روايات

كنت راكبه العربيه

وهي بترد عليه بنبرة كلها دلع وانكسار ممثول: “تسلم لي يا خالد، تعبتك معايا.. من غيرك ما كنتش عارفة هعمل إيه”. أول ما حسوا بوجودي وقفت عند الباب وبصيت لهم. هو اتعدل بسرعة، ووشه اتقلب للجمود الجاف المعتاد معايا، وقال لي بنبرة آمرة من غير ما يسألني حتى قدرت أطلع السلم إزاي: “كويس إنك جيتي.. ادخلي المطبخ اعملي شوربة دافية ولا حاجة سخنة لندى عشان تأكلها وتاخد دواها، والبنت مش قادرة تتحرك فخدي بالك منها النهاردة”.

سكتّ ثواني، وبصيت له وبصيت لها. الضحكة الخفيفة اللي كانت على وشها اختفت أول ما عيني جت في عينها، بس كان باين في نظرتها نصر صغير مكتوم. قربت من الصالة بخطوات هادية، وقلت له بصوت واطي ومستقر يمتلئ بالمرارة: “اعمل لها الشوربة أنت يا خالد.. ما أنت ماشاء الله أصلك وفياض بالخدمة والحنية من الصبح، ولا الحنية دي بتظهر ناس وناس؟”.

برقت عينه بخبث وهجم عليا بالكلام عشان يداري موقفه: “أنتِ اتجننتِ رسمي! ده بدل ما تحمدي ربنا إن اختك قامت بالسلامة وراجعة معاكِ، جاية تتنططي وتعملي مشاكل في البيت؟ أنا نازل أستريح في الكافيه تحت، ولما تعقلي وتعرفي إنتِ بتقولي إيه أبقي اتكلمي”. ساب الشقة وخرج، وهبد الباب وراه بقوة هزت المكان. بقيت أنا وهيا في الصالة لوحدنا. السكوت كان أتقل من الجبال. هي كانت قاعدة على الكنبة، باصة للأرض وبتمثل البراءة والكسرة، بس أنا كنت شايف الوش التاني كويس أوي.

قربت منها بخطوات هادية ووقفت قصادها مباشرة، وبصيت في عينها بثبات وقلت لها: “مبروك يا ندى.. نجحتِ تخلي جوزي يشيلك بين إيديه قدام العمارة كلها، ونجحتِ تخليه ينسى إن مراته اللي كانت محبوسة في عربية بتتقلب هي اللي محتاجة نجدة. ارتحتِ دلوقتي؟”.

رفعت رأسها وبصت لي، والملامح المسكينة اللي كانت متفصلة عشان خالد تتغير في ثانية لابتسامة باردة فيها تحدي، وقالت لي بصوت واطي ومفيش فيه نقطة تعب: “أنا مأجبرتوش على حاجة يا هدى.. هو اللي اختار يسبك ويركض ورايا، هو اللي شاف إن أنا اللي أستاهل الحنية مش أنتِ.. تفتكري العيب فيا أنا، ولا فيكِ أنتِ اللي مش عارفة تملي عين راجلك؟”. الكلمة نزلت عليا أتقل من الحا.دثة نفسها، حسيت إن الأكسجين اتسحب من الأوضة، بس المرة دي ما عيطتش، ولا حطيت إيدي على وشي وأنا بصرخ زي زمان.. الثبات الغريب اللي نزل عليا جمد كل نقطة دم في عروقي.

بصيت لها من فوق لتحت، وبابتسامة أبرد من ابتسامتها، قربت منها خطوة ووطيت بوشي لوشها، وقلت لها بصوت واطي وثابت زي السـ,ـكينة: “لا يا ندى.. العيب مش فيا، ولا حتى فيكِ.. العيب في الرخيص اللي بيسيب بيته وعزته ويجري ورا أي حاجة رميها الشارع عشان يحس إنه راجل. أنتِ فاكرة إنك كده أخدتِ حاجة غالية؟ أنتِ يادوب أخدتِ الفضلات اللي أنا أصلًا بقيت قرفانة ألمسها”. وشها اتغير، والضحكة الباردة اختفت تدريجياً وتحولت لملامح غضب وارتباك، خصوصاً لما شافتي هادية ومش بصرخ ولا بنهار زي ما كانت متوقعة.

وقفت بطولي، ومشيت ناحية أوضتي بخطوات منتظمة. فتحت الدولاب، وطلعت شنطة السفر الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وحاجتي الأساسية بمنتهى الهدوء والتكتكة. ندى كانت سامعة صوت السوستة وصوت حركة الكراكيب، فقامت من على الكنبة بتمثيل التعب المعتاد وجت وقفت عند باب الأوضة، وبصت للشنطة وهي مش مصدقة: “أنتِ بتعملي إيه يا هدى؟ أنتِ هتسيبي البيت؟”.

ما بصيتلهاش، وكملت لمّ حاجتي وأنا برد ببرود: “أنا بسيب لك المكان النظيف اللي تترمي فيه أنتِ وهو، لأن الشقة دي طاهر من إنه يجمعني مع اتنين خاينين تحت سقف واحد.. وافرحي بيه أوي يا ندى، لأن اللي يخون مراته مع أختها، بكره يرميكِ أنتِ كمان لما يلقى أخت تالتة!”.

وفجأة ووسط ما هي واقفة مصدومة ومجهزة كلام جديد تقوله، اتفتح باب الشقة بلهفة. دخل خالد وهو شايل أكياس دوا وأكل جديد جايبه، ورزع الباب وراه. أول ما شاف الشنطة المفتوحة على السرير وشاف ندى واقفة عند باب الأوضة ووشها مصفر، عينيه اتملت غضب وجري ناحيتها يسندها بإيده وكأنها هي الضحية. بص لي بعيون فيها شرارة وقال بصوت هز الشقة كلها: “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة أنتِ؟ إيه الشنطة دي وإيه الكلام اللي بتقوليه لندى؟ أنتِ خلاص العقل اتلحس منك خالص؟”.

ندى استغلت وجوده، وغمضت عينها بتمثيل وكأنها هتدوخ، ومسكت في دراعه بضعف وقالت: “شفته يا خالد؟ بتقولي إني أخدت فضلاتها، وبتتهمني أنا وأنت بحاجات تقطع اللسان.. أنا ماشية ومش قعدة هنا ثانية واحدة!”.

خالد عدل نومتها على الكرسي وبص لي بكل قسـ,ـوة وجفاء، ووقف في صفها تماماً وقال بصوت عالي: “تمشي فين بس يا ندى! أنتِ تقعدي وتتكرمي، الشقة دي شقتك والبيت بيتك! إنما الهانم هي اللي شككها ومريضتها النفسية عمياها! أنتِ بجد واحدة غيرانة من أختك وعينك منها! طول عمرك ضيقة الرمز ومستخسرة فيها اللقمة أو الكلمة الحلوة، ولما شفتيني بتعامل معها بأصول وإنسانية وجدعنة، حقدك وغيرتك عموكي وبقيتِ تشوفي الشرف خيا.نة!”.

سكتّ تماماً.. الهدوء اللي كان جوايا أشرس بكثير من الزعيق بتاعه. سبت القميص اللي كان في إيدي وحطيته في الشنطة بمنتهى التأنّي، وقفت بطولي وبصيت في عينيه بثبات يخليه يقلق. قربت منه خطوتين، وعيني جوه عينيه، وسألته بصوت هادي وزي الموسى: “طب لما أنت شايفني حاقدة، وغيرانة، ومريضة، وماستاهلش الكلمة الحلوة ولا الحنية اللي بتغرق بيها أختي.. اتجوزتني أنا ليه يا خالد؟”. مسح خالد على وشه بتهكم، وبَصّ لي بنظرة فيها استهانة وقسوة أكتر، وقرر يصحح الكلام ببرود كأنه بيحكي خطة محبوكة:

“لا يا هدى.. متفهميش غلط وتعيشي دور الضحية المخدوعة ببساطة كده. لما شفتكم سوا لأول مرة، أختك كانت متجوزة ومستقرة، ومكانش فيه أي خيط أو سكة في الدنيا ممكن تقربني منها أو تخليها في محيط حياتي غير إني أكون جوز أختها! أنتِ كنتِ الباب الوحيد المفتوح قدامي عشان أدخل بيتكم، وأبقى موجود في كل مناسبة، وفي كل عزومة، وفي كل خطوة تخصها.. كنت مستعد أتجوزك وأعيش معاكِ سنين، بس عشان يجي اليوم اللي أكون فيه جنبها لما تحتاج راجل يجدع معاها، زي ما حصل النهاردة بالضبط”.

الكلام نزل زي طـ,ـعنة باردة، وندى كانت واقفة باصة له بذهول وفي نفس الوقت عينها فيها نظرة انتصار مريض، وكأنها أخيراً أخدت التأكيد اللي كانت مستنياه. أنا وقفت في نص الأوضة، بصيت له وبعدين بصيت لها.. ومسكت سوستة الشنطة وقفلتها بصوت حاد هز السكوت اللي في المكان. قربت منه، وبصيت في عينيه بثبات يخليه يحس بضآلته، وقلت له بصوت هادي جداً لكنه يقطع العرق والدم:

“يعني أنت مش بس خاين ورخيص.. أنت كمان عشت عمرك كله كومبارس في حياة ست متجوزة، واشتريت دور العبيط اللي بيمشي ورا أوهامه! فاكر إنك كده بطل مسلسل؟ أنت مجرد أداة رخيصة استعملتها أختي عشان ترضي غرورها، واستعملتك أنت عشان تدخل بيت ناس أنضف منك.. الشنطة دي مش خروج مهزومة يا خالد، دي خروج واحدة بتنضف حياتها من القمامة اللي دخلتها بجهل”. سحبت شنطتي من على السرير، ومشيت بثبات ناحية الباب من غير ما ألتفت ورايا ولا أديهم فرصة يردوا بكلمة واحدة.

خالد اتفاجأ بهدوئي، ووقف مكانه مش عارف يلحقني بردة فعل أو كلام يك.سرني بيه زي ما كان متعود، وندى كانت باصة لي بذعر مكتوم بعد ما كشفت اللعبة الحقيرة اللي كانوا عايشين فيها. أول ما حطيت إيدي على أكرة الباب عشان أخرج، سمعت صوت خالد وهو بيحاول يسترد كبرياءه المجروح وبيزعق بحدة: “اخروجي يا هدى! امشي وما ترجعيلش تاني.. فاكرة إنك لما تمشي هتمو.تيني؟ أنتِ اللي هترجعي تبكي بدل الدموع دم عشان تسامحي!”.

وقفت عند العتبة، ولفيت وشي له بنصف التفاتة، وبصيت له بنظرة استحقار أخير وقُلت له ببرود: “أنا ماشية ومش راجعة يا خالد.. بس افتكر كلامي ده كويس: اللي تبني بيتها على أوهام وتستغل راجل رخيص عشان ترضي غرورها، بكرة أول ما تمل منك هترميك بنفس الطريقة. وأنت مش هتكسب حاجة، غير إنك ضيعت عمرك كله كومبارس مالوش أي قيمة في رواية غيرك”. فتحت الباب وخرجت، وهبدته ورايا بقوة هزت العمارة كلها.

نزلت السلم خطوة بخطوة، ورغم إن جسمي كان بيمو.ت من وجع الحا.دثة والجروح، إلا إن قلبي كان حاسس بخفة غريبة.. خفة الست اللي أخيراً اترمت عنها أثقال السنين، وعرفت حقيقة الناس اللي حواليها. أول ما طلعت للشارع وشميت الهوا النظيف، وقفت تكسي، وحطيت الشنطة في الشنطة وركبت.. بصيت للمبنى لأخر مرة وأنا ببتسم ابتسامة نصـر، وعارفة إن دي مش نهاية القصة، دي بداية حياتي الحقيقية.

في التاكسي، حطيت رأسي على الشباك وغمضت عيني. كانت دموعي نازلة بسسكوّت، مش ضعف ولا حسرة عليه، لكن حزن على السنين اللي ضاعت مع بني آدم رخيص ومريض بالشكل ده. مسكت الموبايل بإيد بتترعش وطلعت شريحة الخط، كسرتها نصين ورميتها من شباك العربية.. كنت عايزة أقطع كل خيط ممكن يربطني بيهم أو يخليهم يوصلوا لي تاني. وصلت بيت بابا، نزلت وسحبت شنطتي بالعافية، وطلعت السلم وأنا سانده على السور. أول ما فتح لي الباب وشاف منظري—الجروح اللي في وشي، ورجلي المربوطة، وشنطة هدومي في إيدي—شهق بصوت عالي وجري عليا مسكني قبل ما أقع.

“هدى! يا بنتي إيه اللي جرى لك؟ مين عمل فيكِ كده؟!” ترميّت في ح.ضنه وبكيت لأول مرة من قلبي، بكاء طالع من أعمق نقطة وجع جوايا. حكيت له كل حاجة من لحظة الحا.دثة لخروج أختي وهي متشالة على إيد جوزي، لحد الكلام السم اللي قاله لي قبل ما أمشي. بابا كان بيسمع وشفايفه بتترعش من الغضب، وعينيه بتتملي شرار، قبضته اتجمعت على دراع الكرسي وهو مش مصدق إن بنته التانية وجوزها يعملوا كده. قام وقف بطوله وقال بصوت يهد جبال:

“والله العظيم ما هسيب حقك.. الرخيص ده واللي ما تتسمى أختك دي حسابهم معايا أنا، وهخليهم يعضوا صوابعهم ندم على كل نقطة دم ونقطة دموع نزلت منك!”. بقيت في بيت بابا، بتنقل بين الأوضة والصالة وأنا بحاول أستوعب كابوس الحا.دثة واللي كشفته. بابا ما ضيعش وقت؛ من تاني يوم كلم المحامي وبدأنا فوراً في إجراءات الطلاق للضرر وقضايا القايمة عشان ناخد كل حقوقي بالقانون.

في الوقت ده، ندى كانت سابت الشقة هي كمان ورجعت شقتها القديمة اللي عايشة فيها من وقت طلاقها، لأنها عارفة إن بقاءها مع خالد في الشقة لوحدها بعد ما أنا مشيت بقى “حرام” وما ينفعش، غير إنها كانت خايفة من مواجهة العيلة بعد ما السر انكشف.

خالد الشقة فضيت عليه فجأة.. خسرني وخسر البيت اللي كان شايله، وفي نفس الوقت لقى ندى قفلت بابها ورجعت شقتها. التوتر أكل دماغه، وبقى يتصل بنوى يحاول يضغط عليها عشان تقابله أو تخرج معاه، لكن ندى بدأت تتهرب منه وترفض ترد عليه، بعد ما أخدت الشو اللي هي عايزاه ورضت غرورها بأنها شدّت عين جوز أختها.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى