
وساعتها شعرت إن الدنيا كلها بتلف بيا… لأن الصدمة اللي كنت بحاول أستوعبها من ساعة، كانت مجرد بداية خرجنا من العيادة، وأنا طول الطريق باصة لكريم. كان ساكت بشكل غريب. كل ما أسأله عن المكالمة يغير الموضوع. لحد ما وقفت قدامه فجأة وقلت مين اللي كانت بتتصل؟ تنهد وقال هقولك بعدين. لا… دلوقتي. فضل ساكت ثواني، ثم قال دي سارة. اسمها نزل عليا زي الصاعقة. سارة خطيبته السابقة اللي كان دايمًا يقول إنها صفحة واتقفلت من سنين.
قلت بعصبية وعايزة منك إيه دلوقتي؟ قال مش عارف. لكن طريقته كانت بتقول إنه عارف أكتر بكتير. وصلنا البيت. ولأول مرة من يوم جوازنا، حسيت إن فيه سر كبير مستخبي بينا. في نص الليل صحيت على صوت إشعار جاي من موبايله. كريم كان نايم. بصيت ناحية الشاشة بالغلط… لكن اللي شوفته خلاني أتجمد مكاني. رسالة من سارة. مكتوب فيها لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان. اتسعت عيني. وقبل ما ألحق أقرأ باقي الرسالة، كريم صحى فجأة وخطف الموبايل من إيدي.
أول مرة أشوفه متوتر بالشكل ده. قال بعصبية ليه بتفتحي موبايلي؟ قلت وأنا مصدومة إيه الحقيقة اللي بتتكلم عنها؟! قام من السرير ومشى ناحية البلكونة. وفضل واقف هناك أكتر من ساعة. وفي الصبح صحيت ملقيتوش في البيت. اتصلت عليه. مردش. مرة واتنين وعشرة. مفيش رد. بدأ القلق ياكلني. وبعد الضهر أخيرًا رجع. كان شكله مرهق جدًا. وفي إيده ظرف أبيض قديم. دخل وقفل الباب. وقعد قدامي. وقال في حاجة لازم تعرفيها.
قلبي بدأ يدق بسرعة. فتح الظرف. وأخرج صورة قديمة جدًا. بصيت فيها. ولقيت نفسي واقفة جنب بنت صغيرة عمرها يمكن سنة أو سنتين. استغربت. مين دي؟ كريم بصلي وقال دي مش أهم حاجة. ثم أخرج ورقة تانية. كانت شهادة ميلاد. قرأت الاسم. واتجمدت. لأن اسم الأم كان اسم أمي. لكن اسم الأب… ماكانش اسم أبويا. رفعت عيني له وأنا مش فاهمة أي حاجة. فقال أمك قبل ما تتجوز أبوكي كان ليها حياة كاملة محدش يعرف عنها حاجة.
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي. إنت جبت الحاجات دي منين؟! قال من سارة. وهي مالها بكل ده؟ أخذ نفسًا عميقًا وقال لأن سارة اشتغلت فترة في مكتب محاماة كبير… وبالصدفة وصلت لملفات قديمة جدًا تخص عيلتك. سكت لحظة. ثم أكمل والملفات دي فيها سر ممكن يغير حياتك كلها. كنت هفقد أعصابي. صرخت قول السر وخلاص! نظر لي مباشرة وقال البنت اللي في الصورة… اختك. تجمد الدم في عروقي. لكن الصدمة الحقيقية لسه ماجتش.
لأنه أكمل بصوت منخفض واختك دي… اختفت من أكتر من عشرين سنة. ثم وضع آخر ورقة أمامي. محضر رسمي قديم. وفي آخر سطر منه كانت جملة واحدة الطفلة لم يتم العثور عليها حتى الآن. وفي نفس اللحظة… سمعنا طرقًا عنيفًا جدًا على باب الشقة. طرقًا جعلنا نقف مرعوبين. ولما بصيت من العين السحرية… شهقت بقوة. لأن الواقفة خلف الباب كانت امرأة تشبه أمي بشكل مخيف جدًا…
وكأن الزمن رجع بها عشرين سنة للوراء مسكت طرف السرير بإيديا وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. يعني إيه مش طفل واحد؟! الدكتور رد بهدوء لسه بنتأكد… لكن فيه احتمال كبير يكون فيه توأم. بدأ الفحص من جديد، والدكتور التاني واقف جنبه يتابع الشاشة. ثواني مرت وكأنها ساعات. ثم ابتسم الدكتور وقال أيوة… فيه طفلين فعلًا. رغم الصدمة، جزء مني فرح. لكن الفرحة ما كملتش. لأن الدكتور التاني فجأة قال
استنى… دي إيه؟ رجعوا يبصوا للشاشة مرة تانية. والابتسامة اختفت من وشهم. قلبي بدأ يدق بعنف. فيه إيه؟! الدكتور قال محتاجين نعمل أشعة في مركز متخصص النهارده. ليه؟ علشان نتأكد من وضع الأطفال. خرجت من العيادة وأنا مش فاهمة حاجة. اتصلت بجوزي كريم. أول ما رد قلتله لازم تيجي حالًا. صوته اتوتر فيكي حاجة؟ تعالى بس. بعد أقل من نص ساعة كان واقف جنبي. ولأول مرة أشوف الخوف في عينه بالشكل ده.
ركبنا العربية وروحنا المركز. دخلت الأشعة، وكريم مستني بره. الدقائق كانت بتمشي ببطء قاتل. لحد ما الدكتورة اللي بتعمل الأشعة وقفت فجأة. وبصتلي باستغراب شديد. ثم سألتني سؤال غريب جدًا إنتِ متأكدة إنك أول مرة تعرفي بالحمل؟ قلت أيوة. قالت ومتأكدة إنك ما كشفتيش قبل كده عند أي دكتور؟ متأكدة. فضلت ساكتة ثواني. ثم قالت غريب… خرجت وأنا أعصابي منهارة. دخلنا مكتب الدكتور نستلم التقرير. فتح الملف. قرأ أول سطر.
ثم رفع رأسه ناحيتي ونحية كريم. وقال الحمل فعلًا في الشهر الخامس… وفيه توأم. تنهدت براحة بسيطة. لكن الدكتور أكمل والأغرب إن الطفلين مش بنفس العمر. أنا وكريم بصينا لبعض. إزاي يعني؟! قال في فرق واضح في النمو بين الجنينين. كريم اتكلم لأول مرة وده معناه إيه؟ الدكتور قفل الملف وقال معناه إننا محتاجين نعرف سبب الفرق ده بسرعة… لأن الحالة دي نادرة جدًا. وفي اللحظة دي بالذات… رن موبايل كريم.
