روايات

انا واختى

“أطـ,ـلقت وروحت أعيش في بيت أبويا… وأخدت عيالي.” أنا مدرسة، وبقبض مرتب على قدنا، والحمد لله كان مكفيني أنا وعيالي بالعافية. من أول يوم دخلت بيت أبويا، قلت لنفسي: مش هكون حمل على حد. كل أول شهر أنزل أجيب طلبات البيت كاملة… رز، زيت، سكر، لحمة، فراخ، خضار… وأديها لماما، وهي تطبخ، وأنا أرجع من الشغل ألاقي الغدا جاهز، وولادي راجعين من الدروس، والدنيا ماشية بالستر. قلت لأبويا: “كل اللي طالبه منك يا بابا… علاجك وعلاج ماما بس، غير كده سيبه عليا.”

ربت على كتفي وقال: “ربنا يعوضك يا بنتي.” الكلمة دي كانت بتنسيني كل التعب. عدت شهور، واتعودت على حياتي الجديدة… لا راجل يصرف، ولا حد يسأل، لكن كنت حاسة بالأمان وسط أبويا وأمي. لحد ما في يوم… أختي دخلت البيت. جوزها مسافر، وجابت هي كمان عيالها، وقالت: “هقعد كام يوم عندكم.” كلنا رحبنا بيها… ومحدش كان يعرف إن الكام يوم دول هيقلبوا حياتي جحيـ,ـم. في الأول كنت بقول: “عادي… أختي.”

لكن بعد أسبوع… اكتشفت إنها ولا دفعت جنيه، ولا جابت طلب واحد. كل يوم تبعت تجيب أكل دليفري ليها ولولادها… بيتزا… فراخ… برجر… وحلويات… وأولادي قاعدين يبصولهم في صمت. ابني مرة همسلي وقال: “ماما… هو إحنا عملنا حاجة غلط؟” الكلمة دي كسرت قلبي. رجعت أوضتي وفضلت أعيط وأنا سامعة صوت ضحكهم برا. فضلت مستحملة أسبوع… واتنين… وتلاتة… لحد ما المرتب خلص قبل آخر الشهر. وقفت قدامها بكل هدوء وقلت: “بصي يا أختي… إحنا الاتنين قاعدين في بيت بابا، وأنا من يوم ما جيت وأنا بجيب طلبات البيت كلها… ياريت تساعديني معايا في المصاريف.”

بصتلي من فوق لتحت وقالت بمنتهى البرود: “هو أنا قاعدة عندك؟” قلت: “لأ… بس بابا وماما كبار، ومعاشهم على قد علاجهم.” ضحكت وقالت: “أبويا وأمي بيصرفوا… وانتي مالك؟” اتصدمت. لفيت لماما أستناها تقول كلمة… لكنها قالتلي: “اسكتي… متعمليش مشاكل.” قلت: “يا ماما أنا مش بشتكي… أنا خلاص مش قادرة.” قالت: “احتسبيها عند ربنا.” ومن اليوم ده… بقيت أنا اللي بجيب الفطار… والغدا… والعشا… وهي بتطلب دليفري قدامي. وفي مرة… ابني الصغير دخل المطبخ يدور على أي حاجة ياكلها.

ملقاش غير رغيفين عيش. وفي نفس اللحظة… جرس الباب رن. الدليفري وصل لأختي… ريحة الأكل ملت البيت كله. ولادي بصوا للأكياس… وبعدين بصولي. والله العظيم… كان نفسي الأرض تنشق وتبلعني. لما دخلت أوضتي، لقيت بنتي بتقولي وهي مخبية دموعها: “ماما… متزعليش… أنا مش جعانة.” وأنا عارفة إنها من الصبح ما كلتش غير سندوتش جبنة. في الليلة دي… قررت آخد قرار. قلت لنفسي: “خلاص… من أول الشهر الجاي، كل واحد يشيل نفسه.”

لكن اللي حصل بعدها… مكنش في بالي ولا في بال أي حد. تاني يوم الصبح… وأنا خارجة الشغل… سمعت أختي بتقول لماما بصوت واطي، وهي فاكراني خرجت: “سيبيها تتعب وتصرف… هي معاها مرتب، وإحنا أولى بفلوسها.” اتجمدت مكاني… لكن الصدمة الحقيقية… ما كانتش كلام أختي. الصدمة كانت في رد أبويا… الرد اللي خلاني أحس إن كل اللي كنت بعمله السنين دي كان مبني على سر كبير… ولو اتكشف، عمر علاقتنا كلها ما هترجع زي الأول.

يتبع… #حكاوي_شيمو مين عايزة تكملها تصلى على النبى فى التعليقات ومننساش لايك وهرد عليكم بالتكملة الجزء الثاني وقفت مكاني… كنت خارجة من باب الشقة، لكن أول ما سمعت صوت أختي، رجلي اتجمدت. قالت لماما وهي بتضحك: “سيبيها تتعب وتصرف… هي معاها مرتب، وإحنا أولى بفلوسها.” حسيت إن حد صب عليا تلج. لكن اللي وجعني أكتر… إني كنت مستنية بابا يرد ويقولها: “عيب.” إنما سكت… سكت كام ثانية، وبعدين قال بصوت واطي: “خلاص يا بنتي… بلاش مشاكل.”

الكلمة دي نزلت عليا زي السـ,ـكينة. يعني بعد كل اللي عملته… ده كان كل اللي استحقه؟ خرجت من البيت وأنا مخنـ,ـوقة، وفي المدرسة طول اليوم مش عارفة أشرح ولا أركز. صاحبتي سألتني: “مالك؟ وشك أصفر.” ابتسمت بالعافية وقلت: “مفيش.” لكن كان في ألف حاجة. رجعت البيت آخر النهار، لقيت أكياس الدليفري ماليه السفرة، وأولادي قاعدين في أوضتهم. دخلت على بنتي لقيتها بتذاكر من غير ما ترفع عينها. قولتلها: “ماكلتيش؟” قالت وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة: “استنيتك يا ماما.”

حضنتها وأنا حاسة إني باختنق. قمت دخلت المطبخ أدور على أي حاجة أعملها. فتحت التلاجة… ملقتهاش فيها غير بيضتين ونص طماطم. بصيت ناحية السفرة… الأكل اللي طالبه أختي مكفي عشرة أفراد. لكن ولا مرة قالت: “تعالوا كلوا معانا.” في اللحظة دي… خدت قرار. طلعت الكراسة اللي بكتب فيها مصاريفي، وحسبت كل جنيه دفعته من يوم دخلت البيت. طلبات… فواتير… دروس… أدوية… كل حاجة. ولما خلصت الحساب… اتفاجئت إن اللي صرفته في أقل من سنة كان مبلغ كبير جدًا.

قلت لنفسي: “لو كنت مأجرة شقة صغيرة، كان زماني مرتاحة نفسيًا.” تاني يوم قبضت المرتب. المرة دي… ما اشتريتش طلبات البيت. جبت احتياجاتي أنا وولادي بس، وحطيتها في دولاب أوضتي. ولما جه وقت الغدا… ماما نادت: “تعالي يا بنتي كلي.” قولتلها بهدوء: “أنا عملت أكل ليا ولولادي.” سكتت. لكن أختي انفجرت. قالت بصوت عالي: “يعني هتقسمي الأكل؟” قولتلها: “لأ… أنا بس بقيت بصرف على نفسي زي ما إنتي بتصرفي على نفسك.”

قامت وقفت وقالت: “أهو وشك الحقيقي ظهر.” قلت: “وشي الحقيقي هو اللي كان شايل البيت شهور، وإنتي ساكتة.” بدأت تصرخ، وتتهمني بالبخل، وإن الفلوس غيرتني. وأمي كانت كل شوية تقول: “حرام عليكم… ده بيت واحد.” لكن ولا مرة سألت… مين اللي كان شايل البيت قبل كده؟ وفجأة… أبويا ضـ,ـرب بعصايته في الأرض وقال: “كفاية!” البيت كله سكت. بصلي وقال: “ادخلي أوضتي… عايز أكلمك لوحدك.” دخلت وأنا قلبي بيدق. قفل الباب…

وقعد على الكرسي، وفضل ساكت شوية. وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ظرف أصفر قديم. حطه قدامي وقال: “قبل ما تفتحيه… لازم تعرفي إن السر اللي جواه هو السبب الحقيقي اللي خلاني أسكت على كل اللي حصل.” بصيت للظرف… وإيدي كانت بتترعش. ولما فتحته… لقيت أول ورقة فيه باسم شخص… عمري ما توقعت أشوف اسمه. يتبع… الجزء الأخير فضلت أبص للورقة وأنا مش مستوعبة. الاسم المكتوب قدامي… كان اسم طليقي. رفعت عيني بسرعة لأبويا وقلت: “هو إيه ده؟”

تنهد وقال: “اقري الأول.” فتحت الورقة… كانت إيصالات تحويلات مالية قديمة، وخطابات بخط إيد طليقي. وأول جملة وقعت عليها عيني كانت: “المبلغ ده عشان عم صالح يتعالج، وأمانة متقولوش لبنتك ولا تعرف إنها مني.” اتجمدت مكاني. قلبت باقي الورق… كل شهر تقريبًا كان فيه تحويل. وفي كل مرة نفس الجملة: “متعرفهاش… خليها فاكرة إنها معتمدة على نفسها.” بصيت لأبويا والدموع نزلت من غير ما أحس. قلت: “يعني… هو كان بيبعتلك فلوس؟”

هز رأسه وقال: “من يوم ما اتطلقتوا تقريبًا.” قلت وأنا مش مصدقة: “ليه مخبيتوش عني؟” قال: “لأنه وصاني. قاللي لو عرفت… كرامتها هتتوجع، وهي أصلاً شايلة هم الدنيا.” سكت شوية، وكمل: “وهو كان بيبعت على قد اللي يقدر عليه، وأنا كنت بحطهم مع معاشي وأقولك: سيبي علاجنا علينا.” افتكرت كل مرة كنت بقول فيها إن أبويا هو اللي بيتحمل علاج نفسه. الحقيقة… كان فيه حد تاني، في الضل، بيشارك من غير ما يطلب شكر.

في اللحظة دي… باب الأوضة اتفتح. أختي دخلت من غير استئذان وقالت بعصبية: “خلصتوا الكلام السري؟” أبويا بص لها لأول مرة بنظرة عمري ما شوفتها. وقال بحزم: “تعالي… إنتِ كمان لازم تعرفي الحقيقة.” قعدت وهي مستغربة. أبويا حط قدامها الدفتر اللي أنا كنت كاتبة فيه كل مصاريف البيت، وحط جنبه التحويلات. وقال: “البنت دي عمرها ما قصرت معانا، وكانت بتصرف من قلبها، وإنتِ داخلة البيت من شهور، ولا مرة سألتي نفسك مين شايل الحمل.”

أختي حاولت تتكلم… لكن أبويا قاطعها. “من النهارده… كل واحد هيشيل مسؤوليته. اللي هياكل من البيت يشارك في مصاريفه، واللي مش عاجبه… الباب مفتوح.” أمي حاولت تهدي الجو. لكن أبويا قال: “العدل مش بيزعل حد… الظلم هو اللي بيكسر البيوت.” أختي قامت وهي متضايقة، ولمت حاجتها. وبعد يومين… رجعت بيتها. البيت رجع هادي تاني. وأمي بقت أول واحدة تقولي: “ريحي نفسك… إحنا هنقسم كل حاجة بالعدل.” أما أنا… فأول حاجة عملتها، إني اتصلت بطليقي.

لما رد، سكتنا إحنا الاتنين ثواني. قلت له: “أنا عرفت الحقيقة.” قال بهدوء: “كنت عارف إن اليوم ده هييجي.” قلت: “ليه عملت كده من غير ما أعرف؟” رد بكلمة واحدة هزتني: “لأنك أم أولادي… ومهما حصل بينا، عمري ما كنت أتمنى أشوفك مكسورة.” قفلت المكالمة… وأول مرة من سنين حسيت إن الحياة مش أبيض وأسود، وإن الناس أوقات بتعمل خير في صمت، وناس تانية بتجرح أقرب الناس ليها من غير أي إحساس.

ومن يومها… اتعلمت إن الطيبة لازم يكون معاها حدود، وإن مساعدة الأهل شرف، لكن من غير ما الإنسان يضيع نفسه أو يظلم أولاده. تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى