روايات

مرات اخويا حكايات رومانى مكرم 

النيابة حولت القضية فوراً لمحكمة الجنايات بتهمة “الق.تل العمد مع سبق الإصرار والترصد والاقتران بجر.يمة التزوير والابتزاز”. عصام وعبير بقوا مهددين رسمياً بحبل المشنقة أو السجن المؤبد في أحسن الظروف. في اليوم ده، وأنا قاعدة في البيت مع أمي وأبويا بيجهزوا أوراق الجلسة الأولى، جرس الباب رن. فتح كرم أخويا، ولقينا رجلين شكلهم يدعو للريبة، لابسين بدَل شيك بس نظراتهم حادة زي الموس. دخلوا بكل تبجح وقعدوا في الصالة من غير ما حد يعزم عليهم.

واحد منهم طلع شنطة جلد حطها على الترابيزة، فتحها.. وكانت مليانة حزم فلوس بالدولار والجنيه، وقال بنبرة هادية بس مليانة تهديد مستتر: – “يا حاج.. إحنا جايين نشتري هدوء البال. عصام له شغل ومصالح مع ناس كبار، ووجوده في السجن بيعطل المصالح دي. الفلوس دي (اتنين مليون جنيه) قصاد إن بنتك سمر تتنازل عن القضية وتغير أقوالها في النيابة، وتقول إن الأجندة والإيصالات كانت مجرد خلافات عائلية وما فيش شبهة ق.تل.”

أبويا بص للفلوس، وبص للراجل، وفجأة ضحك ضحكة عالية مليانة قرف وازدراء. وقف ودب بعصايته في الأرض وقال: – “أنتم فاكرين إن دم ابني سيد يتباع بفلوسكم الوسخة دي؟ فاكرين إن كرامة بنتي سمر وكسرة قلبها تتقدر بقرشين؟ خدو فلوسكم وغوروا من بيتي قبل ما أخلي المنطقة كلها تطلعكم من هنا على نقالات!” الراجل الثاني قام وقرب من أبويا وقال بصوت واطي ومسموع: – “يا حاج.. فكر كويس، التنازل هيحميك أنت وبنتك. الشارع مش أمان، وسمر بنتك ماشية جاية على المحاكم.. مش خايف عليها يحصلها حادثة في السكة؟”

في اللحظة دي، كرم وأحمد إخواتي ما استحملوش، مسكوا الراجلين من ياقات بدَلهم ونزلوهم ض.رب واهانات على السلم، ورموا شنطة الفلوس وراهم في الشارع، والناس اتجمعت وطردتهم من المنطقة كلها. لكن التهديد ما كانش مجرد كلام.. بعدها بيومين بس، كنت نازلة أنا وأمي الصبح عشان نروح لمكتب المحامي نتابع أوراق الجلسة. وأنا معدية الشارع الرئيسي، سمعت صوت موتور عربية بيصرخ وبيجري بسرعة جنونية ناحيتي!

التفتت، ولقيت عربية دفع رباعي سوداء من غير نمر جاية عليا مباشرة عشان تدوسني! صرخت أمي بأعلى صوتها، وفي آخر ثانية، كرم أخويا اللي كان ماشي ورانا بيأمنا زقني بكل قوته على الرصيف، والعربية خبطت كرم في رجله وطارت بسرعة وسابته سايح في دمه في نص الشارع! الشارع اتقلب، وعربية الإسعاف جت شالت كرم على المستشفى، والدكاترة أدخلوه عمليات فوراً عشان عنده كسور مضاعفة في الرجل. كنت واقفة في المستشفى بدموعي، ماسكة إيد أمي اللي كانت بتمو.ت من الخوف، وأبويا واقف برة أوضة العمليات وشه أصفر بس عينيه فيها غضب يهد جبال. أبويا بصلي ومسك كتفي وقال:

– “مش هتنكسري يا سمر.. ولا هيرعبونا. كل ما يض.ربونا، كل ما حبل المشنقة بيلف على رقبتهم أسرع!” المحامي بتاعنا جه المستشفى ومعه بلاغ جديد عن محاولة الق.تل العمد وتفريغ كاميرات الشارع اللي سجلت لوحة العربية والشخص اللي كان سايقها.. وطلعت المفاجأة إن اللي سايقها هو أدم، أخو عبير الصغير، بتكليف من ناس تبع عصام! الشرطة قبضت على أخو عبير في نفس الليلة، والموضوع كبر وأصبح شبكة إجرامية متكاملة: ق.تل، محاولة ق.تل، إدارة شبكة ابتزاز، وبلطجة.

في ليلة الجلسة الأولى والفاصلة في محكمة الجنايات، الشارع كله كان بيتكلم عن القصة. الإعلام والصحافة بقوا واقفين قدام المحكمة، وعبير وعصام طالعين من عربية الترحيلات مكلبشين، هدوم السجن البيضاء عليهم، وشوشهم سوداء، والناس على بوابات المحكمة بتصرخ فيهم وبيطالبوا بالإعدام. دخلنا القاعة، والقاضي اعتلى منصة القضاء، والهدوء خيم على المكان كأن على رؤوسنا الطير. عصام وعبير كانوا واقفين في قفص الاتهام بيبصولنا بنظرات انكسار وخوف حقيقي للمرة الأولى، بعد ما حسوا إن المشنقة بقت على بعد خطوات منهم.

القاضي فتح الملف، وبدأ ينادي على الأسماء.. وقف محامي دفاع المتهمين وقال بصوت متوتر: – “يا سيادة القاضي.. لدينا دفوع جديدة وإثباتات تُغير مجرى القضية بالكامل، وتثبت إن سمر هي المحرك الأصلي لجميع هذه الجرائم!” القاضي رفع عينه من الملف بملامح كلها جدية وصرامة، وبص لمحيط القاعة وهز راسه ببطء، وبعدين وجه كلامه لمحامي الدفاع بنبرة صوت تزلزل الأركان: – “مرفوضة كل الدفوع الفاسدة والواهية دي.. الأوراق واضحة، الأدلة القاطعة، تقارير الطب الشرعي، اعترافات المتهمين المدونة بخط اليد، وكاميرات المراقبة وتفريغ الهواتف لا تحمل أدنى شك أو تأويل. المحكمة اكتفت بالتحقيقات وبناءً عليه صدر الحكم.”

خيم صمت مر.عب على القاعة، كأن الحيطان نفسها بتستنشق الهوا بحساب. عصام في القفص رجليه بدأت ترتجف، وعبير سقطت على ركبها من كتر الر.عب، ووشها بقى أصفر بلا أي لون بعد ما عرفت إن نهايتها قربت. القاضي وقف، ورفع صوته بالنطق بالحكم التاريخي: – “باسم الشعب، وبتهمة الق.تل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والاقتران بجر.يمة التسميم، والتزوير، والابتزاز، والتحريض على محاولة الق.تل العمد، حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الأراء.. على المدعو ‘عصام’ والمدعوة ‘عبير’ بالإعدام شنقاً حتى المو.ت!”

أول ما الكلمة دي خرجت من لسان القاضي، الصالة انقلبت صرخات وهتافات بالحق والعدل. أمي وقعت على كرسيها ساجدة وبتعيط بدموع الفرح والارتياح، وأبويا رفع إيديه للسماء وشكر ربنا بصوت عالي، وكرم أخويا وهو قاعد على الكرسي المتحرك في القاعة عينيه دمعت وهو حاسس إن حق أخوه سيد رجع كامل ومجندل قدام الكل. عبير وعصام صرخا بصوت جنوني في القفص، وانهاروا في البكاء والشتائم، لكن العساكر هجموا عليهم وسحبوهم للداخل بسرعة، وانقفل باب القفص والباب الأخير لحياتهم السودا وراهم إلى الأبد.

مرت الأيام، ورجعت الحياة تدب في بيتنا بالتدريج. كرم خف وبقى يتمشى على رجليه تاني، وأمي قدرت تبتسم من جديد، وأبويا رجعت لضحكته الهيبة والوقار. أنا بصيت في المراية في يوم، ولقيت نفسي قدرت أتخطى الكسرة، وعرفت إن الظلم مهما طال عمره وعلا مقامه، نهايته حتمية تحت جزمة الحق. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى