روايات

كان زوجى يضـ,ـربنى كل يوم

الطبيب نظر إلى صورة الأشعة… ثم التفت إلى الزوج وقال: الحقيقة أخطر مما تتخيل! قال الطبيب ببطء، وكأن كل كلمة ينطق بها يجب أن تخترق جدارًا صلبًا حتى تصل إلى عقل حيدر أستاذ، زوجتك بالتأكيد لم تسقط من الدرج. صور الأشعة تظهر كسورًا قديمة في مراحل مختلفة من الالتئام، وإصابة سابقة في مفصل الحوض لم تُعالج بصورة صحيحة، وضلعين التأما بشكل غير سليم، إضافة إلى آثار إصابات متكررة وقوية. هذه الحالة لا تتوافق مع سقوط عابر… بل تتوافق مع عنف مستمر.

بقيت مستلقية بلا حركة فوق سرير المستشفى، والملاءة الخشنة تلتصق بساقيّ، بينما كان الألم ينبض في كل جزء من جسدي. لم أكن أراه بوضوح من الزاوية التي كنت مستلقية فيها، لكنني شعرت به. شعرت بلحظة انقطاع أنفاسه. وسمعت صوت فيلم الأشعة الجاف وهو يرتجف بين أصابعه. تقدم الطبيب خطوة ثابتة نحو السرير. ثم قال وهناك أمر آخر. رفع حيدر رأسه. كان وجهه شاحبًا بصورة مخيفة، وعيناه فارغتين، وكأن عقله يبحث بسرعة عن كذبة جديدة ولم يجدها.

قال الطبيب زوجتك حامل. هبط على الغرفة صمت خانق. لم أعد أسمع صوت عربات الأدوية وهي تتحرك في الممر، ولا صوت التلفاز الخافت القادم من الغرفة المجاورة، ولا همسات الممرضات. لم يبقَ داخل رأسي سوى كلمة واحدة تتردد بقوة، وكأن جسدي المتعب لم يستطع فهمها. حامل. اجتاحني برد عميق، تجاوز ألم الإصابات ووصل إلى مكان أبعد بكثير في داخلي. استدار حيدر ونظر إليّ. لم يكن في عينيه حنان. ولا راحة.

ولا حتى ذرة ندم. كان ينظر إليّ وكأنني شيء مخيف ظهر أمامه فجأة. تابع الطبيب كلامه، وقد اختفت من صوته كل المجاملة بحسب تحاليل الدم والفحص بالموجات فوق الصوتية، فإن الحمل في حدود الأسبوع الرابع عشر. هناك نـ,ـزيف، وهناك احتمال مرتفع لحدوث مضاعفات، لكن الحمل ما زال مستمرًا. وقبل أن تقول أي كلام غير منطقي، دعني أوضح لك حقيقة طبية لا جدال فيها الأم لا تحدد جنس الجنين. العامل الذي يحدد ذلك يأتي من كروموسومات الأب.

رأيت تلك الكلمات تصيبه في الصميم. لسنوات، كان حيدر يعاقبني لأنني لم أنجب له ولدًا. لسنوات، كان يصفني بأنني ناقصة ولا فائدة مني، وأنني جلبت النحس إلى البيت. ولسنوات، كانت والدته تجلس في الغرفة المجاورة تتمتم بالأدعية، بينما كنت أتحمل ما لا أحتمل، وكأن ابنتيّ الجميلتين خطأ وليستا طفلتين بريئتين. والآن، جاء طبيب يرتدي معطفًا أبيض، بصوت متعب لرجل رأى الكثير من قسوة الناس، وهدم في لحظات الكذبة الكبيرة التي بُني عليها جحيمي كله.

لم يكن الخطأ خطئي. لم يكن يومًا خطئي. فتح حيدر فمه وهو يتلعثم دكتور… اسمعني، أنا… قاطعه الطبيب بحدة لا تحاول أن تشرح لي شيئًا. لقد أبلغت بالفعل قسم حماية الأسرة والجهة القانونية في المستشفى. المريضة لن تغادر اليوم، ولن يُسمح لك بالبقاء معها وحدك داخل هذه الغرفة. شعرت بشيء ينكسر ويتغير داخل صدري. لم يكن الخوف قد اختفى. كان لا يزال يلتصق بجسدي مثل عرق بارد. لكن شيئًا آخر ظهر إلى جانبه.

شرخ صغير جدًا في سنوات الطاعة والصمت. تقدم حيدر بحذر نحو السرير، مستخدمًا نبرته الناعمة المزيفة التي كان يحتفظ بها أمام الغرباء. قال قولي للطبيب يا سارة إن الموضوع مجرد حادث… وإنج طحتي بالغلط. نظرت إليه مباشرة. كانت شفتاي متورمتين، ووجهي يؤلمني، وجسدي يحمل آثار أيام وسنوات طويلة. ومع ذلك، استيقظ في داخلي شيء ظل مدفونًا تحت الخوف طوال تلك المدة. همست لا. تجمد في مكانه. سارة… قلت مرة أخرى، وصوتي هذه المرة كان أوضح

أنا ما طحت. نظر الطبيب في عيني. وفي تلك اللحظة بالتحديد، رغم أن أصابعي كانت ترتجف دون سيطرة مني، عرفت أنني تجاوزت خطًا لا يمكنني الرجوع عنه. فُتح الباب الثقيل. دخلت ممرضة تمسك لوحة أوراق، وخلفها امرأة ترتدي سترة رسمية، وشعرها مربوط بإحكام، وتتدلى من عنقها بطاقة تعريف. لم تكن شرطية. ولم تكن طبيبة. لكن دخولها وحده غيّر جو الغرفة كله، وجعل الصمت أكثر جدية. قالت بنبرة حازمة السيدة سارة، أنا زينب الكعبي، باحثة اجتماعية من قسم حماية الأسرة والطفل، وأعمل بالتنسيق مع وحدة مواجهة العنف الأسري. أنا هنا حتى أمثلك وأدافع عن حقوقك.

استدار حيدر نحوها بسرعة. ماكو داعي لكل هذا. هذا موضوع عائلي خاص. لم تلتفت إليه حتى. قالت بهدوء ولهذا السبب تحديدًا تم استدعائي. كنت أريد أن أبكي. ليس لأنني شعرت بالأمان الكامل، فأنا لم أكن آمنة بما يكفي بعد. كنت أريد البكاء لأن أحدًا أخيرًا نظر إلى ما أعيشه وسمّاه باسمه الحقيقي. لم يقل إنها مجرد مشكلات زوجية. ولم يقل إن حيدر عصبي فقط. ولم يطلب مني أن أتحمل وأصمت وأدعو الله أن يتغير.

حاول حيدر الاقتراب من السرير مرة أخرى. قال لي بصوت واضح سارة، فكري زين قبل لا تحجين. ثم خفض صوته إلى همسة قاسية لا يسمعها سواي إذا تفتحين حَلگج، آخذ البنات منج وما تشوفينهن طول عمرج. توقفت أنفاسي. ها هو السـ,ـلاح الذي يعرف أنه يشلني تمامًا. لم يهددني أنا هذه المرة. هدد ابنتيّ. كان يعرف دائمًا أين يوجه أكثر كلماته قسـ,ـوة. لاحظت زينب الخوف الذي ظهر فورًا على وجهي، فتقدمت ووقفت بيننا.

قالت أستاذ، لازم تطلع من الغرفة. رد حيدر هي مرتي على سنة الله ورسوله. قالت بصرامة وهي الآن مريضة مصابة وتحتاج إلى الحماية. اطلع. ضغط حيدر على أسنانه. نظر إلى الطبيب، ثم إلى زينب، وأخيرًا إليّ. كنت أرى الحسابات تدور داخل رأسه. كان يفكر كعادته. ماذا يستطيع أن يفعل قانونيًا؟ وإلى أي حد يمكنه الضغط؟ ومتى يتراجع مؤقتًا حتى يعود بطريقة أخرى؟ وفي النهاية، مال قليلًا نحوي وقال الموضوع بعده ما انتهى.

ثم استدار وغادر. أُغلق الباب الثقيل خلفه بصوت واضح. وللمرة الأولى منذ ما يقارب عشر سنوات، لم أشعر أن الغرفة زنزانة مغلقة. شعرت أنها حصن. اقتربت زينب من سريري بلطف. قالت بصوت أخف لازم أسألج بعض الأسئلة الروتينية، لكن قبل كل شيء لازم أعرف فورًا بناتج الآن وحدهن بالبيت؟ ذلك السؤال وحده جعل قلبي يقفز من الخوف. بناتي. كنت قد تركتهن في الصباح عند الحاجة أم جاسم، المرأة الكبيرة التي تسكن في البيت المقابل، قبل أن يسحبني حيدر إلى الساحة ويتحول كل شيء بعدها إلى صراخ وطنين وظلام.

هل بقيتا عندها؟ هل عاد حيدر وأخذهما؟ هل جاءت أمه وأخذتهما معها؟ قلت بصوت مكسور ما أعرف… والله ما أعرف وينهن هسه. نظرت زينب إلى الممرضة، فخرجت الأخيرة فورًا إلى الممر وهي تمسك هاتفها وتبدأ الاتصال. قالت زينب وهي تحاول طمأنتي راح نعرف مكانهن الآن. لكن أحتاج منج تحجين الحقيقة كلها يا سارة. الحقيقة كاملة، حتى يكون عندي سند قانوني أحمي بيه البنات أيضًا. الحقيقة كاملة. يا لها من فكرة مرعبة بعد سنوات تعلمت فيها ألّا أقول شيئًا.

بدأت ببطء. لم أبدأ من أول مرة أساء فيها إليّ. ولا من يوم ولادة ابنتيّ حين رفضت حماتي أن تحملهما. ولا من صباحات الساحة الطويلة. بدأت بجملة صغيرة واحدة الموضوع مو بس اليوم. وبعدها انفتح كل شيء. حكيت لها عن الاعتداءات المتكررة. وعن الإهانات. وعن المرات الكثيرة التي كنت ألف فيها وشاحًا سميكًا حول رقبتي حتى أخفي الآثار. وعن والدته التي كانت تجلس في الغرفة المجاورة وتسمعني، ثم تكتفي بالدعاء.

وعن الليالي التي كانت ابنتاي تختبئان فيها داخل الخزانة وتغلقان أذنيهما بأيديهما الصغيرتين. وعن الصباحات التي كنت أقف فيها في المطبخ وأجهز فطوره بعين متورمة. لم تقاطعني زينب مرة واحدة. كانت تكتب بهدوء وثبات. وبين وقت وآخر، تسألني بلطف عن تاريخ محدد، أو عدد المرات، أو اسم شخص. كان الطبيب واقفًا قريبًا منا، يهز رأسه بملامح قاتمة، وكأن الكسور القديمة الظاهرة أمامه على الجهاز تؤكد كل كلمة أقولها. وحين انتهيت من الكلام، شعرت أنني فارغة تمامًا.

لم أشعر أنني شُفيت فجأة. ولم أشعر أنني أصبحت حرة بالكامل. شعرت فقط بأن كل شيء داخلي أُفرغ. مثل بيت مهجور أخرجوا منه الأثاث المكسور، وبقيت جدرانه واقفة وحدها. بعد نحو ساعة، دخلت فنية الأشعة الصوتية حتى تفحص الجنين. رفضت النظر إلى الشاشة. كنت خائفة من أن أتعلق بحياة صغيرة قد تكون مهددة داخل جسدي المتعب. لكن الفنية سألتني بصوت ناعم تحبين تسمعين نبضه؟ أومأت إيماءة خفيفة. وفجأة، امتلأت الغرفة بصوت سريع، ثابت، وعنيد.

دق دق. دق دق. دق دق. أغمضت عيني بقوة، وسالت الدموع الساخنة على خدي. لم أكن أعرف إن كنت أريد هذا الحمل فعلًا، أم أنني فقط خائفة من كل ما يحدث. لم أكن أعرف هل يستطيع جسدي أن يتحمل. ولم أكن أعرف إن كان الجنين ولدًا أم بنتًا. وللمرة الأولى في حياتي، أدركت أنني لا أهتم. مجرد سماع ذلك الصوت في داخلي… حيًا. متمسكًا.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى