روايات

لمدة خمسة وثلاثين عامًا

وبعد ثلاثة أيام، تلقيت اتصالًا. قالوا لي: “السيدة كارتر، يجب أن تحضري بنفسك. وننصح أيضًا بأن تصطحبي أحد أفراد عائلتك معك.” رافقتني إيمي. أدخلنا الطبيب إلى الغرفة، ثم أغلق الباب بالمفتاح. وضع نتائج التحليل أمامه على المكتب. ثم نظر إليّ وسأل: “منذ متى وأنتِ تشربين هذا؟” أجبته: “منذ خمسة وثلاثين عامًا. كان زوجي يجبرني على شربه. هل هو سم؟” ظل الطبيب ينظر إليّ مذهولًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال… “هذا ليس سمًا… والحقيقة أخطر بكثير مما تتخيلين.”

تابع الطبيب: “لو كان هذا المشروب سمًا تقليديًا، لما كنتِ جالسة أمامي الآن. لكن ما وجدناه في الزجاجة يفسر كل شيء… الدوخة، الإرهاق، الغثيان، وحتى تغير طعم فمك.” نظرت إليه إيمي وهي ترتجف. “ماذا وجدتم؟” فتح الطبيب ملف التحاليل وقال: “وجدنا مادة دوائية قوية بتركيز غير طبيعي، لكنها ليست الشيء الأكثر خطورة.” سألته: “إذن ما هو؟” نظر إليّ مباشرة وقال: “المادة كانت تُستخدم لإبقاء ضغطك وسكر دمك منخفضين بشكل متعمد، ومع مرور السنوات كان جسدك يتعرض لها باستمرار.”

شعرت بأن الأرض اختفت من تحت قدمي. قلت: “لكن لماذا؟ لماذا يفعل زوجي ذلك بي؟” لم يجب الطبيب فورًا. ثم دفع نحوي ورقة أخرى. “لأننا أجرينا تحليلًا إضافيًا.” نظرت إلى الورقة. كانت تحتوي على اسم مادة لم أسمع به من قبل. رفع الطبيب عينيه وقال: “هذه المادة لا تُضاف إلى المشروبات العادية. والأهم أنها لا تُباع دون وصفة طبية.” بدأت إيمي في البكاء. أما أنا فظللت أحدق في الورقة. ثم تذكرت شيئًا. الطرود الشهرية. الزجاجات بلا ملصقات.

خوف فيكتور عندما حاولت إيمي لمس الزجاجة. وإصراره على أن أشرب كل قطرة. وفجأة فهمت. لم يكن فيكتور يشرب معي. كان يتأكد فقط من أنني أشرب ما وضعه هو في الكأس. لكن بقي السؤال الأهم: لماذا؟ في تلك اللحظة، طرق أحدهم باب غرفة الطبيب. دخل رجل في منتصف الخمسينيات يحمل ملفًا بنيًا. نظر إليّ وقال: “السيدة كارتر؟ أعتقد أن الوقت قد حان لتعرفي الحقيقة التي أخفاها زوجك عنك لمدة خمسة وثلاثين عامًا.” لم أستطع الكلام.

لكن إيمي قالت: “إذن أبي كان يخطط لق/تل أمي؟” ساد الصمت. وأخيرًا قال الرجل: “لا أستطيع أن أتهمه بالق/تل دون دليل جنائي كامل. لكنه كان يبني ملفًا يجعل وفاتها تبدو طبيعية.” شعرت بالغثيان. كان يريد أن يمــ,,ـــــوتني ببطء. ثم يجعل الجميع يعتقدون أنني مت بسبب مرض قديم. قلت: “لكن لماذا لم يشرب هو من الزجاجة؟” نظر الطبيب إلى نتائج التحليل. ثم قال: “لأن المادة الموجودة فيها كانت ستؤذيه أيضًا.” تذكرت شيئًا لم أفكر فيه من قبل.

طوال خمسة وثلاثين عامًا… كان فيكتور يرفع كأسه أمامي. لكنه لم يكن يشرب أبدًا إلا بعد أن يراني أشرب. وأحيانًا كان يكتفي بملامسة الكأس لشفتيه. كنت أظن أنه يشرب مثلي. لكن الحقيقة كانت أبشع. كان يتظاهر. قال الطبيب: “لقد طلبنا تحليلًا إضافيًا لعينة من دمه محفوظة في المستشفى.” نظرت إليه. “وماذا وجدتم؟” قال: “لا شيء من المادة الموجودة في الزجاجة.” أغلقت عيني. لأول مرة فهمت لماذا كان فيكتور يراقبني بهذه الطريقة. لم يكن يخاف عليّ.

كان ينتظر تأثير السم. لكن كانت هناك مفاجأة أخرى. قال الرجل الذي يحمل الملف: “هناك شخص آخر كان يعرف.” رفعت رأسي. “من؟” قال: “الرجل الذي كان يرسل الطرود.” توقفت أنفاسي. “هل وجدتموه؟” أومأ. “نعم.” ثم أضاف: “وكان يعمل صيدليًا.” أخرج صورة من الملف. نظرت إليها. عرفت الرجل فورًا. لقد رأيته من قبل. كان صديق فيكتور الذي كان يرفض دعوته إلى العشاء. لكن لماذا؟ سألته: “هل تحدثتم معه؟” قال: “نعم.” ثم وضع أمامي تسجيلًا صوتيًا. ضغط زر التشغيل.

وسمعت صوتًا أعرفه جيدًا. صوت فيكتور. كان يقول: “هي ما زالت تشرب كل ليلة. أحتاج أن يستمر الأمر حتى لا يشك أحد.” ثم جاء صوت الصيدلي: “وماذا لو ماتت قبل الموعد؟” أجاب فيكتور: “لن يحدث ذلك. الجرعة محسوبة.” توقفت عن التنفس. ثم سمعت الجملة التي حطمت آخر جزء من الصورة التي كنت أحملها عن زوجي. قال فيكتور: “بعد مــ,,ـــــوتها، سأحصل على المال وأغادر. خمس وثلاثون سنة من الانتظار كافية.” بدأت إيمي تبكي. أما أنا فجلست ساكنة.

لم أبكِ. لم أصرخ. فقط قلت: “إذن… لم يحبني قط.” قال الطبيب بهدوء: “ربما كانت لديه مشاعر تجاهك في وقت ما. لكن ما فعله بعد ذلك كان ج/ريمة.” ثم سألني الرجل: “هل تريدين تقديم بلاغ رسمي؟” نظرت إلى صورة زوجي الموجودة في حقيبتي. كانت صورة قديمة لنا يوم زفافنا. كنت أضحك فيها. وهو كان ينظر إليّ بحب. أو هكذا كنت أعتقد. مزقت الصورة إلى نصفين. وقلت: “نعم.” لكنني لم أكن أعرف أن الشرطة كانت قد بدأت بالفعل في التحقيق.

فبعد ساعات، اكتشفوا شيئًا آخر في منزلنا. في القبو، خلف خزانة قديمة، وجدوا صندوقًا معدنيًا. وبداخله عشرات الزجاجات. وبجانبها ملف يحمل تواريخ. كل ليلة كنت أشرب فيها. كان فيكتور يسجل كل شيء. متى شربت. كم شربت. كيف كان نومي. هل شعرت بالدوار. هل شعرت بالغثيان. وكان يضع علامة بجانب كل يوم. لكن أسفل الصفحة الأخيرة كانت هناك جملة واحدة كتبها بخط يده: “بعد عام آخر، ستبدو وفاتها طبيعية.” كان ذلك كافيًا لتبدأ الشرطة القضية. أما الصيدلي، فاعترف بعد أيام بكل شيء.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى