روايات

بعد دقائق قليلة من انتهاء الطلاق

كنت مستنية أحس بحاجة. حزن. غضب. حتى ندم. لكن مفيش. فتحت موبايلّي وبصيت على الساعة. 1021. اتصلت بالسواق اللي كنت متفقة معاه من قبل. العربية جاهزة؟ رد فورًا أيوه يا مدام لينا. البنات مستنيين في البيت، وكل الشنط اتحطت في العربية. غمضت عيني للحظة. البنات. ده كل اللي كان يهمني. رجعت البيت للمرة الأخيرة. مش عشان كريم. عشان آخد بنتيَّ. أول ما دخلت، لقيت نور قاعدة على السلم، وحاضنة شنطتها الصغيرة، وجنبها أختها سارة ماسكة الدبدوب بتاعها.

بصت لي نور وسألت ماما بابا هييجي معانا؟ سؤال بسيط. لكنه وجعني أكتر من أي كلمة قالها كريم النهارده. نزلت لمستواها، وحــ,,ـــــضنتها. لأ يا حبيبتي. هنروح فين؟ بصيت لسارة، وبعدها لنور. هنبدأ حياة جديدة. نور سكتت شوية. وبعدين سألت لوحدنا؟ ابتسمت رغم إن عيني كانت بتوجعني. لأ إحنا التلاتة مع بعض. ما كانش عندي وقت أشرح لهم إن أبوهم اختار حياة تانية. ولا إن جدتهم كانت من شهور بتعاملهم كأنهم مجرد بنات مؤقتين، لحد ما ييجي الولد اللي هيشيل اسم العيلة.

ولا إن أبوهم قال لي النهارده بكل بساطة خدي البنات أنا خلاص هيكون عندي ابن. الأطفال مش لازم يشيلوا ذنوب الكبار. طلعت بيهم. قبل ما أقفل باب البيت، بصيت للمكان مرة أخيرة. 11 سنة من عمري كانت هنا. ضحكات. خناقات. ليالي كنت بستنى فيها كريم يرجع. ومرات كتير نمت وأنا مقتنعة إن المشكلة فيا. إن لو كنت أهدى أجمل أقل طلبًا كان ممكن يحبني أكتر. لكن الحقيقة كانت أبسط من كده.

هو بس ما كانش عايزني. قفلت الباب. ورميت المفتاح في صندوق البريد. وبعدين مشيت. على الناحية التانية من المدينة، كانت عيلة كريم متجمعة في عيادة النساء والولادة. سبعة أشخاص. أبوه وأمه. أخته الكبيرة وزوجها. أخوه الأصغر. وعمته. وبريهان. كلهم كانوا قاعدين في غرفة السونــ,,ـــــار وكأنهم داخلين يحضروا إعلان وريث مملكة. والدة كريم كانت ماسكة سبحة، لكن مش بتسبّح. كانت بتتكلم بحماس أنا حاسة إنه هيطلع شبه كريم. عمته ضحكت. المهم يطلع ولد. العيلة محتاجة اسم جديد يكمل.

بريهان ابتسمت وهي حاطة إيدها على بطنها. أما كريم فكان قاعد جنبها. وشه مختلف. مبسوط. واثق. شايف المستقبل قدامه. كان متخيل إن النهارده هيبدأ أول صفحة في حياته الجديدة. وفي اللحظة دي، دخلت الدكتورة. ابتسمت للجميع. صباح الخير. الكل رد عليها تقريبًا في نفس الوقت. وبريهان مدت إيدها. أنا جاهزة. الدكتورة بدأت الفحص. الشاشة قدامهم اتحركت. والكل قرب. والدة كريم قالت بحماس هو ده البيبي؟ الدكتورة ابتسمت. أيوه. الكل بدأ يضحك.

والد كريم ضــ,,ـــــرب إيد ابنه بخفة شوفت؟ قلت لك ولد. كريم ابتسم بثقة. لسه بدري على التأكيد. لكن والدته قاطعته لأ، إحنا عارفين إنه ولد. أنا حلمت بيه. ضحكوا. ثم فجأة الدكتورة سكتت. ابتسامتها اختفت. إيدها توقفت على الماوس. بصت للشاشة. وبعدين بصت للملف الموجود قدامها. رجعت بصت للشاشة تاني. الضحكة اختفت من الغرفة. كريم اعتدل في قعدته. في إيه؟ الدكتورة ما ردتش. قلبت صفحة في الملف. وسألت بريهان حضرتك متأكدة إن ده أول حمل ليكي؟

بريهان رمشت باستغراب. أيوه. الدكتورة رفعت عينيها. متأكدة؟ أيوه طبعًا. الصمت بقى تقيل. والدة كريم قالت هو في حاجة في البيبي؟ الدكتورة ما ردتش على السؤال. بدل كده سألت حضرتك عملتي أي فحوصات أو أشعة في مكان تاني قبل كده؟ بريهان بدأت تتوتر. لأ ليه؟ الدكتورة أخذت نفسًا ببطء. لأن فيه حاجة مش راكبة. كريم وقف. يعني إيه مش راكبة؟ الدكتورة بصت له. وبعدين بصت لبريهان. ثم قالت أنا محتاجة أسألك سؤال تاني قبل ما نكمل.

بريهان بلعت ريقها. اسألي. الدكتورة قالت تاريخ آخر دورة عندك كان إمتى بالضبط؟ بريهان ردت بالتاريخ. الدكتورة فتحت الملف بسرعة. قعدت تحسب. مرة. واتنين. وبعدين رفعت عينيها. اللون اتغير من وشها. قالت بهدوء شديد التاريخ ده مستحيل. كريم قرب منها. مستحيل إيه؟ الدكتورة بصت له مباشرة. الحمل مش بالمدة اللي حضرتكوا فاكرينها. والدة كريم قامت من مكانها. يعني إيه؟ الدكتورة سكتت ثانيتين. ثم قالت الجنين أكبر بكتير من العمر اللي اتقال لنا.

كريم عقد حاجبيه. قد إيه؟ الدكتورة ما ردتش فورًا. كانت بتبص في الشاشة. ثم قالت حوالي شهرين. الغرفة كلها سكتت. كريم بص لبريهان. إنتِ قلتي لي إنك حامل من بريهان قاطعته بسرعة أنا كنت فاكرة! الدكتورة رفعت إيدها. استنوا. وبصوت أكثر جدية قالت المشكلة مش هنا. كريم قرب خطوة. أمال فين المشكلة؟ الدكتورة أشارت للشاشة. أنا مش شايفة إن ده الحمل الوحيد اللي لازم نتكلم عنه. اتسعت عيون الجميع. يعني إيه؟

الدكتورة أخدت نفسًا طويلًا. وبعدين قالت الجملة اللي هتغير حياة كريم حليم للأبد أنا محتاجة أعرف حاجة واحدة الأول هل زوجتك السابقة كانت حامل وقت الطلاق؟ انحبس نفس كريم. زوجته السابقة. لينا. لأول مرة من الصبح اختفت ابتسامته تمامًا. لأنه فجأة افتكر حاجة واحدة. قبل الطلاق بأيام لينا كانت قد قالت له كريم، لازم نتكلم في موضوع مهم. وهو يومها ما اداهاش فرصة تكمل. كان مشغول ببريهان. مشغول بالولد. مشغول بالمستقبل اللي كان متأكد إنه هيبدأ بمجرد ما يخلص من زواجه القديم.

أما دلوقتي فالسؤال الوحيد اللي بقى بيدور في دماغه كان لينا كانت عايزة تقول لي إيه؟كريم فضل واقف مكانه. محدش في الأوضة كان بيتكلم. حتى بريهان، اللي من شوية كانت بتضحك وتلمس بطنها بفخر، بقت باصة للدكتورة بوش شاحب. كريم قال بصوت منخفض لينا؟ الدكتورة هزت راسها. أيوه. أنا بس بسأل لأن توقيت الحمل اللي ظاهر قدامي مش متوافق مع اللي حضرتكوا قلتوه. والدة كريم قالت بعصبية بس إحنا جايين عشان نعرف نوع البيبي، مش عشان نفتش في حياة مرات ابني السابقة!

الدكتورة بصت لها بهدوء. وأنا مش بفتش في حياة حد. أنا بحاول أفهم التاريخ الطبي للمريضة. بريهان بدأت تتحرك في سر,,ـــــير الفحص بتوتر. أنا مش فاهمة. الدكتورة قالت وأنا عشان كده محتاجة نعمل تحليل إضافي وسونــ,,ـــــار أدق. كريم كان لسه واقف مكانه. لكن فجأة موبايله رن. بص للشاشة. رقم مجهول. رفض المكالمة. رن تاني. رفضها. ثم وصلت له رسالة. فتحها. كانت صورة. صورة من مطار. فيها لينا. واقفة بين بنتيها.

كل واحدة ماسكة شنطة صغيرة. والتلاتة كانوا واقفين قدام بوابة السفر. وتحت الصورة رسالة قصيرة مدام لينا وصلت المطار. الطيارة هتتحرك بعد أقل من ساعة. كريم حس إن الأرض اتحركت من تحته. مين بعت الصورة دي؟ أخوه قرب منه. في إيه؟ كريم ما ردش. فتح المدــ,,ـــــادثة. لقى رسالة تانية زي ما طلبت، محدش يعرف هي راحت فين. رفع عينيه فجأة. هي سافرت؟ أخوه قال مين؟ كريم بص للشاشة. لينا. والدته شهقت

سافرت بالبنتين؟ كريم هز راسه ببطء. أيوه. ثم ضحك ضحكة قصيرة، عصبية. مستحيل. لكن ضحكته اختفت لما افتكر جملتها الصباحية. خدي البنات. هو اللي قالها. هو اللي سلّمها البنات بإيده.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى