فينا كده؟!ساد صمت مفاجئ على الخط، صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المتقطعة بكاءً. ثم قال بصوت خافت مكسور، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:— والله العظيم ما كنت عارف يا لين.. والله العظيم ما كنت أعرف حاجة عن القرف ده! أنا اختفيت ليلة ما قولتيلى إنك حامل لأني خفت.. خفت من المسؤولية، خفت لأني طالع لراجل نذل سابني وأنا صغير وأمي ربتني لوحدي.. خفت أكون شبهه وأظلــ,,ـــــمك معايا! هربت زي الجبان لأن عقلي كان صغير.. بس عمري، عمري ما اتخيلت إن الهروب ده هيجرنا لأبشع كابوس في تاريخ البشرية!
تراجعت للوراء وسقطت على الكنبة وأنا أحتضن هاتفي وبنتي تبكي في الغرفة المجاورة. كمل كلامه وهو بينتــ,,ـــــحب:— أنا لما جيت النهاردة.. كنت جاي أتسحب في الضلمة عشان أشوفك من بعيد.. كنت جاي أعتذر، كنت ناوي أرمي نفسي تحت رجليكي ورجلين جدك وأقولك سامحيني، أنا رجعت عشان أشيل بنتي وأبقى ليكم أب وحماية. . وقفت ورا الباب وكنت هخبط.. لحد ما سمعتك بتسأليه عن سر العينين.. وسمعت كل كلمة!جدي أخذ الهاتف من يدي مجددًا، وقال بنبرة صارمة حادة تحاول التماسك وسط هذا الانهيار:— اللي حصل حصل يا بني.. والجهل بالحقيقة مش هيغير الواقع الأسود اللي إحنا فيه.
البنت دي مظلومة، ولين مظلومة، وأنت ذنبك إنك هربت في الأول. بس دالوقت الحقيقة اتكشفت، والدم اللي بينكم بقا لعنة.. أنت فين دالوقت؟رد خطيبي بنبرة ضائعة غائبة عن الوعي:— أنا في العربية.. ماشية بيا ومش عارف أنا رايح فين. الدنيا سودة في وشي يا حاج.. أنا حاسس إن جسمي نجس، وحاسس إن كل لحظة عشتها مع لين كانت خطيئة وأنا ما أعرفش.. أنا مش هقدر أعيش بالذنب ده! مش هقدر أبص في وشها تاني، ولا هقدر ألمس البنت دي ولا أكون ليها أب!
صرخت بقوة وأنا أقف من مكاني:— أوعى تعمل في نفسك حاجة! أنت فاهم؟! أوعى تهرب تاني وتسيبنا في المصيبة دي لوحدنا!لكنه قال بصوت خافت مليء بالوداع والألم:— سامحيني يا لين.. أنا السبب في كل اللعنة دي.. كان لازم أمــ,,ـــــوت قبل ما أقابلك وقبل ما أبوي يظلــ,,ـــــم أمك ويظلــ,,ـــــم أمي. . البنت دي ملهاش ذنب.. خبي عليها الحقيقة.. خبيها وادفــ,,ـــــنيها تحت الأرض..وفجأة.. وقبل أن نتمكن من الرد عليه أو استيعاب كلماته الأخيرة، سمعنا عبر سماعة الهاتف صوت صرير فرامل مرعب ومكتوم، يتبعه صوت ارتطام معدني هائل هز أثير المكالمة، ثم انقطع الصوت تمامًا.
. وتحول الخط إلى صفير متصل لا ينتهي!طاح الهاتف من يد جدي وسقط على الأرض، بينما وقفتُ أنا في منتصف الصالة، أتحجر في مكاني وأنا أسمع صوت بكاء ابنتي يتصاعد في الخفاء، بينما كان القدر يتهيأ ليكشف لنا عن الفصل الأخير من هذه اللعنة. الجزء السادس والأخير:ساد الشقة صمتٌ المــ,,ـــــوت، صمتٌ أشبه بالعدم. كان صوت الصفير المنبعث من الهاتف الملقى على الأرض يقطع أحشاء الظلام، قبل أن ينقطع الخط تمامًا وتتحول الشاشة إلى السواد. سقطتُ على ركبتي وأنا أضع يدي على رأسي، غير قادرة على إخراج صرخة واحدة.
. كانت الصدمة أكبر من أي صوت، وأثقل من أي بكاء. جدي انحنى ببطء شديد، وركبتها المجهدتان ترتجفان، رفَع الهاتف وأغلقه. لم يقل كلمة واحدة، لكن وجهه كان يتحدث بلغة الخيبة والنهاية. اقترب مني وجلس على الأرض بجانبي، وضع يده الصافية على كتفي المرتعش، وضمني إلى صدـ,,ـــره بقوة كأنه يحميني من العالم الذي انهار فوق رؤوسنا للتو.
مرت ساعات الليل كأنها دهور. لم ننم، ولم نتــ,,ـــــحدث. مع أول شعاع للسيارة يتسلل من نافذة البلكونة مع الفجر، رن هاتف جدي مرة أخرى. كان الاتصال هذه المرة من المستشفى العام بالمدينة. أخبروا جدي أن صاحبة السيارة التي تعرضت لدــ,,ـــــادث سيارة مروع على الطريق السريع قد فارق الحياة فور وصوله، وأنهم وجدوا في جيبه أوراقًا ثبوتية ورقم جدي كآخر رقم تم الاتصال به.
لم أذهب للمستشفى.. لم أستطع رؤيته. ذهب جدي وحده وأنهى كل الإجراءات بكتان وسرية تامة. شُيّعت جنازته في هدوء شديد بحضور عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ودُفن السر معه تحت التراب.. أخذ أخي وهوى به القدر إلى القبــ,,ـــــر، ليغلق الفضل الأكثر بشاعة في قصتنا. بعد الجنازة بأيام، لم نعد نطيق البقاء في ذلك البيت. كل أركانه كانت تصرخ بالحقيقة، وكل زاوية فيه كانت تذكرني باللحظات التي جمعتني به وبالكلام الذي سمعناه خلف الباب. حزمنا أمتعتنا القليلة، وأخذت جدي وبنتي، ورحلنا بعيدًا.. تركنا المدينة بأكملها وانتقلنا للعيش في قرية ساحلية هادئة لا يعرفنا فيها أحد.
مرت السنوات ببطء شديد، كأنها ترمم في روحي ما هدمته اللعنة. كبرت ابنتي الصغيرة، “نور”.. أسميتها نور لأني أردت أن تطـ,ـرد الظلام الذي ولدت فيه. كلما كبرت نور، كلما زاد جمالها، وزاد مع جمالها تطابق عينيها مع عينيه.. عينٌ زرقاء فاتحة كالسماء الصافية، وعينٌ بنيٌ داكن كالليل العميق. في البداية، كان النظر إلى عينيها يمزق قلبي ويستحضر كل الآلام، لكن مع الوقت، وأنا أراها تضحك وتركض في أرجاء البيت، أدركت أن هذه الطفلة لم تكن ذنبًا، بل كانت الضحية الوحيدة التي لا ذنب لها في كل ما حدث.
جدي عاش معي سنوات طويلة، كان فيها الأب والسند والحصن الحصين. بنى لنور لعبًا بإيده، وعلمها الكلام، وكان ينظر إليها بعينين مليئتين بالحب والرحمة، كأنه يكفّر عن سر مكتوم عاش معه عمراً كاملاً. وقبل عامين، رحل جدي عن دنيانا بسلام، بعد أن أوفى بعهده لحمايتي وحماية نور حتى آخر نفس في حياته. اليوم، وأنا أجلس في البلكونة أراقب نور وهي تلعب في الحديقة بلباسها الماليء بالألوان، وهي في سن السابعة من عمرها، اقتربت مني وفجأة نظرت في عينيا بعينيها الغريبتين والجميلتين وقالت ببراءة:— ماما.. ليه عيني مش شبه عينيكي؟ وليه صحابي في المدرسة بيستغربوا شكلي؟ هو بابا كان عينيه زيي؟
ابتسمت لها ابتسامة حنونة، ودمعة دافئة فرت من عيني دون أن تلاحظها. رفعت يدي ومسحت على شعرها الأسود الداكن، وقلت لها بصوت هادئ ومستقر:— عينيكي دي يا نور.. دي طفرة تميزك عن كل العالم. عين شايفه بيها النور، وعين حارسة السر. وباباكي.. باباكي كان إنسان ضل الطريق، بس ربنا بعتك ليا عشان تكوني أنتِ النور اللي ينور حياتي. ضمتني نور بذراعيها الصغيرتين، وعادت لتركض وتلعب تحت أشعة الشمس. تنفست الصعداء ونظرت إلى السماء البعيدة. أدركت أخيرًا أن الماضي لا يمكن تغييره، وأن اللعنات لا تنتهي بالهروب، بل بالرضا والمواجهة.
دفــ,,ـــــنت السر في أعماق قلبي، وسيدفــ,,ـــــن معي عندما يأتي أجلي، لتظل نور طفلة بريئة، تحيا حياتها مرفوعة الراس، بعيدة عن لعنة “عيلة العطار”.. ولتبدأ قصتها هي، قصة أمل ونور جديد.