روايات

ثـ,ـأر الاب حكايات انجى الخطيب

بعد مرور سنة، الحياة في الورشة بقت مألوفة وعميقة، والاسم اللي كان الناس بيعرفوه ب ورشة عم محمود بقى ليه هيبة تانية في المنطقة، مش بس بسبب شطارتنا في تصليح المكن، لكن بسبب الحكاية اللي بقت معروفة للكل البنت اللي رجعت من قلب الوحوش.

كنت قاعد براجع حسابات الورشة، ونور كانت بتخلص صيانة لمكنة تصوير كبيرة زبون باعتها مخصوص عشان إيد نور اللي فيها بركة، الموبايل رن، كان رقم خاص من مصلحة السجون، قلبي دق بس بثبات، رديت، كان صوت مأمور السجن بيقولي بلهجة رسمية يا حاج محمود، كريم المنشاوي طلب يقابل بنت حضرتك للمرة الأخيرة قبل ما يترحل لسجن شديد الحراسة، بيقول إن عنده رسالة أخيرة عايز يوصلها، والمحامي بيضغط عشان ده يحصل.

نور كانت سامعة، بصت لي وعنيها مفيهاش أي تردد، سابت المفك من إيدها، ومسحت إيدها في الأفرول وقالت أنا موافقة يا بابا. رحنا الزيارة، المكان كان كئيب وبارد، قعدنا ورا القزاز، وبعد دقايق دخل كريم، كان نسخة تانية من الراجل اللي عرفناه، شعره محلوق، ملامحه ذابلة، ونظرة عيونه اللي كانت مليانة غرور بقت منكسرة ومطفيّة. قعد ورا القزاز وبص لنور، فضل ساكت دقيقة كاملة، وبعدين قال بصوت مكسور كنت فاكر إن العالم كله مكنة كبيرة والفلوس هي الزيت اللي بيشغلها، كنت فاكر إني بشتري الكل.. حتى إنتي.

نور كانت باصة له بجمود، مافيش في عينيها غير الشفقة، كمل هو أنا مش جاي أطلب سماح، أنا جاي أقولك إن أبوكي كسب الرهان، أنا خسرت كل حاجة، والوحيد اللي لسه محتفظ بكرامته هو الراجل اللي كنت بستعر منه. نور قامت وقفت، وما ردتش عليه بكلمة، بس قبل ما تلف ضهرها وتمشي، قالت جملة واحدة خلت كريم ينهار ورا القزاز إنت مكنتش بتصلح حاجة يا كريم، إنت كنت بتكسر كل اللي يلمسك عشان تداري على فراغك.. ومبروك عليك الفراغ اللي بتعيش فيه دلوقتي.

خرجنا من السجن، الهوا كان طلق، ونور أخدت نفس عميق وكأنها بتخرج آخر ذرة سم من قلبها، مشينا في الشارع، والناس اللي كانت بتخاف من اسم المنشاوي، بقوا بيسلموا علينا بكل احترام، مش عشان إحنا بقينا أغنياء، بس عشان عرفوا إن القوة الحقيقية مش في السيطرة، القوة في البقاء بوش نظيف وضمير مرتاح. رجعت الورشة، لقيت نور دخلت وبدأت تكمل شغلها، مسكت العدة وبدأت أصلح جنبها، وفجأة نور ضحكت من قلبها، ضحكة صافية زللت كل غيوم الماضي، بصيت

لها وقلت الورشة نورت يا نور، ردت وهي بتغمزلي الورشة كانت دايما منورة يا بابا، بس إحنا اللي كنا محتاجين نصنفر صدى السنين عشان نشوف نورنا الحقيقي. وعرفنا وقتها، إن الحكاية خلصت، مش بانتصار على أعداء، لكن بانتصارنا على الوجع، وبأننا فضلنا إحنا.. إحنا. ……… سنتين كمان عدوا، والورشة مبقتش مجرد ورشة تصليح مكن، نور بقت شريكتي في كل حاجة، وفتحت قسم جديد متخصص في صيانة أجهزة الحاسب والأنظمة التقنية، القسم ده اللي خلاها تعتمد على ذكائها اللي كان مدفون ورا قسوة عيلة المنشاوي.

في ليلة صيف دافية، كنا قاعدين بنقفل الورشة، نور بصت للمكان بابتسامة رضا وقالت يا بابا، فاكر لما قولتلي إنك اتدربت ٢٣ سنة عشان تكون الراجل اللي أنقذني؟. بصيت لها، وشفت في ملامحها نضج سنين، وشفت فيها صورة أمها الله يرحمها، قلت لها أنا اتدربت عشان أحميكي، بس الحقيقة يا نور، إنتي اللي علمتيني إزاي أعيش من غير خوف، إنتي اللي حولتي الورشة لمملكة صغيرة لينا. نور سكتت لحظة، وطلعت من جيب الأفرول بتاعها كارت دعوة لفرح، كان كارت بسيط وشيك، مكتوب عليه اسم نور محمود واسم عريسها، شاب محترم مهندس كمبيوتر

كان بيجي يصلح مكنته عندنا، حبها لشخصها، لشجاعتها، للي هي عليه مش لأي حاجة تانية. نور مسكت إيدي وقالت المنشاوية كانوا بيشوفوا الناس ب الميزان، بيوزنوا الشخص بفلوسه ونفوذه، بس أنا عرفت إن الناس بتتوزن ب الأصل وبالسند، وأنا كان ليا أحسن سند في الدنيا. دمعت عيني، خلى كل ذرة وجع في قلبي من السنين اللي فاتت تتلاشى، اليوم ده الورشة كانت بتتهيأ لحدث جديد، مش خناقة ولا محاكمة، ده فرح نور.

والغريب، إن واحنا ماشيين بالليل، عدت من قدامنا عربية فاخرة، بصيت لها ببرود، مفيش جوايا أي حقد، ولا حتى ذكرى سوء، عرفت إن اللي بيخرج من معارك الحياة بكرامته وسلامه النفسي، هو اللي بيكسب فعلاً. قفلت باب الورشة، وعلقت اليافطة الجديدة اللي كتبناها سوا ورشة محمود ونور.. هنا بنصلح المكن وبنحترم الناس.

القصة الحقيقية مكنتش عن الانتـ,ـقام من المنشاوي، كانت عن أب رفض يشوف بنته مكسورة، وبنت رفضت تعيش في سجن من ذهب، واختاروا سوا يرجعوا للحياة، يشتغلوا بإيديهم، ويعيشوا بكرامة، في ورشة صغيرة، بس سقفها السما.. والبداية كانت ب يا بابا، تعال خدني، والنهاية كانت ب يا بابا، شكراً إنك خليتني أنا. تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى