روايات

بعد نص ساعة من إقلاع الطيارة

تنفس الصعداء بقوة، ثم أخذت نفسًا عميقًا. التفتُّ نحو رئيس الطاقم صلاح وقلت له أستاذ صلاح.. أنا موافقة أتحرك لأخر الطائرة، وأقف على بعد مترين من السيدة، وأقيم الحالة ظاهريًا بالعين فقط وبدون أي تلامس، وبشرط إنك تسجل كل ثانية بالصوت والصورة بكاميرا هاتف رسمية تابعة لطاقم الطائرة، ويكون معاك شاهدين من الركاب. ارتبك شريف مجددًا وقال بصوت مرتفع تقيمي بالعين؟! دي ست بتسقط! يعني إيه تقيمي بالعين؟! إنتِ لازم تفحصيها وتوقفي النز.يف!

قلت له وأنا أنظر في عينيه بثبات مطلق أنا طبيبة، وأنا اللي أقرر طريقة التقييم المتاحة في ظروف طائرة تطير على ارتفاع 30 ألف قدم وبدون معدات جراحية أو أجهزة سونار. لو رفضت تقييمي الظاهري، يبقى إنت اللي بترفض مساعدة الطاقم الطبي المتاح. ساد الصمت مرة أخرى. النظر بين الركاب بدأ يتغير. الشك بدأ يتسلل إلى بعضهم. قال أحد الركاب في الصف الأول كلام الدكتورة منطقي يا جماعة.. الطيارة مفيهاش غرفة عمليات، هي هتفحص إيه بإيديها في ممر

الطيارة؟ صلاح، رئيس الطاقم، أومأ برأسه وقال كلام مظبوط. أنا هتحرك معاكِ يا دكتورة ليلى، وميثاق الطيران بيكفل لك حماية كاملة في حال عدم توفر الأجهزة. اتفضلي معايا.. وأنا هصور بالفيديو كل الخطوات. بدأت أتحرك في الممر الضيق بين المقاعد، متجهة نحو آخر الطائرة. كان شريف يمشي أمامي بسرعة، يتلفت للخلف كل بضع خطوات ليقيس ردي وأفعالي. ومضيفة الطيران دينا كانت تمشي خلفي مباشرة، وحركتها غير منتظمة بالمرة. أثناء سيرنا في الممر، انقادت عيناي نحو ركاب الدرجة الاقتصادية. كان الجميع يوجه هواتفه المحمولة ونظرات الرعب والفضول تملأ الوجوه.

عندما وصلنا إلى الصفوف الأخيرة، رأيت السيدة. كانت مستلقية على مقعدين متجاورين، غائبة عن الوعي ظاهريًا، رأسها مائل إلى الخلف، وجهها مغطى بشال عريض، وجسدها يرتعش بقوة. كان هناك غطاء خفيف يغطي الجزء السفلي من جسدها، وهناك بقعة داكنة على الأرض أسفل المقعد. صرخ شريف وهرع إليها ندى! ندى ردّي عليا! الدكتورة جت أهيه.. أنقذيها يا دكتورة! اقتربتُ، لكنني توقفت تمامًا على مسافة مترين كاملين كما اشترطت. رفعت يدي إلى الأعلى ليتأكد الجميع والعدسة أنني لا ألمس أي شيء.

صلاح بدأ التسجيل بوضوح محددًا التاريخ والتوقيت بصوته التسجيل الحالي لتفاصيل الحالة الطبية للراكبة في الصف 42، بحضور الطبيبة ليلى وبناءً على طلبها لتلخيص الموقف. نظرتُ إلى المرأة الجالسة. كطبيبة ذكية ومتمرسة، بدأت عيناي تدرسان التفاصيل الدقيقة التي لا يلاحظها الشخص العادي أولاً تنفس السيدة كان منتظمًا جدًا وبارزًا من الصدر، وليس التنفس السريع السطحي المصاحب لصدمات النز.يف الحاد Hemorrhagic Shock. ثانيًا لون بشرة رقبتها الظاهر أسفل الشال لم يكن شاحبًا بالقدر المثير للقلق، بل كان لون الجلد طبيعيًا للغاية.

ثالثًا البقعة الداكنة الموجودة على الممر أسفل المقعد لم تكن تفوح منها رائحة الدم الكريهة المميزة للنز.يف الرحمي الحاد، بل كانت البقعة تجف بطريقة مريبة وسريعة لا تتطابق مع كيمياء الدم الحيوي. أحسست ببرودة تسري في جسدي.. الشكوك أصبحت يقينًا. في هذه اللحظة، رفعت المضيفة دينا يدها بسرعة وجذبت غطاء السيدة، وقالت بصوت متصنع الفزع يا دكتورة! النز.يف بيزيد! تعالي امسكي بطنها واضغطي هنا عشان نوقف النز.يف بسرعة! ولم تكتفِ بذلك، بل قامت دينا بمسك ذراعي بقوة وتحريكه نحو جسد المرأة الممددة!

رفضتُ الاستسلام، وسحبت ذراعي بسرعة وقوة من بين يدي دينا، وصرخت بنبرة حازمة هزت المكان ابعدي إيدك عني يا دينا! متلمسينيش ومتدفعنيش على المريضة! تراجع الجميع خطوة للخلف من أثر صرختي. نظرت إلى كاميرة صلاح وقلت بصوت واضح وصريح أستاذ صلاح.. المضيفة دينا حاولت حالاً دفع إيدي بالقوة للمس جسد الراكبة. وأنا بأكد قدام الكاميرا وقُدام كل الركاب المريضة دي مش بتعاني من نز.يف حاد مفاجئ حالي! شريف صرخ بجنون

إنتِ جننتِ؟! مراتي بتمو.ت قدامك وتقولي مش بتنز.ف؟! إنتِ إيه.. معندكيش ضمير؟! التفتُّ إلى شريف وواجهته بثبات تام شريف.. لو مرتك ندى حامل في الشهر السابع زي ما ادعيت في البيزنس كلاس، وينز.ف منها الدم بالكمية دي، كان أصلًا نبض المظاهر الحيوي عندها انخفض للصفر، وكان وجهها اصفرّ تمامًا ودخلت في غيبوبة كاملة نتيجة هبوط الضغط الحاد! لكن زوجتك تنفسها طبيعي، ولون بشرتها طبيعي، والدم اللي على الأرض ده دم صناعي أو سائل مجهول ملهوش أي علاقة بالمواصفات الطبية للدم البشري!

عمّ الذهول والسكون التام في الممر. يتلفت الركاب إلى بعضهم البعض في صدمة. المرأة المستلقية على المقعد ندى فتحت عينيها فجأة! تحركت جفونها باضطراب، ونظرت إلى زوجها بنظرة رعب ومفاجأة. شريف ارتبك تمامًا، وعلت وجهه حمرة الغضب والخوف، وتلعثم قائلًا إنتِ.. إنتِ بتهتزي وتفتري علينا عشان تهربي من المسؤولية الطبية! أنا هقاضيكي! هوديكي في داهية! في هذه اللحظة، اهتز هاتف صلاح رئيس الطاقم عبر جهاز اللاسلكي الداخلي. صوت قائد الطائرة جاء عبر المكبر بوضوح شديد

أستاذ صلاح.. الطبيب الأرضي المعتمد لشركة الطيران معانا على الخط حاليًا عبر الأقمار الصناعية. بلغني بالتفاصيل والتقرير المبدئي للدكتورة الموجودة. أخذت جهاز اللاسلكي من يد صلاح بثبات وقلت مساء الخير يا دكتور.. أنا الدكتورة ليلى، استشارية. الحالة المعروضة أمامي ادعى زوجها أنها حامل في أواخر شهرها السابع وتتعرض لإجهاض ونز.يف حاد. التقييم الظاهري يؤكد تنفس الحالة منتظم، لا توجد أي أعراض صدمة وعائية، السائل الموجود على أرضية الطائرة يشتبه في كونه مادة غير حيوية، والزوج يمارس ضغطًا شديدًا لإجباري على الفحص اليدوي دون وجود أي مستلزمات طبية معقمة. أطلب توجيهكم الطبي الرسمي.

جاء صوت الطبيب الأرضي عبر المكبر واضحًا وقاطعًا لكل الحاضرين دكتورة ليلى.. قرارك ممتاز وسليم 100. يُمنع منعًا باتًا إجراء أي تدخل يدوي أو فحص باطني داخل الطائرة في هذه الظروف. طاقم الضيافة يتولى إمداد الراكبة بالأكسجين فقط وإبقائها في وضع مستلقٍ لحين الهبوط. كابتن الطائرة بياخد دلوقتي قرار بالهبوط الاضطراري في أقرب مطار خلال 20 دقيقة، وستكون الأجهزة الأمنية والطبية في انتظار الطائرة على المدرج. بمجرد أن نطق الطبيب الأرضي بجملة الأجهزة الأمنية ستكون في الإنتظار، تغير وجه شريف بالكامل. تحول من مظلوم متباكٍ إلى شخص محاصر مذعور.

نظر شريف إلى دينا المضيفة نظرة خاطفة حادة، ثم التفت إليّ وعيناه تشتعلان غضبًا ووعيدًا فاكرة نفسك ذكية يا دكتورة؟ فاكرة إنك خرجتِ منها؟ والله ما هسيبك.. اللعبة لسه مخلصتش! فجأة، وقبل أن يستوعب أي شخص ما يحدث، مد شريف يده إلى جيبه الداخلي بسرعة، وانسحب خطوة للخلف وهو يمسك بشيء خفي في يده، بينما المرأة ندى قفزت من مكانها واقفة على قدميها تمامًا دون أي أثر للضعف أو المرض وتحركت لتستند إلى ظهر المضيفة دينا!

الركاب صرخوا في فزع دي قامت على حيلها! الست كانت بتمثل! يا نهار أسود.. دي نصباية! في تلك اللحظة الحرجة، اهتز هاتفي في يدًا لمرة أخيرة قبل الهبوط. فتحت الرسالة بسرعة، وكانت الكلمات المكتوبة تجعل الدماء تتجمد في العروق الهبوط الاضطراري هو اللي هما عايزينه أصلًا يا ليلى.. المطار اللي الطيارة هتهبط فيه حالا، فيه محامي ومأجورين مستنينك تحت.. والشنطة بتاعتك اللي في شحن الطيارة فيها حاجة اتحطت بدون علمك هتوديكي بسجن أمني مش ه تخرجي منه.. اسمعي الكلام اللي جاي بالحرف لو عايزة تطلعي حية!

ارتفع صوت صراخ الركاب في مقصورة الطائرة، واختلطت الأصوات ببعضها بعدما قفزت ندى من مرقدها بكامل عافيتها، واقفه بجوار شريف والمضيفة دينا. ساد الذهول وجوه الجميع؛ فالمرأة التي كانت منذ لحظات على وشك الإغماء والنز.يف، تقف الآن على قدميها، تنظر حولها بشرر وعينين يملؤهما الذعر والتوتر. كانت يداي ترتجفان وأنا أقرأ الرسالة الأخيرة على شاشة هاتفي

الهبوط الاضطراري هو اللي هما عايزينه أصلًا يا ليلى.. المطار اللي الطيارة هتهبط فيه حالًا، فيه محامي ومأجورين مستنيينك تحت.. والشنطة بتاعتك اللي في شحن الطيارة فيها حاجة اتحطت بدون علمك هتوديكي بسجن أمني مش هتخرجي منه.. اسمعي الكلام اللي جاي بالحرف لو عايزة تطلعي حية! انقبض قلبي ببرودة شديدة. الخطة لم تكن مجرد ابتزاز مالي بمبلغ مليونين جنيه مقابل إجهاض مفبرك، بل كانت فخًا أكبر وأشرس يستهدف تدمير حياتي بالكامل وتلفيق قضية خطيرة لي بمجرد أن تطأ قدمي أرض المطار الذي سنقضي فيه الهبوط الاضطراري.

في تلك الثواني المفعمة بالتوتر، انطلقت الرسالة التالية متتابعة على الشاشة أولًا انزلي فورًا على ركبتك وادّعي الدوخة عشان تشتتي انتباه شريف ودينا.

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى