روايات

اقرب صاحب ليا

السر ده عمره ما كان عشان شفقة… ولا خوف من كلام الناس… لكنه متعلق بحاجة حصلت يوم كنتوا أطفال، وحلفت ما أحكيهاش لحد ما ييجي وقتها. اتسعت عيني. رفعت بصري ناحية كريم. إيه اللي حصل وإحنا صغيرين؟ كريم نزل عينه للأرض، وقال أنا كنت فاكر إن عمك هياخد السر ده معاه للقبر… لكن واضح إنه قرر يسيبهولك. وفي اللحظة دي… باب أوضة العمليات اتفتح مرة تانية. وخرجت ممرضة وهي بتقول بصوت مرتفع

الأستاذ كريم… بسرعة لو سمحت! كريم جري ناحيتها. وقبل ما يختفي جوه الأوضة، بصلي وقال كملي الرسالة… وهتفهمي ليه مريم كانت دايمًا تقول إن ربنا جمعنا لسبب. فضلت واقفة وحدي في الممر، وقلبي متعلق بين الرسالة وأوضة العمليات… وإيدي بدأت تقلب الصفحة التالية، وأنا مش مستعدة أبدًا للكلمات اللي كانت مستنياني فيها قلبت الصفحة ببطء، وكل حرف كنت بقراه كان بيخليني أحبس نفسي. يا سارة… فيه يوم محدش فاكره غيري أنا وكريم.

اتجمدت مكاني. كملت. كان عندكم سبع سنين، وكنتوا بتلعبوا قدام الترعة القديمة. انتي جريتي ورا الكورة، ومريم جريت وراكي من غير ما تاخد بالها من الحفرة اللي كانت قدامها. بدأت صور قديمة تطلع في دماغي… صور مشوشة كنت فاكرة إنها مجرد أحلام. قبل ما حد يلحقها، كريم رمى نفسه وجرا عليها، وبعدها الاتنين وقعوا. يومها مريم اتعورت، وكريم فضل في المستشفى يومين، لكنه رفض يقول لحد إنه خاطر بنفسه علشان ينقذها.

دموعي نزلت من غير ما أحس. افتكرت اليوم ده… افتكرت إنهم قالوا وقتها إنها كانت وقعة بسيطة. لكن واضح إن الحقيقة كانت أكبر من كده. وفي آخر الصفحة كان مكتوب من يومها، كريم عمره ما بص لمريم على إنها مختلفة. كان دايمًا يقول إنها أنقى قلب شافه في حياته. قفلت عيني لحظة. يمكن علشان كده كان بيعاملها بطريقة مختلفة طول عمره. لكن… لسه فيه صفحات تانية. وأول ما قلبت الصفحة اللي بعدها…

لقيت ظرف صغير متثبت بدبوس. مكتوب عليه لا يُفتح إلا إذا وافقت مريم بنفسها… أو لو كانت غير قادرة تتكلم. قلبي دق بعـ,ـنف. الظرف كان مقفول بالشمع الأحمر. بصيت ناحية أوضة العمليات. أفتح… ولا أستنى؟ في اللحظة دي خرج كريم من الأوضة. وشه كان شاحب، لكن أول حاجة عملها إنه بص للظرف. ولما شافه في إيدي، وقف مكانه. قال بهدوء لسه ما فتحتيهوش؟ هززت راسي. قرب مني، وحط إيده على الظرف، لكنه ما فتحوش.

قال أنا وعدت والدك إن القرار ده يكون ليكي… بس لازم تعرفي إن بعد ما الظرف ده يتفتح، عمرنا ما هنرجع زي الأول. قبل ما أسأله يقصد إيه… اتفتح باب المصعد بعنف. ودخل راجل كبير في السن، أول ما وقعت عينه على كريم، صرخ باسمه الحمد لله لقيتك! كلنا بصينا عليه باستغراب. الراجل كان ماسك ملف قديم، وأنفاسه متقطعة، وقال جملة خلت ملامح كريم تتغير تمامًا الورق اللي كنتوا فاكرينه ضاع… رجع.

وساعتها، لأول مرة من بداية الليلة… ظهر الخوف الحقيقي في عيون كريم كريم خطف الملف من إيد الراجل بسرعة، وبص حواليه كأنه خايف حد يسمع أي كلمة. قلت بقلق مين حضرتك؟ الراجل مسح عرقه وقال أنا عم سعيد… كنت شغال مع والدكم سنين طويلة. أنا معرفتوش في الأول، لكن لما ركزت في وشه افتكرت. كان بييجي البيت زمان كل فترة. بصيت لكريم. إيه الورق ده؟ قبل ما يرد، عم سعيد قال

قلتله زمان يحرقه… لكنه رفض. قال الحقيقة لازم تفضل موجودة، حتى لو اتدفـ,ـنت سنين. كريم قفل الملف بسرعة. وقال بنبرة حاسمة مش هنا. لكن عم سعيد هز راسه. لا… هنا. لأن الوقت خلاص خلص. كنت حاسة إن أعصابي هتنهار. صرخت فيهم حد يفهمني! فيه إيه؟! سكتوا ثواني… وبعدين كريم قال الملف ده فيه كل حاجة حصلت بعد وفـ,ـاة والدك… وحاجات عمرها ما وصلتلك. مد الملف ناحيتي. لكن قبل ما آخده…

رن موبايل كريم. بص للشاشة، واتغير لونه. رد بسرعة أيوه يا دكتور؟ فضل ساكت وهو بيسمع. وفجأة دموعه نزلت. قلبي وقع. قلت بصوت مخنوق مريم؟ بصلي وهز راسه بسرعة. لا… هي لسه في العمليات. تنفست، لكن خوفي ما راحش. كمل كلامه مع الدكتور، وبعدها قفل المكالمة. قلت قالك إيه؟ رد بصوت واطي قال إن فيه قرار لازم يتاخد خلال دقايق… ومستني توقيعي. قرار إيه؟ قبل ما يجاوب… خرج الدكتور بنفسه من أوضة العمليات.

كان شايل ملف تاني. وقف قدام كريم وقال إحنا محتاجين نتأكد من معلومة موجودة عندكم، لأنها هتفرق في كل اللي هنعمله بعد كده. وأشار بعينه للملف القديم اللي مع عم سعيد. أنا بصيت بين الاتنين باستغراب. الدكتور قال واضح إن الملف ده فيه مستندات إحنا محتاجين نراجعها دلوقتي. عم سعيد فتح الملف ببطء… وأخرج منه ظرف أصفر قديم، عليه ختم مستشفى، وتاريخ من أكتر من عشرين سنة. بصلي وقال والدك كان مصمم إن الظرف ده ما يتفتحش إلا في اليوم اللي تكون فيه حياة مريم متوقفة على معرفة

الحقيقة. مد الظرف ناحيتي. إيدي كانت بتترعش وأنا باخده. ولما لمحت أول كلمة مكتوبة على الغلاف… عرفت إن اللي جواه مش هيغير ليلة واحدة… هيغير تاريخ عيلتنا كلها. لكنني ترددت لحظة قبل أن أكسر الختم…بصيت للختم ثواني طويلة، وإيدي كانت بتترعش. كريم قال بهدوء اعملي اللي تشوفيه صح… محدش هيجبرك. خدت نفس عميق… وكسرت الختم. كان جواه ورقتين فقط. الأولى بخط إيد بابا. والتانية صورة من مستند رسمي قديم. بدأت أقرا الرسالة.

يا سارة… لو وصلتي للورقة دي، يبقى ربنا كتب إن السر يطلع للنور. أوعي تكرهي حد قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة. وقفت لحظة. دي كانت أول مرة بابا يكتب الجملة دي. كملت. بعد ولادة مريم، الأطباء قالوا إنها هتحتاج رعاية خاصة طول عمرها. وقتها ناس كتير نصحوني أوديها مؤسسة رعاية، وقالوا إنها هتكون أفضل هناك. دموعي نزلت. كنت عارفة إن بابا كان متعلق بمريم… لكن عمري ما عرفت إنه اتعرض للموقف ده.

رفضت، وقلت إن بنتي مكانها وسط أهلها، مش بعيد عنهم. لكن القرار ده خلّى بعض الناس يبعدوا عننا، وفيه ناس حاولت تستغل خوفنا على مستقبلها. رفعت عيني لكريم. قال كملي… لسه الأهم. قلبت الصفحة. فيه شخص جه يقابلني بعد سنين، وعرض عليا يساعد مريم، لكن كان ليه شرط… شرط رفضته فورًا. قلبي دق بسرعة. شرط إيه؟ كريم سكت. واضح إنه عارف، لكنه مستني الرسالة تكمل. رجعت أقرا. رفضت العرض، ومن يومها احتفظت بكل المستندات دي، علشان لو حاول أي حد في المستقبل يزور الحقيقة، يكون عندكم الدليل.

بصيت للمستند الرسمي. كان فيه أختام وتوقيعات، لكن قبل ما ألحق أركز في التفاصيل… سمعنا صوت جهاز إنذار خارج من أوضة العمليات. الدكاترة والممرضين جريوا بسرعة. باب العمليات اتفتح للحظة، وشفت حركة غير طبيعية جوه. كريم جري ناحية الباب، لكن الأمن طلب منه يقف. كل اللي قدرنا نعمله إننا نستنى. مرت دقيقة… وبعدين اتنين… وبعدين خرج الدكتور، لكن المرة دي ملامحه كانت مختلفة. وقف قدام كريم وقال إحنا سيطرنا على الأزمة مؤقتًا… لكن لسه قدامنا ساعات صعبة.

كلنا تنفسنا الصعداء. لكن الدكتور كمل وفيه حاجة غريبة حصلت. أنا اتقدمت خطوة. إيه هي؟ قال وهو بيبص للملف اللي في إيدي قبل ما تدخل العمليات، مريم كانت مصرة تكرر اسم واحد… أكتر من مرة. أنا وكريم بصينا لبعض. قلت بسرعة مين؟ الدكتور رد قالت… افتحوا الملف قبل ما يفوت الأوان. ساعتها أدركت إن المستندات اللي بين إيديا مش مجرد ذكريات من الماضي… وإن السر الحقيقي لسه ما اتقالش، وما زال مستخبي بين الأوراق اللي بابا فضل محافظ عليها كل السنين دي فضلت أبص للملف وأنا حاسة إن كل ورقة فيه تقيلة كأنها حجر.

كريم قرب مني وقال مريم كانت عارفة إن اليوم ده ممكن ييجي… وعشان كده كانت مصممة إنك تعرفي كل حاجة بنفسك. فتحت آخر جيب في الملف. كان فيه دفتر صغير، جلده بني وقديم. على أول صفحة مكتوب ملاحظات خاصة… لا تُقرأ إلا عند الضرورة. بصلي عم سعيد وقال والدك كان بيكتب فيه كل حاجة أول بأول. بدأت أقلب الصفحات. كل صفحة كانت بتاريخ. أحداث… مواعيد… أسماء. لحد ما وصلت لصفحة متعلم عليها بقلم أحمر.

قرأت أول سطر، فاتسعت عيني. اليوم قابلت الشخص للمرة الأخيرة… وسجلت كلامه تحسبًا لأي إنكار. بصيت لكريم. سجل؟ هز راسه وقال فتشي كويس. قلبت الدفتر مرة تانية. وفجأة وقع منه ظرف صغير. فتحته… طلع مفتاح معدني قديم، مربوط بخيط أسود. ومعاه ورقة مكتوب فيها المفتاح ده يفتح الدرج السفلي في مكتبي. قلت باستغراب مكتب بابا؟ عم سعيد رد فورًا أيوه… المكتب لسه موجود في البيت القديم. محدش فتح الدرج ده من يوم وفـ,ـاته.

سكتنا كلنا. كل واحد فينا كان بيفكر في نفس السؤال إيه اللي بابا خباه كل السنين دي؟ في اللحظة دي خرج الدكتور مرة تانية. ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة من بداية الليلة. قال الحمد لله… العملية خلصت. قلوبنا رجعت تدق. لكن قبل ما نفرح، كمل مريم خرجت من أخطر مرحلة، لكنها لسه في العناية المركزة، وممنوع أي حد يشوفها دلوقتي. كريم سجد على الأرض من شدة الحمد. وأنا دموعي نزلت من غير ما أحس.

بعد دقائق، وإحنا لسه واقفين قدام العناية… بص كريم للمفتاح اللي في إيدي وقال أول ما نطمن عليها… هنروح البيت القديم. سألته ليه مستعجل؟ رد وهو بيبص للدفتر لأن والدك كتب آخر جملة قبل وفـ,ـاته بيوم واحد. فتحت آخر صفحة بسرعة. وكان مكتوب فيها لو وصلتم لحد هنا… اعرفوا إن الحقيقة الكاملة مش في الأوراق… الحقيقة موجودة في الدرج المقفول، ومعاها دليل هيبرئ شخص اتظلم سنين، وهيكشف اسم الشخص اللي حاول يدمـ,ـر عيلتنا من البداية.

نظرت إلى كريم، ثم إلى المفتاح في يدي. كل الأسرار اللي عرفناها كانت مجرد بداية… أما ما ينتظرنا داخل الدرج المغلق، فكان كفيلًا بأن يقلب حياة كل فرد في العائلة رأسًا على عقب تاني يوم، بعد ما الدكتور طمنا إن حالة مريم مستقرة، خرجنا من المستشفى. ولا واحد فينا كان بيتكلم. كأن كل واحد خايف من اللي مستنينا. ركبنا العربية واتجهنا للبيت القديم. البيت كان مقفول من يوم وفـ,ـاة بابا.

أول ما فتحت الباب، ريحة المكان رجعتلي ذكريات سنين. كل حاجة كانت زي ما هي. الساعة المعلقة على الحيطة. المكتبة الخشب. والمكتب اللي كان بابا يقعد عليه كل ليلة. كريم وقف قدامه وقال هو ده. طلعت المفتاح من جيبي. ولما قربته من الدرج السفلي… لف مع أول محاولة. سمعنا صوت تك. والدرج اتفتح ببطء. كان جواه صندوق خشب صغير. عليه ورقة مكتوب فيها لو فتحت الصندوق، متقراش أي ورقة لوحدك… لازم كريم وعم سعيد يكونوا موجودين.

بصينا لبعض. فتحنا الصندوق. كان جواه ملف سميك، وكاسيت تسجيل قديم، ومظروف أبيض. عم سعيد أول ما شاف الكاسيت، اتنهد وقال لسه محتفظ بيه… قلت باستغراب إيه التسجيل ده؟ رد آخر مقابلة حصلت بين والدك والشخص اللي كان بيحاول يضغط عليه. قلبي دق بسرعة. كريم فتح المظروف الأبيض. كان جواه ورقة واحدة. قرأ أول سطر… وفجأة وشه اتغير. مد الورقة ناحيتي من غير ما يتكلم. كان مكتوب إذا وصلتم إلى هذه المرحلة، فلا تتهموا أحدًا قبل سماع التسجيل كاملًا، لأن الحقيقة ليست كما تبدو.

في اللحظة دي… سمعنا صوت باب البيت بيتفتح. اتلفتنا بسرعة. مع إننا كنا متأكدين إن مفيش حد معاه مفتاح غيرنا. خطوات بطيئة بدأت تقرب من أوضة المكتب. وكأن حد كان عارف إننا هنفتح الدرج النهارده. كريم وقف قدامي تلقائيًا. عم سعيد بص ناحية الباب وقال بصوت منخفض مستحيل… ثم ظهر ظل شخص واقف عند مدخل الأوضة. ولأول مرة من سنين… نطق عم سعيد اسمه بصوت مرتعش إنت…!الكل اتجمد مكانه. الراجل أخد خطوة لجوه المكتب، وشال الكاب اللي على راسه.

اتسعت عيون عم سعيد وقال حسن؟! بصيت للراجل باستغراب.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى