
دخلت نجلاء المدرسة. كانت حاسة إن كل العيون عليها. المدير استقبلها باحترام وقال: “التحقيق بعد نص ساعة.” دخلت غرفة التحقيق. كان فيه ثلاثة أشخاص. بدأوا يسألوها عن كل حاجة تخص شغلها ودروسها. جاوبت بكل هدوء، وقدمت كل المستندات اللي تثبت إن الدروس الخصوصية كانت خارج المدرسة، وفي مواعيدها القانونية. بعد ساعة كاملة… واحد من المحققين قال: “الكلام اللي في الشكوى فيه تناقضات كتير.” في اللحظة دي… دخل موظف بسرعة وهو ماسك ورقة.
وقال: “آسف على المقاطعة… الشخص اللي قدم الشكوى وصل.” كل الموجودين بصوا ناحية الباب. اتفتح الباب ببطء… ودخلت ست لابسة نظارة سودا. أول ما شافتها نجلاء… شهقت. وقالت بصدمة: “إنتِ؟!” الست قلعت النظارة… وابتسمت ابتسامة كلها شـ,ـماتة. كانت… سحر… زميلة نجلاء القديمة، واللي كانت مفصولة من المدرسة من سنتين بعد ما اتكشف إنها كانت بتاخد رشاوى من أولياء الأمور. سحر بصت لنجلاء وقالت: “افتكر إنك لما شهدتي ضدي زمان… الموضوع انتهى؟”
ابتسمت بخبث وهي كملت: “لا يا نجلاء… أنا لسه ما بدأتش أنتـ,ـقم.” سادت الغرفة حالة من التوتر. المحقق بص لسحر وقال بحزم: “الكلام هنا هيبقى بالمستندات، مش بتصفية الحسابات.” ابتسمت سحر بثقة، وفتحت شنطتها، وطلعت مجموعة أوراق وصور مطبوعة. حطتهم قدام لجنة التحقيق وقالت: “دي محادثات بين نجلاء وعدد من أولياء الأمور، ودي تحويلات على رقم موبايلها.” تناولت اللجنة الأوراق، بينما فضلت نجلاء ساكتة. وبعد دقائق، أحد المحققين عقد حاجبيه وقال:
“الأوراق دي فيها حاجة غريبة.” سحر اتوترت لأول مرة. “غريبة إزاي؟” رد المحقق: “كل صور المحادثات مقصوصة… مفيش تاريخ واضح، ولا اسم التطبيق كامل، وفي أجزاء من الكلام ناقصة.” هنا رفعت نجلاء رأسها وقالت بثبات: “ممكن أتكلم؟” أشار لها المحقق بالموافقة. طلعت موبايلها، وفتحته قدام اللجنة. وقالت: “دي المحادثات الأصلية… كاملة.” بدأت تعرض الرسائل واحدة واحدة. واتضح إن الصور اللي قدمتها سحر كانت متقصصة، وإن كل رسالة اتشال منها الجزء اللي بيثبت إن الدروس كانت في السنتر، وبرة مواعيد المدرسة.
بعدها طلعت كشف التحويلات البنكية. وقالت: “ودي كل التحويلات اللي استلمتها، موضح فيها إنها مقابل حصص في السنتر، ودي فواتير السنتر نفسه.” ساد الصمت. رئيس اللجنة بص لسحر وقال بصرامة: “عندك تفسير؟” بدأ العرق ينزل من على جبينها. “أنا… أنا وصلتني الأوراق دي من حد.” “مين؟” سكتت. كرر السؤال بصوت أعلى: “مين اللي ادالك المستندات؟” بلعت ريقها وقالت بتردد: “واحدة ست.” “اسمها؟” لفتت بعينيها ناحية الباب، كأنها خايفة حد يسمعها.
ثم همست: “مش هقدر أقول.” في اللحظة دي، رن موبايل أحد المحققين. رد بسرعة، وبعد ثواني اتغيرت ملامحه. قفل المكالمة وقال: “فيه كاميرات مراقبة من قدام المدرسة وصلت حالًا.” اتعرض التسجيل على الشاشة. ظهر فيه شخص بيسلم سحر ظرف أبيض قبل يوم من تقديم الشكوى. الصورة ما كانتش واضحة من الأول… لكن لما الفني قرّبها… شهقت نجلاء. أما سحر فوشها اصفر. وعاصم، اللي كان واقف مستني برة التحقيق، أول ما شاف الصورة من خلال الباب المفتوح، حس إن رجليه مش شايلاه.
لأن الست اللي كانت بتسلم سحر الظرف… كانت أمه. وقف الزمن للحظة. عاصم فتح الباب بعنف ودخل أوضة التحقيق وهو بيقول بانفعال: “مستحيل… أمي مستحيل تعمل كده.” رئيس اللجنة أشار له يقعد. “اهدى يا أستاذ عاصم… إحنا لسه بنتأكد.” الفني رجع الفيديو من الأول، وكبّر الصورة أكتر. الست كانت لابسة طرحة سودة ونضارة كبيرة، لكن ملامحها بدأت تبان. قرب عاصم من الشاشة، وفضل يبص ثواني طويلة… وفجأة قال: “دي… دي مش أمي.”
كل اللي في الأوضة بصوا له باستغراب. قال وهو بيشاور على الشاشة: “أمي عندها جـ,ـرح قديم في إيدها الشمال، واضح جدًا… والست دي إيديها مفيهاش أي علامة.” سحر شهقت من غير ما تقصد. أما نجلاء، فحست إن فيه لغز أكبر من اللي كانوا فاكرينه. قال رئيس اللجنة: “يبقى فيه واحدة كانت متعمدة تتنكر.” وفي اللحظة دي… رن موبايل سحر. ارتبكت وهي بصت للشاشة، وقفلت المكالمة بسرعة. لكن المحقق لمح الاسم قبل ما الشاشة تطفي.
قال بحزم: “مين (أميرة) دي؟” توترت سحر وقالت: “واحدة صاحبتي.” “كلميها على الاسبيكر.” “مش هينفع.” “ليه؟” سكتت. قال رئيس اللجنة: “لو رفضتي التعاون، ده هيتسجل ضدك.” بإيد مرتعشة، ضغطت على زر الاتصال. رن التليفون… مرة… واتنين… وفي التالتة، اتفتح الخط. جالهم صوت ست كبيرة في السن: “ها يا سحر… خلصتي من نجلاء ولا لسه؟” الأوضة كلها اتجمدت. سحر قفلت الخط بسرعة وهي بترتعش. رئيس اللجنة ضـ,ـرب بإيده على المكتب وقال:
“واضح إن الموضوع أكبر من مجرد شكوى كيدية.” أما عاصم… فكان بيفكر في حاجة واحدة. مين أميرة دي؟ لأنه عمره ما سمع الاسم ده قبل كده. لكن نجلاء… وشها اتغير فجأة. وشهقت وهي بتقول: “أميرة؟!… مستحيل!” بصلها عاصم بسرعة. “إنتِ تعرفيها؟” بلعت ريقها وقالت بصوت مخنوق: “أعرفها… دي مرات عمك حسين… والست الوحيدة اللي كانت موجودة مع مامتك يوم ما طلبت مني أشتري الشقة لمازن.” عاصم حس بصداع شديد. يعني الموضوع…
مكنش مجرد غضب من أمه. كان فيه حد بيحرك كل الخيوط من البداية… ويمكن… الهدف الحقيقي عمره ما كان الشقة. خرج عاصم ونجلاء من المدرسة، وكل واحد فيهم غارق في أفكاره. أول ما ركبوا العربية، عاصم قال وهو بيضـ,ـرب الدريكسيون بإيده: “أنا لازم أفهم… مرات عمي مالها ومالنا؟ هي هتستفيد إيه لو خربت بيتنا؟” نجلاء سكتت شوية، وبعدين قالت: “في حاجة أنا مخبيّاها عنك من زمان… وكنت فاكرة إنها انتهت.”
لف لها بسرعة. “إيه هي؟” أخذت نفسًا عميقًا وقالت: “من حوالي سنة، أميرة جتلي البيت من غير ما تعرفك، وكانت عايزة تستلف مني مليون جنيه.” اتسعت عينا عاصم. “مليون جنيه؟!” هزت رأسها. “قالت إن عم حسين داخل في صفقة كبيرة، ولو مدفعوش المبلغ هيخسروا كل حاجة. وعدتني إنها هترجعهم بعد ست شهور.” “وأنتِ عملتِ إيه؟” “رفضت.” “ليه؟” قالت بهدوء: “لأن المبلغ ده تحويشة عمرنا، ولأن مفيش ورقة واحدة كانت تضمن حقي.”
سكتت لحظة، ثم أكملت: “قبل ما تمشي قالتلي جملة عمري ما نسيتها.” “قالت إيه؟” قلدت صوت أميرة: “إنتِ فاكرة الفلوس دي هتفضل في إيدك؟ الأيام بينا يا نجلاء.” ضغط عاصم على أسنانه. “وليه ما قولتيليش؟” “لأنها اعتذرت بعدها بكام يوم، وقالت إنها كانت مضغوطة، وأنا حبيت أقفل الموضوع.” في اللحظة دي… رن موبايل عاصم. كان مازن. رد بسرعة. “أيوه يا مازن.” جاله صوت أخوه المرتعش: “إلحق يا عاصم… أمي تعبت جدًا، والدكتور عندنا في البيت.”
اتجمد مكانه. “مالها؟” “من ساعة ما رجعت من المدرسة وهي ضغطها عالي ومش بتبطل عياط… وبتقول إن كل الناس بقت تتهمها ظلم.” بص عاصم لنجلاء. قال: “لازم أروح.” قالت بهدوء: “وأنا هاجي معاك.” بعد أقل من عشرين دقيقة… دخلوا بيت الأم. لقوها نايمة على الكنبة، والدكتور بيقيس لها الضغط. أول ما شافت نجلاء، وشها قلب. وقالت بصوت ضعيف: “اطلعي برة… مش عايزة أشوفك.” لكن نجلاء قربت منها، وحطت شنطة الأدوية اللي كانت جايباها على الترابيزة.
وقالت بمنتهى الهدوء: “أنا جاية أطمن عليكي… مش أخاصمك.” الأم بصتلها باستغراب. أما الدكتور، فابتسم وقال: “الست محتاجة ترتاح، وتبعد عن أي انفعال.” بعد ما الدكتور مشي… فضل الصمت مسيطر. وفجأة… الأم قالت وهي باصة لعاصم: “أنا أقسم بالله… ما أعرف سحر، ولا عمري شفتها في حياتي.” رفع عاصم رأسه بسرعة. “يعني ملكيش دعوة بالشكوى؟” قالت وهي دموعها نزلت لأول مرة: “أنا غلطت لما ضغطت على مراتك في موضوع الشقة… لكن عمري ما أوصل إني أخرب مستقبلها.”
نجلاء بصت في عينيها… ولأول مرة حست إن الست دي مش بتمثل. لكن قبل ما أي حد يتكلم… دخل مازن من الباب وهو بيجري، ووشه شاحب. وقال بصوت متقطع: “يا جماعة… عم حسين عمل حـ,ـادثة.” سكت ثانية… ثم قال الجملة اللي قلبت كل الحسابات: “والبوليس لقى في عربيته شنطة مليانة أوراق… كلها باسم نجلاء.” شهقت نجلاء، وقامت من مكانها بسرعة. “أوراق باسمي أنا؟!” هز مازن رأسه وهو لسه بياخد نفسه.
“الظابط قال إنهم لقوا عقد، وصور بطاقتك، وصور من كشف حساب البنك… وطلبوا إنك تروحي القسم.” عاصم حس إن الدنيا بتلف بيه. “إحنا هنروح حالًا.” بعد أقل من ساعة… وصلوا القسم. استقبلهم الضابط، وفتح الشنطة قدامهم. كانت مليانة مستندات. صور بطاقة نجلاء. صور شهادات الاستثمار. وصور من كشف حسابها البنكي. وكمان… مسودة عقد توكيل عام. عاصم اتجمد. “المستندات دي خرجت منين؟” نجلاء كانت بتقلب في الورق، وفجأة وقفت عند ورقة معينة.
اتغير لون وشها. الضابط لاحظ. “حضرتك عرفتي حاجة؟” رفعت الورقة وقالت: “دي صورة من الملف اللي كان في أوضة نومي.” بص لها عاصم باستغراب. “إزاي؟” قالت وهي بتحاول تفتكر: “من أسبوع… أمك جت تزورنا، وكانت قاعدة في الصالة. في وقتها أميرة استأذنت تدخل الحمام.” سكتت لحظة. “بس اتأخرت.” عاصم افتكر. فعلاً… يومها استغرب إنها غابت حوالي عشر دقايق. قال الضابط: “تقصدي إنها دخلت أوضة النوم؟” هزت نجلاء رأسها. “وقتها ما شكيتش… لكن دلوقتي فهمت.”
في نفس اللحظة… دخل أمين الشرطة بسرعة. “يا فندم… عم حسين فاق في المستشفى.”
