
بصيتلها بثبات، عيني في عينها، وهي محافطة على نفس الابتسامة الهادية الليلة اللي فيها سم بيقطر. رأفت كان واقف ورايا، كأنه صنم متكتف، مش عارف يودي وشه فين ولا يهرب من الموقف إزاي. قربت خطوات من السرير بخطوة دكتورة محترفة، ماسكة نفسي بالعافية، وحابسة النار اللي بتاكل في صدري. اتكلمت ببرود تام: ـ “حمد الله على سلامتك يا مدام.. البنت وزنه وصحتها كويسين جداً.” هي ما اكتفتش بالنصر دا، حبت تكمل اللعبة النفسية للآخر وتكسر كبريائي قدام جوزي، أو بالأحرى “جوزنا”. بصت لـ رأفت بنظرة انكسار مصنعة، ودلعت صوتها وهي بتقول:
ـ “رأفت يا حبيبي.. معلش تعال ادلي المخدة ورا ضهري، حاسة إن ضهري هينكسر.. مش قادرة أظبط قعدتي خالص.” رأفت بصلها برعب، وبعدين بصلي بثواني متلخبطة، كان متردد يتحرك ولا يفضل مكانه. بس هي كملت بمسكنة وهي بتمسك إيده قدامي: ـ “تعال بس يا حبيبي.. أنت عارف أنا ما بأمنش حد يلمـ,ـسني أو يخد باله مني غيرك، من أول الحمل وأنت اللي بتشيلني وتحطني.”
رأفت اتقيد، وجيه بطريقة مرتبكة يسند المخدة ورا ضهرها، وإيده كانت بتهتز كأنه بيمسك جمرة نار. هي استغلت القرب ده، ولمست إيده بحنية واستندت عليه بكل ثقلها، وعينها متثبتة عليا بتراقب رد فعلي، كأنها بتقولي: *شفتي اللي كنت بحكيهولك في العيادة؟ طلع حقيقة اهو وعلى عينك يا تاجر.* أنا فضلت واقفة، ملامحي زي الجليد، مش هديها متعة إنها تشوف دموعي ولا تعصبي. أول ما ظبطت قعدتها، بصتلي وقالت بصوت مجهد متصنع:
ـ “دكتورة.. هو أنا ينفع أقوم أمشي دلوقتي؟ رأفت قلقان عليا أوي ومستني بفارغ الصبر لما أقوم على رجلي، أصل الجرح بيوجعني أوي ومش هقدر أقوم لوحدي.. تعال يا رأفت مسكني من وسطي وسندني عشان أتحرك شوية زي ما الدكتورة قالت.” رأفت وشه بقى أصفر زي الورقة، وبلع ريقه وهو بيحاول يهرب من اللحظة دي، وبصلي بصوت مبحوح: ـ “هو.. هو ينفع تقوم تمشي دلوقتي يا دكتورة؟ ولا بلاش تحميل على الجرح؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة جداً، وجاوبت وأنا باصة لـ رأفت في عيونه مباشرة: ـ “بالعكس يا رأفت.. الحركة مهمة جداً عشان الجرح وعشان التجلطات.. اتفضل سندها، ماهو أنت متعود على شيل مسؤوليتها وتدليلها طول التسع شهور اللي فاتوا.. كمل جمك للنهاية!” رأفت اتسمر مكانه، والكلمة نزل عليه زي الصاعقة. هي حست بحرج بسيط من نبرتي، بس سرعان ما استعادت ثقتها، وراحت ماداله إيديها الاتنين وهي بتقوله بدلع: ـ “يلا يا رأفت.. قومني بالراحة، مسكني كويس بلاش تسيبني أقع.”
قرب منها رأفت بإيدين بترتعش، وربط دراعه حوالين وسطها عشان يقومها، وهي سأندة كل جسمها عليه، وبتتنهد بوجع متصنع، وواضعة راسها قريب جداً من كتفه، وعينها عليا في كل خطوة بتخطوها… رأفت كان ماسكها بذهول وإيديه بترتعش، وهي حاطة إيدها على كتفه وتقلانة عليه بتمثيل متقن، بتئن بصوت واطي عشان تبين أد ايه هي رقيقة ومحتاجة له. خطوة بخطوة، كانت تبصلي بنظرة فيها انتصار مريض، كأنها بتقولي: *”أدي الراجل اللي كنتِ فاكراه بتاعك لوحدك.. بيمسكني قدامك وبيحايلني عشان خاطري.”*
أنا فضلت واقفة في مكاني، مربعة إيدي، هادية ومتحكمة في كل نفس طالع مني. الثبات اللي كنت فيه ده كان بيجنن رأفت وبيحرقه، وكان مخليه يتمنى الأرض تتشق وتبلعه. قامت بصوبة ووقفت على رجليها وهي ماسكة في رأفت بكل قوتها، وقالت بصوت مجهد: ـ “بس يا رأفت بالراحة.. الجرح بيشد أوي، مسكني كويس من وسطي.” رأفت حط إيده التانية بإحراج قـ,ـاتل، وعيونه مش قادرة تتلاقى مع عيوني إطلاقاً. بصيت للممرضة اللي واقفة جمبي ومتابعة المشهد وهي مش فاهمة حاجة، وقولتلها ببرود مهني تام:
ـ “المريضة هتمشي في الممر لمدة خمس دقائق يا سمر، عشان الدورة الدموية والجرح.. وبعدها ترجع ترتاح، وتاخد المسكنات في مواعيدها.” بصيت لـ رأفت وللمدام وكملت بنبرة هادية جداً بس كل كلمة فيها نازلة زي الس\كينة: ـ “عن إذنكم بقى.. شغلي معاكم كـ ‘دكتورة’ انتهى لحد هنا والبيبي نزل بخير.. الباقي بقى حسابات تانية، وأظن نتكلم فيها بعدين يا ‘أبو رشا’.” أول ما نطقت كلمة “أبو رشا”، رأفت ساب إيدها فجأة كأنه اتكهرب! هي اتطوحت شوية وكانت هتقع، فمسكت في طرف السرير بضايق، وبصت لـ رأفت بعتاب وزعل متصنع:
ـ “في إيه يا رأفت؟ مالك سيبتني كده كنت هقع! إنت متلخبط ليه قدام الدكتورة؟” رأفت ما ردش عليها، ولا حتى بصلها، هو كان مركز معايا أنا، وجي يخطو خطوة ناحيتي وهو بيمد إيده يترجاني: ـ “استني يا حبيبتي.. والله العظيم ما هسيبك تخرجي كده، لازم تسمعيني الأول!” مسكت مقبض الباب، ولفيت بصيتله نظرة واحدة كفيلة تخلي أي راجل يقف مكانه.. نظرة ما فيهاش دموع، ما فيهاش عتاب، فيها استغناء تام ومـ,ـوت لأي مشاعر كانت جواه.
ـ “لو خطيت ورايا خطوة واحدة برة الأوضة دي يا رأفت.. أو حاولت تلمس باب عربيتي، هعملك فضـ,ـيحة في المستشفى دي كلها تسود وشك ووش هانمك اللي فرحانة بيك دي.. اقعد جنب بنتك ومراتك الجديدة، وشوف حساب المستشفى كام عشان تدفعه.. أصلها غالية زي ما هي طلبت بالظبط!” فتحت الباب وخرجت، وقفلته ورايا بهدوء شديد.. مشيت في ممر المستشفى بخطوات ثابتة، وراسي مرفوعة، رغم إن قلبي من جوة كان بيتقطع وبيتفرم مليون حتة. بس اللحظة دي.. لميت فيها كل كرامتي، وعرفت إن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش!
نزلت في الأسانسير وجسمي كله بيترعش، مش خوف ولا ضعف، لكن من كثرة الصدمة والضغط العصبي اللي كنت كاتماه طول الساعات اللي فاتت. أول ما قفلت باب العربية عليا، المقود بين إيديا كان بيتهز من كثر ما إيدي كانت ماسكاه بقوة.. أخيرًا الدموع اللي حبستها قدامهم نزلت، بس ما كانتش دموع انكسار، كانت دموع قهر وغضب من تمثيلية رخيصة اتعاشت عليا 9 شهور كاملين. كل كلمة كانت بتقولها في العيادة كانت بتتردد في ودني زي الصدى:
“أصل رأفت بيحبني أوي يا دكتورة..” “رأفت جابلي الهدية دي عشان يراضيني..” “رأفت قال لي مش هترتاحي غير لما تروحي للدكتورة الشاطرة دي..” كل التفاصيل الصغيرة كانت ملـ,ـعوبة بدقة، كل زيارة كانت كارت بيترمي في وشي وأنا مش حاسة. كانت بتلعب معايا لعبة استعراض قوة، واستغفال، وكسر عين.. وجوزي؟ جوزي كان الكومبارس المطيع اللي مشي وراها، وكان فاكر إنه يقدر يلعب على الحبلين من غير ما يتكشف. شغلت عربيتي ومشيت، وفي نص الطريق التليفون بدأ يرن.. الشاشة نورت باسم “رأفت”.
ما ردتش.. سيبته يرن المرة الأولى، والتانية، والتالتة.. لحد ما بعت رسالة: *”والله العظيم مظلوم، افهميني يا أميرة، هي اللي خططت لكل ده من ورايا، قسمًا بالله ما كنت اعرف إنها جايلك العيادة غير مؤخرًا وما عرفتش أتصرف إزاي، ارجعي البيت نبت في الموضوع ده بالله عليكِ!”* ضحكت بمرارة وأنا بقرأ الرسالة.. “ما عرفتش أتصرف إزاي؟!”، يعني كان فاهم وعرف، وسابها تيجيلية كل أسبوعين تتفنن في استعراضي وتسمعني تفاصيل حياتها معاه، وسكت وجبُن إنه يواجهها أو يمنعها!
وصلت شقتي، الشقة اللي عشت فيها معاه سنين وأنا فاكرة إننا بنبني بيت وسند. دخلت ولميت كل أوراقي المهمة، شهاداتي، عقود شغلي، ودهبي اللي اشتريته بتعبي.. وما لمستش هدومه ولا أي حاجة تخصه. ما لحقتش أخلص لم حاجتي، ولقيت الباب بيتفتح بالمفتاح ودخل رأفت، كان شكله يرحم من كثر الخوف والنهث، أول ما شاف الشنطة على الأرض اتربص مكانه وجري عليا يمسك إيدي: ـ “أميرة.. استني! مش هسمحلك تمشي وتدمر بيتنا عشان واحدة مريضة نفسيًا!”
شدت إيدي منه بجمود هز المكان، وبصيتله بنظرة خلته يرجع خطوة لورا، وقولتله بنبرة هادية أشد من العاصفة: ـ “بيتنا؟ أنت سبت بيت عشان يتدمـ,ـر يا رأفت؟ البيت اتهد من أول يوم وافقت تسيبها تيجي عيادتي وتدبحني على بطيء وأنت متداري تحت العمارة مستنيها!” ـ “والله العظيم هي اللي أصرت وتعبتني زن! هي كانت عرفت إنك مراتي من على فيسبوك لما نزلت صورتنا في عيد جوازنا، ومن ساعتها وهي جالي لها جنون، أصرت تتابع عندك ولما رفضت هددتني إنها هتقولك من أول يوم! خفت.. خفت أواجهك بالخبر فتخسريبن بالصدمة، قولت أسيبها تولد وتنتهي القصة من غير ما تعرفي!”
قربت منه خطوة واحدة، وعيني ثابته في عينه: ـ “خفت عليا من الصدمة؟ فقمت سبتها تديني الصدمة بالتقسيط على مدار 9 شهور؟ سبتها توصفلي لمستك ليها، وفسحكم، وهداياكم.. سبتها تخش غرف عملياتي وتطلب مني بأدب أدخل بنتك الدنيا بإيديا؟ أنت مش خفت عليا يا رأفت.. أنت كنت جبان، والجبان ألعن مليون مرة من الخاين!” شيلت شنطتي وجيت أتحرك ناحية الباب، وقف قدامي وهو بيعيط بحرقة وبيحاول يقفل الباب بجسمه: ـ “مش هسيبك تخرجي يا أميرة.. طلبي اللي أنتِ عايزاه، هطلقها بكره! هرميلها البنت ومش هشوفها تاني، بس ما تهديش حياتنا!”
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد خلاص قفل الصفحة وما بقاش فارق معاه حاجة، وقولتله: ـ “أنت فاكر إن المشكلة فيها هي؟ المشكلة فيك أنت يا رأفت.. هي لعبت لعبة خبيـ,ـثة، بس أنت اللي اديتها الكروت. ابعد عن الباب بدل ما أطلب النجدة، وأظن إنت عارف إني هعملها.” شاف في عيني القسوة والثبات اللي عمره ما شافه فيا.. وسع عن الباب ببطء، وخرجت من باب الشقة ومن حياته كلها، وأنا بمسح أخر دمعة نزلت مني.. وعارفة إن الخطوة الجاية مش استسلام، الخطوة الجاية هي القصاص القانوني والشرعي اللي هيرجعلي حق كرامتي اللي اتهانت!
نزلت السلالم بخطوات سريعة ومشايفة قدامي من كثر ما عينيا كانت مغيمة بالدموع، بس جوايا ثبات غريب أول مرة أحس بيه. فتحت باب العربية، رميت الشنطة في الكنبة اللي ورا، وركبت. مسكت الدكسيون بإيدين بترتعش، وقبل ما ألف المفتاح عشان أدور، لقيته نازل يجري ورايا في الشارع زي المجنون، بيهتف باسمي وبيخبط على زجاج العربية: ـ “أميرة! افتحي الزجاج يا أميرة عشان خاطر ربنا.. ارجوكي اسمعيني، متضيعيش اللي بينا في لحظة غضب!”
بصيت له من ورا الزجاج المقفول ببرود تام.. كان شكله يصعب على الكافر، وشه شاحب وهدومه متلخبطة، بس المنظر ده ما حركش فيا شعرة واحدة. كل اللي كان بيتعاد في دماغي هو شكلها في أوضة المستشفى وهي بتمسك إيده بدلع وتقوله “عدلي المخدة”، وهو وافق يلعب الدور ويمسكها قدامي!
دوست بنزين ومشيت، وسيبته واقف في نص الشارع يصرخ وينادي.. في لحظة واحدة حسيت إن الكابوس اللي عشته التسع شهور اللي فاتوا بدأ يتكشف، بس الألم الحقيقي كان إن كل ذكرياتي الحلوة معاه اتسممت. كل مرة كان بيجيلي فيها البيت جايبلي ورد ولا هدية، كنت بفتكر إنها كانت طالعة من عنده من شوية وجايب للثانية زيها أو أحسن! سقت لحد ما وصلت بيت بابا.. نزلت ورنيت الجرس. أول ما بابا فتح الباب وشاف الشنطة في إيدي ووشي الميت، اتخض وقالي بلهفة:
في إيه يا حبيبتي؟ مالك يا أميرة؟ رأفت جرى له حاجة؟” دخلت، وقعدت على أقرب كرسي، وبصيت لبابا وقولتله بنبرة هادية ومفهاش أي انفعال: ـ “رأفت اتجوز عليا يا بابا.. وعنده بنت ولدتها بإيديا النهاردة.” بابا اتسمر مكانه، ملامحه اتغيرت مية وتمانين درجة، والذهول شله. أمي خرجت من المطبخ على صوتنا وهي بتصرخ: ـ “إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟! أنتِ اتجننتِ ولا جرى لعقلك حاجة؟ رأفت اللي بيمـ,ـوت فيكي يعمل كده؟!”
ـ “أيوه يا بابا.. وعاش معايا تسع شهور بيمثل، وهي كانت بتجيلي العيادة كل أسبوعين تتفنن تحكيلي عن خروجاتهم وهداياهم وتكسر فيا وأنا مش فاهمة!” حكيت لبابا ولأمي التفاصيل كلها من أول زيارتها للعيادة لحد لحظة الولادة وموقف المستشفى.. بابا كان بيسمع وهو إيده بتترعش من الغضب، وعيونه فيها نار هتولع. أول ما خلصت، بابا قام وقف وقال بصوت يهز البيت: ـ “ده بني آدم نذل وخسيس! بقى يستغل إنك دكتورة وشاطرة ويعمل فيكي اللعبة القذرة دي؟! وحياة دمعتك دي يا أميرة لأمسح بيه الأرض وأخليه يندم على اليوم اللي فكر يكسر فيكي!”
في نفس اللحظة، تليفون بابا بدأ يرن.. كان رأفت. بابا بص للشاشة، وبصلي، وبعدين فتح السبيكر ورد بصوت زي الرعد: ـ “أنت ليك عين تتصل يا بني آدم يا ناقص؟!” صوت رأفت جيه من الناحية الثانية بيعيط وبيقاطع بابا بانهيار: ـ “يا عمي أرجوك افهمني! والله العظيم أنا اتدبست، والله ما كنت عاوز كده.. أنا بحب أميرة وما أقدرش أعيش من غيرها، المستبدة دي هي اللي خططت لكل ده ودمرت حياتي عشان تكسر أميرة!”
رد عليه بابا بقسوة ورجولة: ـ “المستبدة دي أنت اللي دخلتها بيتك، وأنت اللي خلفات منها، وأنت اللي سيبتها تدخل عيادة مراتك واستندت عليك قدامها! مراتك شالها راجل، وأنا هعرف أرجع لها حقها منك ومنها.. ورقتك ورقة أميرة توصلها لحد عندها، ومش عايز أشوف وشك الزفر ده تاني هنا!” بابا قفل السكة في وشه ومنع أي اتصالات تانية. قعدت على السرير في أوضتي القديمة، وبصيت للسقف.. الليل كان طويل، والأفكار بتاكل في دماغي، بس جوايا قرار واحد مفيش رجعة فيه.
ثاني يوم الصبح، صحيت وعينيا منفوخة، بس عقلي كان صافي جداً. مسكت التليفون وطلبت رقم حازم المحامي، صديق العيلة.




