
قبل ما حد ينطق أو صفا تفتح بقها، نطيت أنا بسرعة وأنا باخد نفسي وبشاور عليها بصابعي بغل: “تعالى شوف السنيورة بتاعتك! تعالى شوف الهانم اللي أنت جيبها من برة وبتقول عليها مراتك ! بقى دي تطرد سلايفها من شقتها؟ طلعت فوق وشتمت هدير وطـ,ـردتها بقلة أدب وقالتلها مالكيش قعدة عندي! نازلين بنربيهت ونعرفها الأصول قامت طولت لسانها عليا أنا كمان وعلت صوتها في وشي، وكأن البيت ده مالوش كبير ولا لينا كلمة عليها!”.
هدير سلفتها الكبيرة كملت فوق كلامي بتمثيل وعياط: “أيوه يا خويا! نزلت أعاتبها بالذوق عشان الولاد بيتخانقوا فوق، قامت طردتني ونسيت أصلها وقالتلي اتفضلي برة! بقى دي تصونك وتصون أهلك؟!”. ابني الوسطاني كان واقف بيسمع والكلام ينزل عليه زي المية الساقطة، عينه تنقل بيني وبين هدير، وبعدين نزلت تاني على صفا مراته اللي كانت لسة قاعدة على الأرض، حاطة إيدها الموجوعة على قلبها، ودموعها نازلة في صمت من غير ما تدافع عن نفسها ولا بكلمة واحدة…
ياترى هيصدقها ولا هيعمل ايه؟؟ قرب ياسر من مراته بالراحة، ونزل على ركبه جنبها على الأرض. مسك إيدها اللي كانت معلمة تحت رجل سلفتها، وبص في عينيها بصوت مكسور وخايف وسألها: “صفا.. ايه اللي حصل يا صفا؟ اتكلمي وقوليلي الحقيقة”. أول ما شفت منظره نزلها كده، اتنطزت وصرخت فيه بغضب: “جرى ايه يا ياسر؟! أنت هتكدب أمك وسلايف إخواتك وتصدق الـ…”.
بس قبل ما أكمل كلامي، رفع ياسر إيده في وشي وهو بيبصلي بنظرة عمره ما بصها لي قبل كده، وقال بصوت حاد يرج المكان وهو جازز على سنانه: “بس يا أمي! بعد إذنك محدش يتكلم ولا ينطق بنص كلمة.. أنا بكلم مراتي وبتعلم منها هي!”. البيت كله سكت، وهدير والصغيرة اتخرسوا من الصدمة. صفا رفعت عينها المليانة دموع وجسمها كله بيرتعش، وبصت في عين ياسر وقالت بصوت بحاح ومخنوع:
“ابنك جه جرى وهو بيبكي ومقهور يا ياسر.. ابن عمة قالوا أُمك شغالة عندنا وأنت المفروض تشيلنا الشنط وإحنا رايحين المدرسة. ولما خرجت عاتبته، خرجتلي أمك وشرشحتلي وقالتلي ابنك نكدي زي أهله وأنتوا بتتبلوا علينا. نزلت قفلت عليّ بابي، طلعتلي هدير تتهمني إن ابني بيتخانق مع ابنها، وبتقولي علميه يسمع كلام ابني ويمشي تحت أمره عشان أحن عليه وأخليه يلعب معاه. ولما قولت لها ابني مش هيشيل شنطة حد وطردتها بالذوق، نزلت لأمك وشحنتها.. طلعت أمك ضـ,ـربتني ولطمتني على وشي، وسلفتك الصغير ودست برجليها على إيدي وقالتلي أنتِ خدامة وعيلتك أقل من عيلتنا..
إهانات سنين استحملتها عشان خاطر أشتري ودكم، بس لحد كرامة عيالي وكرامتك يا ياسر.. أنا خلاص جبت اخرى”. ياسر كان بيسمع الكلام، وعروق رقبة ووشه بينفخوا والدـ,ـم محبوس في وشة، ونظرة عينيه كانت بتقول إن اللي جاي مش هيعدي على خير أبداً. فضل ياسر باصص لصفا، وبعدها وقف على حيل بطوله وهو بيتنفس بصعوبة من شدة الغضب. لف وشّـه لينا، وعينيه كانت بتطلع شرار، وبصلي وبص لهدير وسلفتها الصغيرة وقائل بصوت يرّج العمارة كلها:
“صفا مش أقل من أي حد فيكم.. بالعكس، صفا أعلى منكم كلكم وأنتم اللي قليلين أوي قدامها! صفا أعلى منكم في الأخلاق والأصل، مؤهلها أعلى منكم كلكم، وأنتم عارفين ده كويس ومحروقين منه! أنتم بتعملوا معاها كل ده عشان عندكم عقدة نقص من ناحيتها! شايفينها نظيفة من جوة وأصلها طيب، وعارفين إنها أحسن منكم في كل حاجة، فكنتم بتستقووا عليها عشان تداروا على نقصكم وشعوركم بالدونية قدامها!”.
بص لهدير وللصغيرة وقالهم بكل قسـ,ـوة وغـ,ـل: “الست اللي كنتم بتستغلوها وتطلع تمسحلكم وتخدمكم وهي عيانة، كانت بتعمل كده بأصلها ونظافة قلبها، مش لأنها خدامة عندكم! لكن النقص اللي فيكم خليتكم تشكوا إن ده فرض عليها! أنتم اللي ناس وخستكم باينة، وبدل ما تتكسفوا من نفسكم وتصونوها، اتجمعتوا عليها زي التعالب عشان تكسروها!”.
وبصلي أنا، وأول مرة أشوف في عينيه الوجع ده وهو بيكلمني: “وأنتِ يا أمي.. بدل ما تكوني الكبيرة اللي بتعدل وتتقي ربنا في بنت الناس اللي دخلت بيتك، كنتِ أول واحدة تظلميها وتملي قلوبهم غل ضدها! صفا اللي كنتِ بتقللي منها هي الوحيدة اللي كانت بتشيلك وتخدمك بجد وبضمير، وأنتم كلكم على بعضكم ما تجوش نقطة في بحر أخلاقها ولا تربيتها!”. اتسمرنا كلنا مكاننا، هدير والصغيرة وشهم جاب ألوان وما قدرتش واحدة فيهم تفتح بقها بنص كلمة من هول الكلام والصدمة، وأنا واقفة مكاني مش قادرة أرد ولا أرفع عيني في عينه.
مسك ياسر إيد مراته صفا، وطبطب عليها وهو بيقومها من على الأرض، ونزل جاب عياله من الأوضة ومسك إيديهم، وقال بصوت حاسم ينهي كل حاجة: “البيت ده باللي فيه ماليش قعدة فيه تاني خلاص.. ويا صفا، كرامتك وكرامة عيالك فوق راسي، وحقك وحق عيالك هيرجعلك غصباً عن عين أي حد هنا”. بص ياسر لينا كلنا، وعينيه بتطق شرار والغل ملا قلبه ، ونبرة صوته المرة دي نزلت أعمق وأقوى، كأنها زلزال بيزلزل أركان البيت كله، وقال بصوت يرعب:
“واللي عملتوه فيها وفي عيالي النهاردة ده، أقسمت بالله العظيم ما هعديه بالساهل! الكلام والإهانة اللي اتقالت لابني، وقلة الأدب والمد بالإيد على مراتي، الكل هيتحاسب عليها حرف بحرف.. ومش هعمل حساب لأي حد هنا بعد النهاردة، اى كان مين يكون !”. بص لهدير وللصغيرة بغل يقطع النفس: “رجالتكم لما يرجعوا، يوروني وشهم.. عشان اللي اتعلمتوه في بيوتكم النقص دي هتردوه مضاعف، وحق مراتي وعيالي آخده بذراعي وبالقانون وقسماً بالله ما هسيب شرفي وكرامتي تتداس تحت رجليكم تاني!”.
ولف وشّه ليا، ونظرته كانت أصعب من أي ضـ,ـربة: “وأنتِ يا أمي.. ربنا يسامحك على كل افترا افتريتيه على بنت الناس دي، لكن من النهاردة أنتِ ليكي ابن اسمه ياسر مات.. ومش عايز أشوف وش حد فيكم ولا اسمع صوتكم لحد ما أقابل ربنا والشقه دى انا هبيعها وهجيب حد غريب يقعد فى وسطيكم ومش هراعى حاجه من هنا ورايح
شد صفا من إيدها بحنية وقوة في نفس الوقت، ومسك عياله تحت ذراعه ، ومشي بيهم ناحية الباب. صفا مشيت جنبه وراسها مرفوعة، ودموعها نزلوا بس المرة دي دموع راحة مش كسرة. خرجوا ودبوا الباب وراهم، وسابوا البيت في حالة صمت قـ,ـاتل، وهدير والصغيرة واقفين يترعشوا وشهم أصفر زي الليمون، وأنا اتسمرت مكاني مش قادرة آخد نفسي، والندم والخصام أكلوا قلبي في لحظة.
خرج ياسر من البيت يجر خطاويه بغل ودمه محروق، ماسك إيد مراته صفا بإيد، وعياله بالإيد التانية. ما فكرش يروح عند أهلها ولا يروح شقة إيجار الأول، طلع على طول على أقرب مستشفى عام وهو حاسم أمره ومش شايف قدامه غير إنه ياخد حقها بالقانون.
دخل المستشفى وطلبه كان واضح صريح: “عايز تقرير طبي أثبات حالة لمراتي”. الدكاترة كشفوا على صفا، وسجلوا كل حاجة بالمليمتر: كدمات وزرقان في وشها ورقبتها من أثر الضـ,ـرب واللـ,ـطم، وسحجات وورم واضح في إيدها من أثر الدوس بالرجل. صفا كانت واقفة ساكتة، بس عينها فيها ثبات لأول مرة، حاسة إن جوزها ضهرها وبيردلها اعتبارها بعد سنين الهوان.
أول ما استلم التقرير الطبي ومختوم بختم النسر، طلع بيه على قسم الشرطة مباشرة. دخل على الضابط وطلب يعمل محضر إثبات حالة واعتداء. وقعد يسرد للضابط التفاصيل حرفياً: “أمي وسلايفها اتجمعوا على مراتي في شقتها، ضـ,ـرب واعـ,ـتداء بدني وإهـ,ـانة ودوس بالأقدام، ومعايا التقرير الطبي بيثبت كل الإصابات دي”. الضابط كتب المحضر وسجل أقوال صفا وياسر، وأخد أرقام البطاقات وبيانات البيت بالكامل. ياسر بص للضابط وقال بجمود ونبرة ما فيهاش ولا نقطة تراجع: “أنا مش حابب أعمل حوار عائلي يا باشا، أنا طالب المحضر ده يتحول للنيابة فوراً، وكل واحدة اشتركت في الضـ,ـرب والإهـ,ـانة تتطلب رسمياً وتتحاسب بالقانون”.
خرج ياسر من القسم والورق في جيبه، وبص لصفا وقيلها بصوت هادي وواثق: “حقك وحق عيالك بقى في حماية القانون، ومفيش بني آدم في البيت ده هيعرف ينام مرتاح بعد النهاردة”. ما عدتش غير كام ساعة، وما لحقناش نبتلع الصدمة، لحد ما لقينا أمين شرطة خبط على الباب ومعه استدعاء رسمي من النيابة باسمي وباسم هدير وباسم سلفتها الصغيرة. أول ما شوفت الورقة وختم النسر، ركبي خبطت في بعضها والدم هرب من وشي. هدير الصدمة شلتها وبقت تصرخ وتلطم على وشها: “استدعاء في القسم والنيابة؟! إحنا يتمشكل بينا في الأقسام بسبب صفا؟!”.
في الوقت ده، إخوات ياسر —الكبير والصغير— كانوا راجعين من شغلهم، شافوا أمين الشرطة واقف والبيت مقلوب والنسوان بتصرخ. اتفاجئوا وهرعوا يسألوا في إيه. مسك ابني الكبير الورقة من إيد أمين الشرطة وقرأ الأسماء والمحضر: “اعتداء بالضـ,ـرب وإحداث إصابات مثبتة بتقرير طبي!”. ابني الكبير بصلي وبص لمراته هدير وقال بصوت زي الرعد: “إيه الكلام ده؟! محضر وتعدي بالضـ,ـرب؟! إيه اللي حصل في غيابي؟!”. طلعت هدير تحاول تتصنع العياط وتتبلى كعادتها: “حقك عليا يا أبو مدحت ، أخوك نازل يتبلى علينا وجايب لمراته تقرير طبي مزور عشان يبهدلنا!”.
بس المرة دي، الباب الخارجي اتفتح ودخل ياسر، وقف على السلم وبص لإخواته بثبات يهد الجبال، وقالهم بكل قسوة: “أنا مش جاي أتناقش معاكم.. أنا جاي أقولكم إن مراتتكم ومعاهاهم امكم أولادكم اتجمعوا على مراتي في شقتها، ضـ,ـرب ولطم ودوس بالرجليين على جسمها وإهـ,ـانة لعيالي، والتقرير الطبي وصور التعدي والمحضر في النيابة هما اللي هيتكلموا”. إخواته الاثنين اتصدموا وبصوا لبعض مش مصدقين بشاعة اللي سمعوه، ياترى رد فعل اخواته ايه ؟؟
وقفوا إخواته الاثنين مذهولين، اللسان عاجز عن الكلام والعرق نازل من وشهم من هول الصدمة. مش مصدقين إن أخوهم اللي طول عمره طيب وساكت، واقف قدامهم بالقوه والقسوة دي كلها. قرب منه أخوه الكبير وهو بيترعش من الغضب والذهول وقال: “أنت اتجننت يا ياسر؟! عايز تفضحنا في المنطقة وتجرنا أقسام ونيابات عشان خاطر حتة ست؟ وتبيع نصيبك في البيت للغرباء وتخرب بيت العيلة؟!”.
رد عليه ياسر بنبرة صوت أبرد من التلج وأقسى من الصخر، وعينيه مثبتة في عيونهم من غير ما يرمش: “ست؟ الست دي صانتني وصانتكم سنين وأنتم جاحدين، والست دي هي شرفي وكرامتي اللي سحلتوها تحت رجليكم! وأما عن البيت.. أيوة، أنا ماشي ومش راجع تاني، ونازِل الصبح أبيع نصيبي وحصتي في بيت العيلة ده لأي حد غريب، ومش هبيعه لواحد فيكم ولو دفعلي فيه مال القارون!”. اتنطر أخوه الصغير وصرخ: “تبيع للغرب يا ياسر؟! تبيع حق أبونا للغريب وتدخل علينا ناس غريبة تضايقنا؟ فين صلة الدم والأخوة اللي بينا؟!”.
ضحك ياسر ضحكة مكسورة مليانة غل ووجع، وقالهم: “صلة الدم؟! أنتم تفتكروا صلة الدـ,ـم لما تعوزوا تكسروني وتدوسوا على مراتي وعيالي؟ أنتم اللي قطعتوا صلة الدم من زمان لما شوفتوا مراتي بتتضـ,ـرب وتتهان وكنتوا فرحانين وساكتين! طالما أنتم ما عملتوش حساب لصلة الدم ولا احترامتم إني أخوكم، أنا كمان مش هعمل حساب لأي حاجة بعد النهاردة!”.
وبصلي أنا، وبعدين لف وشّه لإخواته ومسك إيد مراته وعياله وقال الكلمة الأخيرة اللي قطعت كل عرق في البيت: “والمحضر ده مش هتنازل عنه لو السماء انطبقت على الأرض.. لأن الطيب في البيت ده والناس المحترمة أنتم بتدوسوا عليها وبتفتكروا طيبتها ضعف وكسرة نفس! للقانون كلمة.. وحق مراتي صفا هآخده بالقوة وبالقانون!”.
شد مراته وعياله ونزل على السلم، وساب البيت وراه بيموج في نار الغضب والفضايح، وهدير والصغيرة بيصرخوا من الخوف من اللي جاي في النيابة، وإخواته الاثنين واقفين يضـ,ـربوا كف بكف من الصدمة، وأنا قاعدة على الكنبة مش قادرة أرفع راسي، وشايفة بيتي وعيلتي بانهاروا قدام عيني بسبب الظلم والافترا على بنت الناس. ثاني يوم الصبح، كانت المنطقة كلها واقفة تتفرج، وعربيات النقل واقفة قدام باب العمارة. ياسر جاب عمال ونزلوا عفش شقته حتة حتة، نقل كل حاجته وحاجة مراته وعياله لشقة ثانية جديدة كان شاريها من فترة وراكنها للزمن، شقة محدش مننا كان يعرف عنها حاجة ولا يدري بوجودها.
إخواته الاثنين نزلوا يجروا على الشارع، وشهم أسود من الخزي والكسرة، وحاولوا يقفوا قدام عربيات النقل ويمنعوه. قرب منه أخوه الكبير وهو بيتحايل عليه بصوت مكسور: “يا ياسر يا خوي استهدى بالله.. بلاش الفضايح دي قدام الغريب والريب، تعالى نقعد ونحلها ودي، والاعتبار اللي تطلبه لمراتك هيتوصلها لحد عندها!”. رد عليه ياسر وهو بيرمي آخر شنطة في العربة ومابيبصلهمش حتى: “الاعتبار والحل الودي كان زمان.. لما كانت مراتي بتخدمكم بعنيها وأصلها وأنتم بتدوسوا عليها، دلوقتي الكلام بقى للقانون”.
وما عدتش أسبوع واحد، وكان ياسر جايب مشتري غريب للبيت. راجل غريب عن المنطقة خالص، جابه ياسر وفرجه على الشقة وعلى حصته في البيت والعمارة، وباعله نصيبه وشقته كاش وفي ساعتها. إخواته لما عرفوا إن المشتري واقف وبيكتب العقد، اتجننوا وجريوا عليه، ورفعوا صوتهم وقالوله: “إحنا أولى بنصيب أخونا! بيع النا إحنا الشقة وإحنا ندفعلك اللي تطلبه وزيادة، بس ما تدخِّلش علينا غريب يشاركنا في بيت أبونا!”.
وقف ياسر بين المشتري وبين إخواته، وابتسم ابتسامة باهتة مليانة قسوة وقالهم: “أنا قولتكلم من الأول.. صلة الدم أنتم اللي قطعتوها بأيديكم، والغريب اللي مش عاجبكم ده أرحم عليا وعلى عيالي منكم كلكم! مش هبيع لكم، ولو دفعتوا لي دهب الأرض”.
حاولوا معاه بكل الطرق، جابوا كبار العيلة والمنطقة عشان يترجوه يتنازل عن محضر النيابة وعن الاستدعاء اللي وصل للهانم الكبيرة والصغيرة، بس ياسر كان زي الجبل، قفل كل الأبواب في وشهم وقال كلمته الأخيرة قبل ما يركب عربيته ويمشي: “المحضر ماشي في طريقه، والجلسة تحددت، وكل واحدة مدت إيدها أو لسانها على صفا هتقف قدام القاضي وتاخد جزاها بالقانون.. عشان تتعلموا كلكم إن كرامة بنت الناس مش لعبة في إيديكم”.
وسابهم ورفع رأسه ومشِي، وساب البيت وراه خرابة.. الشقة اتقفلت واتباعت للغريب، والهيبة اتكسرت، والفضايح طالت الكل، وأنا قعدت في شقتي أندب حظي على اليوم اللي استقويت فيه على المظلومة وخسرت فيه ابني وعيلتي للأبد. ومرت الأيام، والبيت اللي كان دايماً ملموم ومستور، بقى أضحوكة الشارع كله. أولادي الاثنين بقوا كل يوم في خناق ومسك في الزوامير مع حريمهم.
أخوه الكبير بقى ينزل من شقته يصرخ في هدير: “أنتِ السبب! أنتِ ونقصكِ وشركِ اللي وداكم الأقسام وفضـ,ـحنا قدام يسار ويمين وخليتي أخويا يبيع نصيبه لواحد غريب ويقف قصادنا!”. وهدير تصرخ وترد عليه، والشارع كله يسمع صوتهم وصوت الدب والرقع، والصغيرة نفس الكلام مع جوزها.. البيت المليان خير وبركة بقى عبارة عن نـ,ـار تقيد كل يوم، وصوت الشتائم والفضايح بقى هو النغمة اليومية اللي المنطقة كلها بتصحى وتنام عليها. وأنا قاعدة في النص، لا قادرة أسكتهم ولا قادرة أرفع راسي قدام الجيران اللي بقوا يبصولنا بعين الاحتقار.
وجاء يوم الجلسة.. وقفت هدير والصغيرة قدام القاضي في المحكمة وهما مكـ,ـسورين وشهم في الأرض، بعد ما النيابة أحالت المحضر للجنايات/الجنح بتهمة “التعـ,ـدي بالضـ,ـرب، والإهـ,ـانة، وإحداث إصابات عمدية مثبتة بتقرير طبي رسمي”. وقاف ياسر ومعه المحامي، وقدم التقرير الطبي ومحضر الشرطة واشهود، وقرأ القاضي الحكم اللي نزل عليهم زي الصاعقة: “حكمت المحكمة حضورياً:




