روايات

في صباحيتي جوزي سلم دهبي لامه كتابة نور محمد

وقبل ما ترد… دخلت سيدة كبيرة في السن إلى القسم، وكانت ملامحها مرهقة. أول ما شافت حماته قالت أخيرًا… جه اليوم اللي هتتحاسبي فيه. بصلها الجميع في دهشة. السيدة مسحت دموعها وقالت أنا أم أول عروسة دخلت البيت ده من أكتر من عشر سنين… وبنتي خرجت منه مكسورة، بعد ما أخدوا دهبها وقالوا عليها مجنونة. وساد القسم صمت ثقيل… أما ريم، فبدأت تفهم أن اللي حصل لها لم يكن حادثًا عابرًا، بل بداية كشف سر ظل مدفـ,ـونًا سنوات طويلة… وأن الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد فضلت ريم واقفة مكانها، وهي حاسة

إن كل كلمة بتسمعها بتكشف وش جديد للعيلة اللي كانت فاكرة إنها دخلتها عروسة. السيدة الكبيرة طلعت من شنطتها ملف قديم، حافته كانت مهترية من كتر السنين. حطته قدام الضابط وقالت أنا محتفظة بكل حاجة… لأن بنتي مـ,ـاتت وهي بتردد جملة واحدة محدش صدقني. اتغيرت ملامح أحمد تمامًا. بص لأمه وقال بصوت مهزوز قولي إن ده كذب… قولي إنهم بيألفوا. لكن أمه فضلت ساكتة. الضابط فتح الملف، ولقي صور، ومحاضر قديمة، وأقوال شهود، لكن كل القضايا كانت متقفلة لعدم كفاية الأدلة.

قال الضابط الغريب إن كل الوقائع شبه بعض… نفس الأسلوب… نفس الاتهامات… ونفس النهاية. في اللحظة دي، تليفون ريم رن. كان أبوها. ردت عليه، فقال بهدوء إنتِ كويسة يا بنتي؟ قالت وهي بتحاول تمسك دموعها أنا كويسة يا بابا. رد عليها خليكي قوية… ولسه متقوليش كل اللي معاكي. استغربت، وسألته تقصد إيه؟ قال فاكرة يوم كتب الكتاب لما خليتك تمضي على ورقة من غير ما تقريها؟ سكتت ريم لحظة. كانت فاكرة فعلًا… لكنها وقتها افتكرت إنها ورقة عادية.

قال أبوها الورقة دي نسخة من قائمة المنقولات، ومتسجلة بتاريخ سابق للدخلة، وعليها توقيع أحمد بنفسه إنه استلم كل حاجة على سبيل الأمانة. شهق أحمد وهو يسمع الكلام. لف ناحية ريم وقال إنتوا عملتوا كده إمتى؟ أبوها كان لسه على السماعة، وقال بصوت ثابت يوم ما طلبتوا تستعجلوا الفرح… استغربت. ويوم ما أمه أصرت تعرف قيمة الدهب بالتفصيل… اتأكدت إن فيه حاجة غلط. ابتلع أحمد ريقه. ولأول مرة… بدأ يشك إن أمه كانت مخبية عنه أسرار عمرها سنين.

لكن قبل ما أي حد ينطق… دخل عسكري القسم وهو ماسك ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر. قدمه للضابط وقال الظرف ده اتساب قدام القسم من نص ساعة، ومكتوب عليه يُفتح بحضور ريم محمود فقط. بص الجميع للظرف في توتر. الضابط فك الختم ببطء… وأول ما شاف اللي جواه، رفع عينه ناحية حمات ريم وقال واضح إن في شخص قرر يتكلم أخيرًا… والاعتراف ده هيغير القضية كلها.

وانقلبت ملامح حماتها من الثبات إلى الرعب… لأنها عرفت بالضبط مين اللي بعت الظرف… وعرفت إن السر اللي دفنته سنين، خلاص خرج للنور فتح الضابط الظرف بهدوء، وأخرج منه فلاشة، ومعها جواب مكتوب بخط إيد واضح. قرأ أول سطر، ثم رفع عينيه وقال الجواب موجه لريم… لكن محتواه يخص التحقيق. ناول الورقة لريم. إيديها كانت بتترعش وهي بتقرأ لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا أخيرًا قدرت أتكلم من غير خوف. أنا واحدة من البنات اللي دخلوا البيت ده قبلك، وخرجوا منه مكسورين. سكت سنين، لكن بعد اللي حصل معاكي، عرفت إن السكوت بقى ذنب.

سكتت ريم لحظة، ثم كملت القراءة. أنا مش هكتب اسمي دلوقتي، لكن الفلاشة فيها كل حاجة… تسجيلات، وصور، ورسائل، تثبت إن اللي كان بيحصل مش مجرد خلافات عائلية. وصل الضابط الفلاشة بجهاز الكمبيوتر الموجود في مكتبه. ظهر أول فيديو… حمات ريم وهي قاعدة مع سيدة تانية، بتقول بمنتهى الثقة العروسة أول ليلة لازم تنكسر… لو رفعت عينها من أول يوم، عمرنا ما هنعرف نسيطر عليها. ساد الصمت في الغرفة. أما أحمد، فكان واقف كأنه مش قادر يستوعب إن الصوت ده صوت أمه.

بدأ الفيديو الثاني… وكان المفاجأة الأكبر. ظهر أحمد نفسه، لكن من يوم كتب الكتاب. كان بيتكلم مع أمه، وبيقول يا أمي، سيبي البنت في حالها، أنا مش عايز آخد دهبها. فردت عليه بغضب إنت مالكش دعوة… أنا ربيت إخواتك كلهم بالطريقة دي، وكل كنّة دخلت البيت ده نفذت كلامي. أحمد حط إيده على رأسه، وقعد على الكرسي وهو بيبكي لأول مرة. همس أنا كنت فاكر الموضوع مجرد حفظ للدهب… مكنتش أعرف…

لكن أمه قاطعته وهي بتصرخ اخرس! كل ده متفبرك! وقبل أن يكمل أحد الكلام… دخل رجل في منتصف الخمسينات إلى القسم، وكان يبدو عليه الإرهاق. أول ما شافته حمات ريم، صرخت إنت؟! رد الرجل بهدوء أيوه… أنا. وهقول الحقيقة اللي خبيتِها عن ابنك أكتر من عشرين سنة. التفت أحمد إليه وهو لا يفهم شيئًا. اقترب الرجل خطوة، ثم قال الجملة التي جعلت أحمد يتراجع للخلف في صدمة قبل ما تعرف حقيقة مراتك… لازم تعرف الحقيقة عن نفسك.

وتحولت كل الأنظار إلى الرجل، بينما عمّ الصمت المكان… وكأن السر الحقيقي لم يبدأ كشفه إلا الآن اتسمرت عيون أحمد في وش الراجل. قال بصوت متقطع حضرتك… تقصد إيه؟ تنهد الرجل وقال اسمي حسين… وكنت شريك أبوك الله يرحمه أكتر من خمسة وعشرين سنة. حمات أحمد قاطعته بعصبية اخرج بره! ملكش دعوة بعيلتنا. لكن الضابط رفع إيده وقال بحزم هيتكلم… محدش هيقاطعه. طلع حسين ملف صغير من شنطته، وحطه على المكتب.

وقال بعد وفاة والد أحمد، احتفظت بالأوراق دي بناءً على وصيته. وكان قايل لي لو ابني كبر، واكتشفت إن أمه ظلمت حد باسمه… سلمه الملف. فتح أحمد الملف بإيد مرتعشة. أول ورقة كانت بخط والده. قرأ أول سطر بصوت مسموع إلى ابني أحمد… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى للأسف أنا مش موجود، ويبدو إن أمك كررت الغلط اللي كنت بخاف منه. بدأت دموع أحمد تنزل وهو يكمل القراءة. أنا سيبت لك البيت والشقة والمحلات، لكن كتبتهم باسم أمك لحد ما تتم الثلاثين، لأنها وعدتني تحافظ عليك. لو استخدمت سلطتها في ظلم الناس، يبقى حسين معاه كل المستندات اللي ترجعلك حقك.

اتلفت أحمد ناحية أمه. كانت ملامحها شاحبة، ولسه بتحاول تنكر. لكن حسين أخرج مجموعة عقود أصلية. وقال ولا محل من اللي بتقول إنه باسمها… ملكها. كلها كانت أمانة. الضابط قلب العقود، وهز رأسه. أما أحمد، فبص لأمه وقال لأول مرة بلهجة حاسمة كل السنين دي… كنتِ بتكذبي عليّ؟ لم ترد. بل جلست على الكرسي، وعيناها في الأرض. وفي تلك اللحظة، تقدمت ريم بهدوء. خلعت الدبلة من إصبعها، ووضعتها فوق المكتب.

وقالت بصوت ثابت أنا خرجت من بيتكم يوم اتاخد دهبي… والنهارده خرجت من حياتكم كلها. ثم استدارت ناحية الباب. لكن قبل أن تخطو أول خطوة… قال الضابط يا مدام ريم… استني. التفتت إليه. أخرج من الملف ورقة أخيرة لم ينتبه لها أحد. نظر إليها طويلًا، ثم قال واضح إن في اسم تاني داخل في الموضوع… والاسم ده لو صح، يبقى اللي حصل النهارده مجرد بداية. تبادل الجميع النظرات في توتر.

أما أحمد، فحدق في الورقة، وما إن قرأ الاسم المكتوب فيها… حتى شهق وقال مستحيل… هو رجع؟! وانتهى المشهد على وجوه الجميع، بينما ظل الاسم مخفيًا، ليكشف سرًا أكبر مما توقعه أي شخص عمّ الصمت أرجاء القسم. أحمد كان مثبت عينه على الورقة، وشفايفه بتترعش. قال الضابط تعرف صاحب الاسم ده؟ هز أحمد رأسه ببطء، وقال أعرفه… لكنه اختفى من أكتر من خمستاشر سنة. سألته ريم باستغراب مين هو؟ رد بعد تردد

عمي… أخو أبويا. شهقت حماته، وقامت من مكانها وهي تصرخ لأ… مستحيل يكون لسه عايش! بصلها الضابط باهتمام. وقال واضح إنك عارفة أكتر مننا. لكنها سكتت، وكأنها أدركت إنها بدأت تكشف نفسها بنفسها. في اللحظة دي، الباب اتفتح. دخل رجل كبير، شعره كله أبيض، لكن خطواته كانت ثابتة. بمجرد ما أحمد شافه، همس عمي…! اقترب الرجل، وبص ناحية أحمد بحزن. وقال كبرت يا ابني… لكن للأسف الحقيقة اتأخرت كتير. وقف قدام الضابط، وأخرج بطاقة هويته، ثم ملفًا قديمًا.

وقال أنا مختفيتش… أنا اتجبرت أختفي. الضابط سأله ليه؟ رد وهو بيبص مباشرة ناحية حمات أحمد لأن مرات أخويا لفقـ,ـتلي قضية سـ,ـرقة، ولما حاولت أثبت براءتي، هددتني إنها تحرمني من أشوف أحمد طول عمري. اتسعت عينا أحمد. التفت إلى أمه وقال الكلام ده صحيح؟ لكنها لم تستطع الرد. أخفضت رأسها، وبدأت تبكي لأول مرة. فتح العم الملف. كانت فيه أحكام ببراءته، ومحاضر قديمة، وخطابات تثبت أنه حاول يرجع أكثر من مرة، لكن كل خطاب كان يختفي قبل ما يوصل.

قال العم أخوكِ مـ,ـات وهو فاكر إني خنته… وإنتِ خليتي ابنه يكرهني من غير ذنب. في تلك اللحظة، شعر أحمد أن حياته كلها كانت مبنية على أكاذيب. نظر إلى ريم، وعيناه مليئتان بالندم. قال أنا ظلمتك… وصدقت كل كلمة اتقالتلي. ريم ردت بهدوء الاعتذار بيرجع الكرامة لصاحبه… لكنه مش دايمًا بيرجع اللي اتكسر. ساد الصمت من جديد. وقبل أن ينهي الضابط التحقيق، دخل أحد الأمناء وهو يحمل تقريرًا وصل للتو من إدارة المباحث.

وما إن قرأه الضابط، حتى رفع رأسه وقال في شاهد جديد طلب الحضور بنفسه… ويقول إن عنده دليل يثبت إن اللي كان بيدير كل الأحداث دي، مش شخص واحد… ثم أغلق الملف ببطء وأضاف …وإن في اسمًا آخر لم يظهر بعد. وتبادل الجميع النظرات، بينما بقي السؤال معلقًا من هو الشخص الذي كان يحرك الجميع من خلف الستار؟بعد أقل من عشر دقائق، دخل رجل أنيق في أواخر الأربعينات، وما إن رأته حمات أحمد حتى شهقت خطوة للخلف.

قالت بصوت مرتعش إنت…! ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال أيوه… أنا سامح. المحاسب اللي كان بيمسك كل أملاك العيلة. أشار له الضابط بالجلوس، ثم سأله قلت إن عندك معلومات مهمة.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى