روايات

دعوه مظلوم أمانى سيد 

تاني يوم الصبح، كانت مروة عندي في الشقة كالعادة، وشها كان أصفر زي الليمونة وعيونها متبهدلة من البكا، دخلت وهي بتسند على الحيط وقعدت على الأرض منهارة، وقالتلي بصوت مخنوق: “الحقيني يا سعاد.. أخوكي غايب بقاله كذا أسبوع وتليفونه مقفول، والنهاردة خبط عليا راجل غريب معاه ورقة طلاقي وقالي إن الشقة متباعة ولازم أخليها لآخر الأسبوع! أنا مش فاهمة حاجة، هو فين وجراله إيه؟”.

قعدت قدامها على الكرسي وحطيت رجل على رجل، طلعت تليفوني بهدوء وفتحت ألبوم الصور، وقربت الشاشة من وشها وقولت ببرود: “أخويا سليم وزي الفل ومفيهوش خدش، اتجوز الست هلا وعايش في فيلته الجديدة بعد ما قبض الملايين، وكان بيصيف ومبسوط ومش عايز يشوف وشك تاني خلاص”. مروة برقت وعيونها تايهة في الصور، إيديها كانت بتترعش وجسمها كله اتخشب، الدموع نزلت من غير صوت وكأن الصدمة شلت لسانها، فضلت تبص في التلفون وتبصلي، مستوعبة إن كل لحظة شقا وتعب ومسح سلالم كانت عشان تستر راجل بيخونها وبيرميها.

ميلت عليها وقولتلها بنبرة حسستها بالشفقة المسمومة: “خلاص يا مروة، البكا ملوش لازمة واللي راح راح.. بدل ما تتبهدلي في الشوارع بابنك وماتلاقيش تاكلي، تعالي عيشي عندي في الأوضة الصغيرة اللي فوق السطوح، تطبخي وتغسلي وتنضفي البيت كله وأنا هتكفل بأكلك وشربك ومصاريف الواد، أهو على الأقل تلاقي حتة تلمك بدل البهدلة”.

بصتلي مروة نظرة عمري ما هنساها، مكنتش نظرة ضعف ولا انكسار زي كل مرة، كانت نظرة واحدة شافت القاع ومبقاش عندها حاجة تخاف تخسرها. مسحت دموعها بكم عبايتها المقطوع، ووقفت على حيلها وضهرها مفرود فجأة، ورمت الـ ١٥٠ جنيه في وشي وقالتلي بصوت ثابت يرعب: “كنت فاكراكي أهلي، وطلعتي أنتي وهو حفرة واحدة.. اللقمة الحلال اللي كسبتها بشقايا وعرقي أشرف من ملايينكم وقصوركم، وربنا اللي كان ساترني وأنا بخدم مش هيضيعني أنا وابني”.

بصتلي مروة نظرة أخيرة كلها قرف، نظرة كأنها شايفة حشرة قدامها مش بني آدمة. وقبل ما تمشي، رفعت إيدها الاتنين للسما، وصوتها طلع مخنوق بالبكا والقهر بس كان فيه قوة ترعب، وقالت: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا سعاد أنتِ وأخوكي.. حسبي الله ونعم الوكيل في كل لحظة ظلم وقهر عيشتوهالي.. ربنا ينتقم منكم ويردلي حقي منكم في الدنيا قبل الآخرة”.

الكلام نزل عليا زي الصاعقة، جسمي كله اترعش ومقدرتش أرد بكلمة واحدة. مروة مسحت دموعها بسرعة، ووطت أخدت ابنها اللي كان واقف ساكت ومش فاهم حاجة من إيده، وشدته ومشت بسرعة من غير ما تبص وراها، ورزعت الباب وراها بكل قوتها. فضلت واقفة مكانى مذهولة، وصوت مروة ودعوتها بيرنوا في ودني. حاسة بخوف وقلق غريب مش قادرة أفسره، وقلبي بيدق بسرعة كأنه عايز يخرج من ضلوعي. في اللحظة دي، حسيت إن كل خططي ومصالحي انهارت، وإن الليلة دي مش هتعدي على خير أبداً.

مرت الأيام، وكل يوم كان الخوف والقلق بيزيدوا جوايا. مكنتش قادرة أنسى نظرة مروة ودعوتها، وكنت حاسة إن فيه مصيبه هتصل في أي وقت. خرجت مروة من عندي ونار القهر قايدة في صدرها، بس بدل ما تستسلم وتنهار، مسحت دموعها وهي باصة لابنها وقررت إن الضعف مش هيرجعلها حقها. افتكرت كلام جارتها اللي كانت بتخدم عندها من ورا أخويا، وراحتلها جري تحكيلها اللي حصل كله، والست من صدمتها مسكتها من إيدها وودتها فوراً لمكتب محامي معروف في منطقتهم بشطارته وقوته في قضايا الأحوال الشخصية.

دخلت مروة المكتب والهم كاسي ملامحها، بس عيونها كان فيها شرار غضب. قعدت قدام المحامي، وفتحت شنطتها وطلعت إيصالات وورق بسيط، وحكتله الحكاية من أول شقاها وتعبها ومسح البيوت عشان تستر جوزها، لحد ما باع الشقة فجأة، ورمى ورقة طلاقها في الشارع وطردها بابنها عشان يتجوز واحدة تانية بفلوس ورثه اللي كان مخبيه عليها.

المحامي سمع القصة كلها باهتمام، وهز راسه وقفل الملف اللي في إيده وقالها: “يا مدام مروة، أنتي ليكي حقوق مهدورة بالقانون، نفقة متعة، ونفقة عدة، ومؤخر صداق، وأجر مسكن وحضانة ومصاريف دراسية للولد، وطالما هو طلق غيابي ورمى العفش وباع شقة الزوجية، هنرفع عليه كمان دعوى تبديد منقولات ونطالب بتعويض ضخم عن الأضرار النفسية والمادية، وهنثبت دخلـه الحقيقي ونصيبه في الورث بالمستندات الرسمية”. مروة وشها اتخ.طف وقالتله بحرج وبصوت واطي: “بس يا أستاذ.. أنا ممعيش ولا مليم أدفعه أتعاب دلوقتي، كل اللي حيلتي يا دوب مصاريف أكل الواد اليومين دول”.

ابتسم المحامي بهدوء وطمنها وقال: “متشغليش بالك بالأتعاب خالص دلوقتي، أنا واثق من موقفك القانوني مية في المية.. إحنا هنعمل اتفاق، مش هاخد منك ولا مليم مقدماً، واتعابي كلها هتبقى نسبة من إجمالي التعويضات والمبالغ اللي هنجيبهالك وناخدها من جوزك بحكم المحكمة لما القضية تخلص وتقبضي كل مليم ليكي”. مروة ارتاحت وحست إن في أمل بعد ما كانت الدنيا مسودة في وشها، مضت على التوكيل والاتفاق، وخرجت من المكتب وهي حاسة إن ضهرها بقى مسنود بقوة القانون، وإن حق سنين التعب والشقا اللي اتسرق منها هيرجع غصب عن أخويا وعن أي حد داس عليها.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى