
عبير ومدحت كانا يرتديان البدلة الحمراء (بدلة الإعدام) بعد ورود رأي المفتي بالموافقة الشرعية. عبير كانت تبكي بلا صوت، دموعها جافة وجسدها يرتعش كأنها روح تفارق الجسد. وعصام كان مقيداً بجانبهم، ينظر إلينا بعيون ملؤها الحسرة والضياع بعد ما عرف إن أمه كمان اتقبض عليها وداخلة السجن. اعتلى القاضي المنصة، وساد صمت كصمت المقابر. حط نظارته وطرق بالمطرقة ثلاث طرقات هزت أرواح الجميع، وقرأ الحكم التاريخي: > **”باسم الشعب..** > **حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:**
> **أولاً: بمعاقبة المتهمة ‘عبير عبد السلام’ والمتهم ‘مدحت السيد’ بالإعدام شنقاً، لما نُسب إليهما من ج*ريمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمرحوم سيد عبد الصمد.** > **ثانياً: بمعاقبة المتهم ‘عصام محمود’ بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتجريده من حقوقه المدنية، لاتهامه بالتزوير والتستر والمشاركة في اقتحام ونهب ملك الغير.** > **ثالثاً: إحالة أوراق المتهمة ‘قدرية’ والمشاركين معها لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في الق*تل والإحراق العمد.”** > انطلقت في القاعة صرخات التهليل والتكبير! “يحيى العدل!.. ظهر الحق وزهق الباطل!”
سقطت عبير مغشية عليها وتم سحبها مع مدحت إلى ممر الإعدام، وعصام انهار على الأرض يصرخ ويبكي بلا مجيب، بينما انقادت أمه للسجن لتلحق بابنها. مسكت إيد أبويا، وبكينا معاً.. بس المرة دي كانت دموع الفرج، دموع انغسل بيها حزن أشهر طويلة. ### **الحكمة من القصة** إن هذه التجرِبة القاسية لم تكن مجرد حكاية صراع بين بشر، بل كانت درساً إلهياً بليغاً يُكتب بماء الذهب: 1. **الرضا بالحق والوفاء للمبدأ:**
لو كانت “سمر” وافقت على إعطاء الفلوس لعبير بدون علم زوجها، لكانت كسرت أمانة بيتها. ورغم إن التزامها بالحق أثار غل العقربة، إلا إن ثباتها على المبدأ هو الذي أنقذ شرفها ونصرها في النهاية. 2. **الغل والحقد يأكلان صاحبهما:** بدأت “عبير” طريقها بسباق غيرة وحقد، وانتهت بها الج*ريمة إلى الزنا، والق*تل بالسم، وإسقاط الجنين، وأخيراً وقف قيد حياتها على شجرة المشنقة. الحقد نار لا تحرـ,ـق إلا الوعاء الذي يحويها. 3. **جزاء الخيانة من جنس العمل:**
“عصام” الذي خان زوجته المصونة وخان صديقه المتوفي في قبره من أجل شهوته وطمعه، لم يجذبه غدره إلا إلى النصب والتزوير والتورط في حبل الفضيحة، ولُبّس في حمل غير شرعي من شخص ثالث، ليخسر بيته وشرفه وحريته وأمه، ويذوق الندم أضعافاً مضاعفة خلف أسرار السجن. 4. **عدالة الله لا تغفل ولا تنام:** قد يظن الظالم أن سمّه الخفي أو ألاعيبه الشيطانية قد سُترت برداء الليل أو بشهادات الزور، لكن حكمة الله تجعل الظالمين يدمرون أنفسهم بأنفسهم، فتتقاطع مصالحهم وتنكشف أستارهم بجهلهم، ليظهر الحق نصعاً جلياً، ويرتاح الشهيد في قبره.
رجعت مع أبويا إلى بيت صاننا ورعانا، ورفعنا أيدينا للسماء ونحن نردد: **”وَعَزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ”**.




