
ماكانش فيه حد. فتحت الخزانة. لقيت صندوقًا معدنيًا. جواه هاتف قديم. شغلته. كان فيه تسجيل واحد فقط. ضغطت عليه. وسمعت صوت حسين. صوته كان ضعيفًا، لكن واضح. سارة لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا مت. بدأت دموعي تنزل. أنا عارف إنك هتكرهي إني خبيت عنك الحقيقة. سكت لحظة. بس لو قلت لك كل حاجة من أول يوم، كنتِ هتبعُدي عني. وكنتِ هتفضلي عايشة في جهل وده كان أسلم لك.
ثم قال جملة خلتني أتجمد أمك ما كانتش ضحية. سكت. كانت شاهدة. سمعت صوت نفس طويل. والشخص اللي قتـ,ـل أمك كان قريب منك أكتر مما تتخيلي. التسجيل انتهى. وقفت في مكاني. قريب منك أكتر مما تتخيلي. بدأت أراجع كل الأشخاص اللي كانوا حوالين أمي. الجيران. أصحابها. زملاء العمل. لكن اسم واحد ظهر في دماغي فورًا. شخص كان موجودًا في جنازة أمي. وكان أول شخص احتضنني وقتها. خالي سامح. اتصلت به.
رن الهاتف. مرة. مرتين. ثلاثة. ثم رد. سارة؟ حاولت أخلي صوتي طبيعي. خالي أنا محتاجة أسألك عن ماما. صمت. في إيه؟ إنت كنت تعرف عم حسين؟ ماسمعتش أي رد. ثواني طويلة. ثم قال مين قال لك الاسم ده؟ قلبي وقع. يعني تعرفه؟ فجأة تغير صوته. سارة، اسمعيني كويس. ارجعي بيتك واقفلي الباب وما تفتحيش لحد. ليه؟ لأنك دخلتي في حاجة أكبر منك. وقبل ما ألحق أسأله، قفل. في نفس اللحظة
جالي إشعار على الهاتف. رقم مجهول. رسالة واحدة لو عايزة تعرفي مين قتـ,ـل أمك تعالي وحدك للمخزن القديم الساعة 12. وتحت الرسالة صورة. صورة لعم حسين. لكن الصورة ما كانتش في المستشفى. كانت في مكان مهجور. وواقف جنبه خالي سامح. حسيت إني فقدت القدرة على التنفس. رحت للمخزن. مش لوحدي طبعًا. اتصلت بالمحامي، لكنه رفض ييجي. قال لي لو الرسالة وصلت لك، يبقى هم عارفين إن الشنطة معاك. مين هم؟
الناس اللي حسين كان بيهرب منهم. طب أعمل إيه؟ ما تروحيش. لكنني كنت قد قررت. لأنني كنت محتاجة أعرف الحقيقة. وصلت قبل منتصف الليل بعشر دقائق. المكان كان مهجورًا. فتحت الباب. خالي؟ ولا صوت. دخلت. فجأة الباب اتقفل ورايا. اتخضيت. ثم اشتغلت لمبة واحدة. وظهر خالي سامح. لكن اللي صدمني إنه ماكانش لوحده. كان واقف جنبه رجل آخر. فارس النجار. رئيس مجلس إدارة مجموعة النور. الشخص اللي كان اسمه في كل أوراق أمي.
قال فارس بهدوء أخيرًا وصلتِ. قلت إنت قـ,ـتلت أمي؟ ابتسم. أمك كانت أذكى مما ينبغي. صرخت قتـ,ـلتها؟ قال ماكنتش أنا اللي قتـ,ـلتها. ثم بص لخالي. اسألي سامح. بصيت لخالي. كان بيعيط. سامح؟ قرب مني خطوة. أنا ماكنتش عايز أمك تمـ,ـوت. بس إنت كنت معاها! كنت بحاول أحميها. ضحكت وسط دموعي. تحميني إزاي؟ وإنت خبيت كل ده عني؟ هز راسه. أمك اكتشفت كل حاجة. ثم قال وحسين ساعدها. ليه؟ لأن حسين كان المدير المالي الحقيقي للشركة قبل ما يتركها.
بدأت الصورة تكتمل. عم حسين لم يكن رجلًا مجهولًا. كان واحدًا من مؤسسي الشركة. لكنه اكتشف أنهم يخفون أموالًا ويجرون تجارب غير قانونية على مرضى لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. حاول يفضحهم. لكنهم هددوه. وأم سارة كانت الشخص الوحيد الذي امتلك الأدلة. قلت طيب مين قـ,ـتل أمي؟ سامح أغمض عينيه. أنا. تجمدت. إيه؟ أنا قتـ,ـلتها ثم أسرع يقول لكن مش زي ما إنتِ فاكرة. إزاي يعني؟ أنا اللي كنت معاها في آخر ليلة.
وبعدها مـ,ـاتت! لأنها طلبت مني أديها الدواء. سكت. كانت عارفة إنهم جايين لها. ثم أخرج هاتفًا قديمًا. أمك كانت مصابة بمرض خـ,ـطير بالفعل، وكانت بتاخد دواء معين. إنت بتقول إن مـ,ـوتها كان أمك اختارت تمـ,ـوت قبل ما يقدروا ياخدوها. دموعي نزلت. ليه ما قالتليش؟ لأنها كانت عارفة إنك لو عرفتي، هتدوري وراهم. ثم بص لفارس. لكنهم عرفوا إن حسين معاه نسخة من الأدلة. فارس ابتسم. ولهذا السبب كان لازم يمـ,ـوت.
تجمدت. إنت قـ,ـتلت حسين؟ فارس هز رأسه. لا. ثم ابتسم. حسين كان سيمـ,ـوت على أي حال. بس إنت عرفت إنه اتجوزني! طبعًا. قالها بكل هدوء. وأنا كنت منتظر أشوف إذا كان أعطاكِ الشنطة. هنا فهمت. الجواز كله كان مراقبًا. المستشفى. المحامي. الشنطة. كلهم كانوا ينتظرون اللحظة التي أصل فيها إلى الحقيقة. وفجأة سمعت صوتًا من خلفي سارة ما تسمعيش كلامه. لفيت. المحامي كان واقفًا عند الباب. لكن المفاجأة الأكبر إنه كان ماسك مسدسًا.
رفع فارس يده. أخيرًا وصلت. المحامي قال انتهى كل شيء. لكنني لاحظت شيئًا. كان وجهه شاحبًا. وإيده بترتعش. بص لي وقال سارة، الشنطة. قلت ليه؟ عشان آخدها. فهمت. كلهم كانوا يريدون الشنطة. لكنني فجأة تذكرت جملة حسين الحقيقة كلها موجودة جوه الشنطة. الحقيقة كلها. مش الأدلة فقط. فتحت الشنطة بسرعة. طلعت الصورة. الملفات. الهاتف. ثم تذكرت المفتاح. بصيت للمفتاح. وفجأة فهمت. الخزانة 317 ماكانتش مجرد خزانة. كانت مكان حفظ الأدلة الأصلية.
والهاتف اللي لقيته كان مجرد طُعم. مددت إيدي داخل الشنطة. ولمست بطانة القاع. كانت مخيطة. قطعت الخيط. وأخرجت فلاشة صغيرة. كلهم اتجمدوا. قلت دي الحقيقة؟ المحامي اتغير وشه. فارس لأول مرة فقد هدوءه. سامح بدأ يعيط. وفهمت أنني وصلت للشيء الذي كانوا يبحثون عنه. رفعت الفلاشة. اللي عليها هيقتـ,ـل ناس كتير. فارس قال هاتيها. ابتسمت لأول مرة. لأ. إنتِ مش فاهمة. لأ، أنا فهمت. ثم رفعت هاتفي. لأني من أول ما دخلت المخزن كنت بسجل.
ساد الصمت. فارس اندفع نحوي. لكن قبل ما يوصل، دخلت الشرطة. كان المحامي هو من اتصل بهم. والمفاجأة الأخيرة كانت أن حسين كان قد أرسل نسخة من كل الأدلة إلى الشرطة قبل وفـ,ـاته، ولم يكن ينتظر مني أن أكتشفها وحدي. بعدها بأيام انهارت مجموعة النور بالكامل. تم القبض على فارس وعدد من المسؤولين. أما خالي سامح فلم يكن قـ,ـاتل أمي كما ظننت. كان قد ساعدها على إخفاء الأدلة، وحمل ذنب مـ,ـوتها طوال عامين لأنه وعدها ألا يخبرني.
أما المحامي فاكتشفت أنه كان شريك حسين في الخطة كلها. وكان زواجي من حسين هو الطريقة الوحيدة التي جعلتني أمتلك قانونيًا حق الوصول إلى آخر وصية تركها. لكن بقي سؤال واحد يؤلمني لماذا أنا؟ لماذا اختارني حسين بالذات؟ بعد انتهاء كل شيء، رجعت للمستشفى. دخلت نفس الغرفة. نفس السرير. نفس الكرسي. وقعدت في المكان اللي كنت بقعد فيه سبعة أيام. المحامي دخل وسلّمني ظرفًا صغيرًا. قال ده آخر شيء. فتحت الظرف.
كانت رسالة بخط حسين. بدأت أقرأ سارة لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أخيرًا عرفتي الحقيقة. بس في حاجة واحدة ماحدش قالهالك. أنا ما اتجوزتكيش عشان الشنطة. ولا عشان القانون. ولا عشان أحمي أسرار أمك. أنا اتجوزتك لأنك أول مرة دخلتي فيها أوضتي، ما سألتيش أنا مين. ما سألتيش عندي فلوس ولا لأ. ما سألتيش عندي أولاد ولا ورث. إنتِ بس قعدتي جنبي. ولأول مرة من سنين حسيت إني إنسان، مش مريض مستني يمـ,ـوت.
عشان كده، لما طلبت منك تتجوزيني، كنت عارف إن عندي سبعة أيام بس. سبعة أيام لكنهم كانوا كفاية عشان أعرف إن أمك اختارت الشخص الصح لما وثقت فيكِ. أنا آسف إني دخلتك في كل ده. لكن عندي طلب واحد. ما تعيشيش بقية عمرك حزينة عشان الناس اللي مـ,ـاتت. عيشي عشان الناس اللي لسه موجودة. وأهم حاجة ما تفتكريش إن جوازنا كان كذبة. بالنسبة لي كان أصدق أسبوع عشته في حياتي.
وقفت عن القراءة. وبكيت. لكن المرة دي ماكانش بكاء على شخص مـ,ـات. كان بكاء على شخص عاش عمره كله وحيدًا وفي آخر سبعة أيام منه وجد أخيرًا عائلة. بعد ستة أشهر، كنت في المستشفى. لكن المرة دي ماكنتش متطوعة. كنت أعمل على مشروع جديد. صندوق لمساعدة المرضى اللي مالهمش أهل. نفس الفكرة اللي بدأت بسببها أروح المستشفى من البداية. دخلت إحدى الغرف. كان فيها رجل مسن لوحده. قعدت جنبه. سألته
محتاج حاجة؟ بص لي وابتسم. بس حد يقعد معايا. ابتسمت. وقعدت. وبينما كنت ماسكة إيده لمحت شيئًا على الترابيزة. علبة كانز. ضحكت من غير ما أقصد. الرجل استغرب. بتضحكي على إيه؟ قلت افتكرت حد. ثم بصيت من الشباك. ولأول مرة من سنتين حسيت إن البيت اللي جوايا مش فاضي. لأن بعض الناس ممكن يعيشوا معانا سبعين سنة ومايسيبوش أثر. وبعضهم يكفينا منهم سبعة أيام فقط عشان يغيروا حياتنا كلها.




