
مرت أيام قليلة، والهدوء اللي كان في بيتنا كان هدوء يسبق العاصفة. في يوم الجمعة بالليل، وأنا قاعدة مع أمي بنحاول نلم باقي أثر الصدمة، سمعنا خبط ورزع مرعب على باب الشقة، وصوت هيصة وشتائم طالعة من الشارع تحت العمارة. جري أبويا وإخواتي الشباب على البلكونة، وكانت الصدمة! عصام جايب معاه أربعة بلطجية بأسلحة بيضاء ومواشير، واقفين تحت البيت بيجعرو باسم أبويا واسم أخويا الله يرحمه “سيد”. وكان المعلم الأكبر في المشهد ده هي “عبير”! واقفة في أول الشارع، لافة شال أسود على وشها، وعينيها بتاكل الشارع أكل، هي اللي دلتهم على البيت وهي اللي كانت بتبث فيهم السم.
عصام كان بيصرخ بصوت هيستيري: – “انزل يا حاج وريني رجولتك! فاكر إنك هتاخد حقوق بنتك وتطردني بالسهولة دي؟ الشقة اللي سيد كان قاعد فيها مع عبير دي بتاعتي، ولين فيها حق ومؤخر، ولو ما نزلتوش تسلموني المفاتيح والفلوس، الشارع ده مش هينام الليلة!” أبويا ما ترددش ثانية، مسك عصايته ونزل، وإخواتي كرم وأحمد نزلوا وراه كأنهم أسود اتفتحت عليهم أبواب الأقفاص. أنا وأمي بنصرخ من البلكونة وبنتوسلهم ما ينزلوش، بس الحق لما يتهان ما فيش راجل بيسكت.
نزلت العيلة كلها للشارع، والمنطقة كلها اتجمعت على الصوت. الشباب وأهل المنطقة لما شافوا عصام جايب بلطجية على بيت راجل كبير وابنه متوفي مالوش شهرين، النخوة انقادت في قلوبهم. الشارع اتصلب ضد عصام والبلطجية اللي معاه. صوت الشوم والحديد كان بيرن في الشارع.. كرم أخويا هجم على عصام وزقه زقة جابته على آسفلت الشارع، وض.ربه ض.رب أخد بيه حق كسرة قلبي وحق حرمة أخويا اللي اتهانت في قبره. البلطجية لما شافوا أهل المنطقة كلهم اتجمعوا بالشوم والحجارة، اترعبوا وسابوا عصام وعبير وجريوا في الشوارع الجانبية!
عصام اتزنق في العمارة، وأهل المنطقة مسكوه وعجنوه ض.رب لما جاب الدم من كل حتة في جسمه. أما عبير.. فالستات بتوع المنطقة هجموا عليها، شالوا الشال من على وشها ونازلين فيها ض.رب وشد من الشعر وهي بتصرخ وتستغيث، والناس بتتف في وشها وبيقولولها: ” يا خائنة.. يا وسخة العائلات!” وفي وسط المعمعة دي، جرس عربية الشرطة رن في الشارع، والبوكس جه يصرخ ووقف في نص الميدان. الضابط والعديد من العساكر نزلوا وجروا على التجمهر، ومسكوا كل اللي في الشارع.
الضابط بص للمشهد.. عصام ينزف على الأرض، وعبير هدومها مقطعة وواقعة في الأرض، وأبويا واقف بعصايته وهدومه متوسخة من العفرة بس راسه مرفوعة. الضابط زعق: – “إيه المهزلة دي؟ مين المسؤول عن المعركة دي؟” أبويا تقدم بثبات ورزانة، وطلع تليفونه اللي فيه تسجيل المكالمة الأخيرة بتاعت التهديد، وصور الشات القديمة، وقال للضابط بصوت مسموع قدام الشارع كله: – “يا باشا، الراجل ده كان جوز بنتي وطردته بعد ما خانا مع مرات ابني المتوفي في فترة عدتها.. جالي الليلة دي ببلطجية وسلاح عشان ينهب حق بنتي ويهددنا في بيتنا، والتسجيلات أهي قدام سيادتك!”
الضابط بص للصور وللتسجيل، وبعدين بص لعصام ولعبير بقرف شديد، وقال للعساكر: – “ارموا الاثنين دول في البوكس! والعميد هيشوف شغله معاهم في القسم.. تجمهر، وإحداث شغَب، واستعراض قوة، وتهديد بالسلاح!” اتسحب عصام وعبير، وتركبوا البوكس قدام الناس كلها وهي بتتهتف ضدهم. في القسم، الموضوع ما كبرش بس عند حد الشغَب.. المحامي بتاعنا أخد صور الشات وتفاصيل التهديد وقدم بلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة “التحريض والخيانه الزوجية في فترة العدة الشرعية والابتزاز”. عبير تحولت من مجرد واحدة بتدور على انتقام شخصي لمتهمة رسمية قدام القانون والشرع.
أبوها وإخواتها لما جم القسم وشافوها بالمنظر ده ومحبوسة على ذمة التحقيق، أعلنوا التبرؤ منها رسمياً قدام الضابط والمحامي، وأبوها قال بصوت مكسور: – “أنا ما عنديش بنت بالاسم ده.. القانون ياخد مجراه وهي تشرب من الكأس اللي سقتنا منه!” أنا كنت فاكرة إن بكده القصة قفلت وأني أخذت حقي، بس لما رجعنا البيت وشفت أوضة أخويا سيد المقفولة ومفتاحها في إيدي، حسيت إن فيه سر تاني عبير كانت مخبياه في الشقة دي.. سر هيخلي الحرب دي تفتح أبواب جديدة أشد وأشرس من اللي فات!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” دخلت شقة أخويا سيد الله يرحمه، والمفتاح بيلف في القفل بصوت جاف كأنه بيئن من أثر اللي حصل. كانت المرة الأولى اللي أدخل فيها الشقة من يوم ما سيد اتدفن وعبير سابتها. الريحة جوة كانت مكتومة، ميكس بين تراب الأيام وريحة برفان عبير النفاذة اللي كانت بتخنقني زمان. أبويا وإخواتي كانوا واقفين عند الباب مش قادرين يدخلوا؛ كل شبر في المكان كان بيفكرنا بسيد وضحكته وطيبته. أبويا بصلي وقالي بصوت مبحوح:
– “ادخلي يا سمر.. لمي كل حاجتها وهدومها وحطيها في شنط، مش عايز لمحة واحدة تفكرنا بالعقربة دي في بيت ابني الله يرحمه.” مسكت الشنط الكبيرة ودخلت أوضة النوم. الأوضة كانت مكركبة، الهدوم مرمية على السرير والكومودينو مفتوح، كأنها كانت بتدور على حاجة بسرعة قبل ما تخرج الليلة دي. بدأت ألم الهدوم وأرمي في الشنط، وكل ما ألم حتة افتكر غلها وكلامها الرخيص لعصام في الشات، والدموع تنزل من عيني بسخونة.



