روايات

السنه اللى عمى اتجنن فيها

كان الليل ساكت بشكل مرعب، وأول ما القفل اتكـ,ـسر، وقعت السلسلة على الأرض بصوت دوّى في العزبة كلها. يونس وقف لحظة مكانه، وبص لي بعينين مليانين دموع، كأنه مش مصدق إنه بقى حر. همس وقال: “اجري يا أحمد… قبل ما يشوفوك.” لكن قبل ما أرد، لقيته جري فعلًا… حافي، هدومه مقطعة، وشعره بيطير مع الهوا، واختفى وسط الزراعات. صرخت الكلاب، وصحي أهل البيت. أبويا خرج شايل الشومة، وجدي خرج يزعق:

“هرب… المجنون هرب!” في أقل من نص ساعة، رجال العزبة كلها كانوا بيدوروا عليه بالفوانيس. دوروا لحد الفجر… ولا لقوله أثر. عدى يوم… واتنين… وأسبوع كامل. بدأ الناس يقولوا إن يونس مات في الترعة، أو أكلته الديابة، أو هرب لبلد بعيدة. لكن في الليلة الثامنة، حصل أول شيء غريب. جدي صحى على صوت خبط في باب البيت. فتح… ملقاش حد. بس لقى قدام الباب ورقة متنية. فتحها… واتجمد مكانه. الورقة كان مكتوب فيها بخط إيد يونس:

“أنا مش مجنون… أنا فاكر كل حاجة.” جدي قطع الورقة بسرعة قبل ما حد يشوفها، لكن من ساعتها بقى ينام والشومة جنبه. بعدها بيومين، عربية سوداء دخلت العزبة لأول مرة. ناس لابسين بدل نزلوا منها وسألوا على بيت الشناوي. كل أهل البلد وقفوا يتفرجوا. الراجل الكبير قال: “إحنا بندور على الأستاذ يونس رضوان الشناوي.” أبويا ضحك وقال: “أستاذ إيه؟ ده مجنون.” الراجل فتح شنطة جلد، وطلع ملف قديم وصور وشهادات.

وقال بمنتهى الهدوء: “يونس كان الأول على دفعته في كلية الهندسة، واتعين معيد، واختفى قبل ما يستلم شغله.” العزبة كلها سكتت. جدي حاول يقفل الباب، لكن الراجل كمل: “وعندنا بلاغ قديم كان متقفل… واتفتح من جديد.” أبويا اتوتر. “بلاغ إيه؟” الراجل رد: “بلاغ شروع في قتـ,ـل.” الكل بص لبعضه. وأبويا بدأ يعرق. الضابط طلع ورقة تانية وقال: “يونس كتب محضر قبل اختفائه بأيام، ذكر فيه إن فيه ناس بتحاول تتخلص منه بعد ما اكتشف تـ,ـزوير في ميراث أبوه.”

جدي صرخ: “كداب!” لكن الضابط قال: “المحضر كان ناقص شاهد… والشاهد ظهر.” قلبي وقع. بصلي وقال: “اسمه أحمد.” أنا وقتها كنت واقف أرتعش. افتكرت كل كلمة كنت بسمعها وأنا صغير. افتكرت اللي كان بيكتبه في الطين كل ليلة. وفجأة فهمت. يونس ماكنش بيكتب كلام عشوائي… كان كل ليلة بيكتب نفس الجملة: “الأرض مش أرضهم… الورق مدفون تحت الجميزة.” الضابط خد رجال الحفر، وراحوا عند الشجرة. أبويا حاول يمنعهم. لكن محدش سمعه.

بعد أقل من ساعة، طلعت علبة صاج قديمة من تحت الجذور. جواها… عقد الأرض الأصلي. ووصية جد أبويا. وأوراق تثبت إن يونس كان صاحب نص التركة، وإن جدي زوّر الأوراق، ولما يونس اكتشف الحقيقة، حبسه وربطه بالسلسلة، وأقنع الناس إنه اتجنن علشان محدش يصدقه. العزبة كلها اتقلبت. الناس اللي كانت بتضحك عليه، بقت تبكي. وجدي وقع على الأرض وهو بيصرخ: “كنت خايف يخرب البيت!” بعد ساعات… وقفت عربية قدام البيت.

نزل منها راجل نضيف، لابس بدلة. بصيت كويس… لقيته عمي يونس. حالق دقنه. لابس هدوم جديدة. وعينيه ثابتة. عرفنا بعدين إنه بعد هروبه وصل للطريق الرئيسي، وأحد الأطباء النفسيين لقاه مرهقًا وجائعًا، فأخذه للمستشفى. وبعد أسابيع من العلاج والرعاية، استعاد قوته، ثم تواصل مع محامٍ كان يحتفظ بنسخة من أوراقه القديمة، ومن هنا بدأت الحقيقة تظهر. دخل البيت بهدوء. وقف قدام جدي. وقال: “أنا سامحتك عند ربنا… لكن حقّي هيرجع بالقانون.”

ثم بصلي… وابتسم نفس الابتسامة الصغيرة اللي اداهالي وأنا طفل لما قسمت معاه القرصة. وقال: “أنت الوحيد اللي شفتني إنسان.” بعد شهور، صدر الحكم ببطلان التـ,ـزوير، ورجعت الأرض لأصحابها، واتحاسب كل من شارك في حبس يونس وتعذيبه. أما أنا… فكل ما أعدي جنب شجرة الجميزة، أفتكر إن أوقات كتير، الناس بتصدق كلمة “مجنون” أسرع بكتير من إنها تدور على الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى