روايات

انا وزوجى

كان أحمد يجلس في الصالة، رأسه بين كفيه، ووالدته تقف أمامه تتحدث بنبرة حادة وتحرك يديها في الهواء، بينما هو ساكت… مستسلم تماماً لفكره أن البيوت لا تبنى إلا بالأطفال، وأن حكايته مع مريم وصلت لطريق مسدود. دخلت مريم الغرفة بخطوات بطيئة، وأغلقت الهاتف وأخفته داخل حقيبتها. خرجت إلى الصالة بكل ثبات تحاول أن تتمالك أعصابها. رفعت الحاملة رأسها وشخصت بعينيها في مريم بنظرة باردة، ثم قالت لأحمد دون أن تبالي بوجودها:

“زي ما قولتلك يا أحمد… الكلام خلص، وأنا اخترتلك بنت حلال من معارفنا تعرف تحافظ عليك وتجيبلك اللي يحمل اسمك. إنت صبرت خمس سنين والناس أكلت وشنا.” نظر أحمد إلى مريم… كانت عيناه مليئتين بالحيرة والانكسار، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة ليرد على أمه. اكتفى بالقيام من مقعده والتوجه نحو غرفة النوم دون أن ينظر في عيني زوجته.

في تلك الليلة، لم تنم مريم دقيقة واحدة. كانت تتمدد بجانبه على السرير، تستمع إلى أنفاسه المجهدة، وتسأل نفسها: هل أحمد شريك في هذه المؤامرة لأنه تعب وأراد حجة للهروب؟ أم أنه ضحية مثلها تماماً، وتم استغلال طيبته ورغبته في الأبوة ليتم توجيهه حيث يريدون؟ مع إشراق الصباح… انتظرت مريم حتى خرج أحمد إلى عمله وغادرت والدته الشقة. ارتدت ملابسها بسرعة وخاطرت بالخروج دون أن تخبر أحداً. وصلت إلى مركز التحاليل الكبير التابع للمستشفى. كانت أقدامها كالحجارة، وقلبها يدق كطبول الحرب.

في مكتب الدكتور سامر، كان هناك ملف أصفر كبير مفتوح على الطاولة، وإلى جواره طبيبة أخرى متخصصة في علم الجينات والأنسجة. استقبلها الدكتور سامر وقال: “اتفضلي يا مدام مريم. دكتورة نهى جينات ومعانا عشان تفهمك النقطة الفنية.” قالت مريم بصوت مبحوح: “أرجوك يا دكتور… قولي الحقيقة مباشرة، أنا خلاص طاقتي خلصت.” جلست الدكتورة نهى وقدمت لها ورقتين مقارنة:

“مدام مريم… في حاجة اسمها ‘التوافق المناعي التكاثري’. أوقات كتير الجسم بيفرز مضادات بتمنع انغراس الجنين لو في تشابه معين في فصائل الأنسجة، وده علاج بسيط جداً بياخد حقن معينة لمدة شهرين ويكون الحمل طبيعي تماماً. لكن الغريب إن التقرير اللي اتسلم لكم الشهر اللي فات مكتوب فيه إن الرحم غير صالح للإنجاب إطلاقاً بسبب ضمور كامل!” سألتها مريم وهي ترتجف: “وهل في ضمور؟” ردت الدكتورة نهى بثقة:

“فحصتك السونار والتلفزيوني من نص ساعة وأكدلي إن الرحم سليم مية في المية والتبويض عندك ممتاز. الورق اللي معاكي ده مزور… وفي أدوية اتكتبتلك الشهرين اللي فاتوا من العيادة الخارجية كانت بتهبط التبويض عمداً عشان التحليل يطلع سلبي!” اتسعت عينا مريم وشعرت بالدوار يداهمها: “أدوية بتهبط التبويض؟ أدوية إيه؟ أنا ما باخدش غير الفيتامينات والمثبتات اللي كان بيديهالي… قطعت حديثها فجأة… وتذكرت شريط الأقراص الذي كانت والدة أحمد تصر على أن تسقيه لها كل صباح مع العصير وتقول لها: “دي فيتامينات تقوية العصب عشان الحقن المجهري ما يهدكيش يا مريم”.

شردت مريم، وبدأت الصورة تتضح أمامها كقطع بزل تتجمع لتكشف خريطة خيانة مرعبة. سألها الدكتور سامر: “مالك يا مدام مريم؟ افتكرتي حاجة؟” وقفت مريم فجأة، ووجهها شاحب كالأموات، وقالت بنبرة غير قادرة على استيعاب الفاجعة: “أنا لازم أرجع البيت حالاً.” “استني يا مدام مريم، لازم نعرف مين اللي كان بيغير التقارير في المعمل هنا، إحنا فتحنا تحقيق داخلي…” ردت مريم وهي تتحرك نحو الباب بخطوات مشتعلة بالرعب والغضب: “التحقيق مش هنا يا دكتور… التحقيق في بيتي.”

رجعت مريم إلى الشقة. فتحت الباب بهدوء شديد. كان السكون يخيم على المكان، ولكن صوت محادثة خافتة كان يصدر من غرفة المكتب الخاصة بأحمد. قربت مريم خطواطها ببطء شديد، ووقفت خلف الباب المفتوح مواربة. كانت والدة أحمد تتحدث في الهاتف بصوت خفيض ولكن حاد: “بقولك خلاص كل حاجة تمشي زي ما خططنا! الدكاترة قفلوا الملف وقالوا دي آخر محاولة، ومريم مصدقة إن العيب منها ومن أحمد مع بعض.. الولد مكسور وخلاص وافق يخطب البنت اللي اخترتهالها.. أسبوع واحد وهخلي أحمد يطلقها أو يجبرها تقبل بالزوجة التانية!”

جمدت مريم في مكانها، ولكن ما سمعته بعد ذلك كان السهم الذي غرس في قلبها مباشرة وأجهز على ما تبقى من روحها. سمعت صوت أحمد يدخل الغرفة ويقول لوالدته ببرود: “أمي… الورق الجديد بتاع المأذون جاهز؟ عشان مريم ما تحسش بحاجة إلا لما كل حاجة تخلص.” سرت برودة كالثلج في عروق مريم. كانت القشة الأخيرة التي تسندها قد تحطمت تماماً. لم تكن الصدمة في خيانة حناتها أو مخططاتها الدنيئة، بل كانت في صوت أحمد… نبرته الباردة، استسلامه، والتواطؤ الخفي الذي جعل سنوات حبهما ودعواتهما مجرد هباء.

تراجعت خطوتين إلى الخلف بأقدام ثقيلة لا تكاد تحملها. فتحت باب الشقة وأغلقته بصوت مرتفع عمداً ليوحي بإنها دخلت للتو. خرج أحمد من الغرفة متفاجئاً، وعلى وجهه قناع من الوجوم والحزن المزيف. وراءه خرجت والدته بابتسامة متكلفة محاولة إخفاء ارتباكها. قال أحمد بنبرة متعبة: “مريم؟ كنتِ فين من الصبح؟ دورنا عليكِ.” نظرَت إليه مريم بثبات غريب. انطفأت في عينيها كل علامات الضعف، وحلت محلها نظرة حادة جعلت أحمد يتراجع بقدمه للوراء دون أن يدري.

قالت بصوت هادئ جداً، لكنه يحمل وزناً ينذر بالعاصفة: “كنت عند الدكتور يا أحمد… برجع التحاليل الأخيرة.” ارتبكت الأم، وتقدمت خطوة وقالت بسرعة: “تحاليل إيه تاني يا حبيبتي؟ الدكتور قال كل حاجة خلصت، وإحنا لازم نرضى بقضاء الله ونفكر في اللي جاي…” التفتت مريم إليها، وبنبرة قاطعة ردت: “فعلاً يا طنط… إحنا لازم نفكر في اللي جاي، وفي كل أسبوع كنتِ بتسقيني فيه العصير بيدك وتقوليلي دي فيتامينات.” شحب وجه الأم فوراً، وتلعثمت:

“إيه… إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟” أخرجت مريم من حقيبتها الملف الطبي الكامل، ومعه التقرير الجديد المقترن بتوقيع الدكتور سامر ودكتورة الجينات، وألقت به على الطاولة أمام أحمد. قالت مريم بمرارة: “افتيلك الملف يا أحمد… شوف التزوير اللي اتعمل في تقارير المعمل، شوف المواد اللي كانت بتدخل جسمي عشان تهبط التبويض وتنزل التحليل لصفر… شوف أمك كانت بتعمل إيه من وراك، وشوف إنت كنت بتجهز أوراق المأذون إزاي من ورايا!”

اتسعت عينا أحمد بصدمة حقيقية وهو ينظر بين التقارير الطبية وبين وجه أمه الذي يكسوه الرعب. مسك الملف بيدين ترتجفان وبدأ يقرأ الأرقام المطبوعة والتأكيدات الطبية الموثقة من المعمل الرئيسي للمستشفى. صرخ أحمد بصوت هز أركان المنزل وهو ينظر لوالدته: “إيه الكلام ده يا أمي؟! إيه التحاليل دي؟! يعني مريم سليمة؟ يعني التقرير الأخير ده كان مزور؟!” صدمت الأم لدقيقة، لكنها سرعان ما تداركت موقفها وحاولت الموازنة، فصرخت في مريم بغل:

“بتتبلي عليا يا مريم؟! عشان خايفة أحمد يتجوز عليكِ طالعة تكدبي وتدبري تهم؟ إنتِ اللي ما بتخلفيش! إنتِ العاقر اللي ضيعت أحلى سنين من عمر ابني!” ردت مريم بثقة زلزلت المكان: “المعمل فتح تحقيق رسمي يا طنط، والنيابة هتوصل للموظف اللي قبض عشان يزور النسخة الأخيرة من تقاريري… والأدلة كلها هناك. إحنا مش في كلام مصاطب، إحنا قدام تقارير جينات ونسب.” التفتت مريم إلى أحمد، الذي سقط على الكرسي وجثا على ركبتيه ينظر للتقارير بذهول لا يصدق، ودموعه بدأت تنزل بانهيار:

“مريم… أنا… أنا والله ما كنت أعرف موضوع الأدوية والتزوير… أنا أمي قالتلي إنك خلاص مش متحملة وعايزة تطلقي لو أنا اتجوزت، وكانت بتضغط عليا أجهز ورق جوازي التاني عشان أ لحق أعمل بيت…” قاطعه صوت مريم الجاف، الخالي من أي عاطفة:

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى