
حماتي وخالته قاموا من مكانهم وجايين يجروا علينا، وبنت خالته كانت لسه واقفة في المية، بتعدل شعرها ومبتسمة ابتسامة مستفزة خلتني عايزة أروح أشدها من شعرها وأغرقها مكانها. حماتي وقفت قصادي وبصوت عالي زعقت: “إيه قلة الأدب دي يا بت إنتي؟! بتعلي صوتك على جوزك قدام الناس في البحر؟ ما تلمي لسانك وتحترمي نفسك شوية!” بصيت لحماتي وضحكت بمرارة، ضحكة وجع ممزوجة بقهر السنين: “ألم لساني؟ هو أنا اللي مش محترمة نفسي برضه يا حماتي؟ ولا ابنك اللي شايل بنت أختك في ح.ضنه وسط المية قدام ولاده ومراته؟! إنتوا إيه.. معندكوش ريحة الدم ولا الحياء؟”
خالته شهقت وحطت إيدها على صدرها: “يا نهارك مش فايت! دي زي أخته يا عميا، بترمي بنتي بكلام وسخ زي نيتك؟” جوزي قرب مني وشه محقون دم، وعروق رقبته نافرة، ومسك دراعي بعنف: “اخرسي خالص وادخلي جوة الشاليه، حسابك معايا بعدين!” نفضت إيدي من قبضته بكل قوتي وبصيت في عينيه مباشرة، ولأول مرة مشوفتش فيه الراجل اللي كنت بخاف أزعله، شوفت فيه شخص غريب، أناني، وميستاهلش دقيقة واحدة من عمري.
سيبته ولفيت ضهري، مشيت ناحية ولادي اللي كانوا واقفين يرتعشوا من الخوف وعينيهم ماليانة دموع. مسكت إيد بنتي وإيد ابني، وقولتلهم بصوت هادي حاولت أجمعه بالعافية: “يلا يا حبايبي.. هنرجع بيتنا.” دخلت الشاليه، جمعت هدومنا في الشنطة في عشر دقايق وأنا سامعة دوشتهم وزعيقهم برة. طلعت بشنطتي وعيالي ولقيته واقف في الصالة بيسد الباب وهو بينفخ: “هتروحي فين بالعيال في الوقت ده؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟” بصيتله بثبات مكنتش أعرف إنه عندي، وقولتله جملة واحدة خرجت من قلبي قبل لساني: “الفرحة اللي كنت مستخسرها في عيالك وفيّا، هتعيش ندمان عليها باقي عمرك.. الطريق اللي جيناه سوا خلص لحد هنا.”
طلبت تاكسي، وركبت أنا وولادي وأنا سايباه واقف مكانه مذهول، وعارفة إن الست اللي رجعت من الرحلة دي، مش هي أبداً اللي راحت معاه مغصوبة. طول طريق السفر راجعين للقاهرة، الطريق كان ساكت، مفيش غير صوت أنفاس العيال وصوت الطريق.. بنتي ساندة راسها على كتفي وبتعيط بسكات، وابني ماسك في دراعي التاني وكأنه خايف أسيبه هو كمان. كنت بمسح على روسهم وبهمس لهم: “ماتخافوش.. ماما معاكم ومش هتسيبكم أبداً”. الدموع اللي نزلت مني في التاكسي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غسيل لكل ذكرياتي معاه، لكل السنين اللي ضيعتها وأنا ببرر بخله وبروده وقسوته على إنها “طبيعة راجل”.
وصلنا البيت متأخر، غيرتلهم ونيمتهم في ح.ضني، وأول ما اطمنت إنهم ناموا، التليفون بدأ يرن.. اسمه منور على الشاشة بمكالمات ورسايل ورا بعض، وبعدها رسايل من حماتي وأخته: “انتي اتجننتي؟ فضحتِينا قدام الناس وخربتي الإجازة”، “ارجعي لعقلك يا بت وبلاش حركات عيال”. قفلت التليفون تماماً، وحسيت براحة وهدوء غريب عمري ما حسيته وأنا معاه في بيت واحد.
تاني يوم الصبح، مكنتش مستنية يرجع عشان يبدأ مسلسل التبرير والزعيق المعتاد.. صحيت بدري، لميت أوراقي المهمة، شهادات ميلاد ولادي، وقسيمة الجواز، وقررت أبدأ أول خطوة صح في حياتي. نزلت مباشرة على مكتب محامي أعرفه، قعدت قصاده وحكيتله كل حاجة بنبرة ثابتة وصوت مفيش فيه تردد: “عايزة أرفع قضية طلاق للضرر، ونفقة لولادي، وكل حقوقهم متقلش مليم واحد.. هو مرتاح مادياً جداً ومستخسر فيهم، والقانون لازم ياخد حقهم.” المحامي طمني وكتب المحضر بالوقائع، ورجعت شقتي قعدت مستنياه، لأني المرة دي مش ههرب ولا هسكت.
العصر، الباب اتفتح بعنف.. دخل يزعق وشكله مبهدل من السفر، وبصلي بغل: “انتي فاكرة نفسك مين عشان تسيبينا وتمشي؟ فاكرة إنك ليكي قيمة من غيري؟ هترجعي تبوسي رجلي عشان أرجعك!” وقفت قصاده وبصيت في عينيه ببرود تام، من غير ما أرمش: “اللي يتباس رجليهم هما ولادك اللي حرمتهم من ضحكتك وصرفت فلوسك على غيرهم.. لكن أنا؟ أنا من اللحظة اللي شوفتك فيها شايلها في المية، اعتبرتك مت في نظري. المحامي رفع دعوى الطلاق، والمحكمة بيني وبينك.”
وشه اتخ.طف، والكلمة شلت حركته.. مكانش متخيل إن الست المطيعة الصابرة اللي كانت بتلم وراه سنين، ممكن تكسر الدايرة في لحظة واحدة وتقف على حيلها. فضل باهت مكانه، عينه بتتحرك بيني وبين أوراق المحامي اللي كانت محطوطة على ترابيزة الصالة. الصدمة لجمت لسانه لدقيقة، وبعدين انفجر في ضحكة سخرية مهزوزة: “محكمة وطلاق؟ انتي بتهوشي يا حبيبتي.. فاكرة نفسك هتعرفي تعيشي من غير قرش مني؟ ده انتي والعيال هتشحتوا، ومفيش محكمة هتديكي اللي انتي بتحلمي بيه!”
قربت خطوة واحدة منه، وبصيتله بهدوء مستفز: “اللي بيصرف على بنت خالته وعزايم البحر بالآلاف، حسابه في البنك وعقاراته معروفين بالورقة والقلم. والمحامي جاب بيان بكل دخلك وممتلكاتك.. المحكمة هتاخد حق عيالك غصب عنك، ومستواهم مش هينزل مليم، لكن إنت وجودك هو اللي نزل للصفر.” وشه احمر وعروق رقبته نطت، مد إيده بعنف يمسك دراعي، بس قبل ما يلمسني رفعت صباعي في وشه وصوتي كان حاسم كالسيف: “إيدك متلمسنيش.. البوليس هيتعمله بلاغ عدم تعرض في ثانية، والمرة دي مش هسكت على قشة.”




