
حسيت بنار جوايا بس شوفت ان الكلام ملوش لزوم…ابني كان سامع وساكت يعني مفيش فايده خلاص تعبي راح على الفاضي وعمري كمان مردتش عليها. ومشيت لحد الباب ولبست جزمتي في صمت. وأنا بقفل الباب، سمعت عبد السميع بيقول ورايا دلع ماسخ.. قلة رباية! وميرفت ضحكت وقالت أهو النشفان والنكد ده هو اللي خلاك تطفش منها زمان! الدموع كانت محبوسة في عيني وبتحرقني… بس حلفت ما تنزل قدامهم. فتحت الباب وخرجت.
نزلت في الأسانسير، ويا دوب رجلي لمست أرض الشارع، التليفون رن. كان الحاج مصطفى من البلد. يا بنتي! قولتلك بيت أبوكي دخل في الإزالة عشان المحور الجديد والتعويضات نزلت! أنا قعدت كام ثانية مش مجمعة.. البيت الطين اللي سيبناه من زمان؟ من سنتين كنا بنسمع إن فيه مشروع قومي ومحور هيعدي من هناك، بس مكنتش باخد في بالي، قولت بيت مهدود زي ده هيجيب إيه يعني؟ يا حاج مصطفى.. تعويض إيه؟
المحور خلاص ثبت وخد البيت والجينة الكبيرة اللي وراه بالكامل! المساحة طلعت ضخمة والتعويض نزل رسمي! تخمني كام يا بنتي؟ حبست نفسي ومبقتش قادرة أنطق. 40 مليون جنيه! 40 مليون جنيه يا منال يا بنتي جنيه ينطح جنيه! أجهزي وانزليلي بكرا الصبح عشان نمضي الورق والفلوس تتحول على البنك فوراً! حسيت الارض بتدور بيا وانا مش مصدقه الرقم اللي بسمعه التفت لبيت ابني والقرار اللي اخدته من شدة غضبي عمري ما كنت اتخيل اعمله في يوم من الايام ……..
وقفت في نص الشارع والدموع اللي كنت حابسها نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع قهر.. دي كانت دموع فرج، فرج ربنا اللي مبيظلمش حد، واللي جابلي حقي لحد عندي في نفس اللحظة اللي كسروا فيها خاطري. بصيت لفوق وقولت يا رب، انت العدل، انت اللي عالم بشقايا وتعبي.. الحمد لله. الحاج مصطفى على الناحية التانية من الخط كان عمال ينادي يا منال.. يا بنتي انتي معايا؟ سامعاني؟
مسحت دموعي بسرعة وقولت بصوت قوي، لأول مرة من سنين أحس بالقوة دي معاك يا حاج مصطفى.. معاك. أنا بكرا الصبح من النجمة هكون عندك في البلد، هركب أول عربية وأجيلك عشان نخلص كل حاجة. تنوري يا بنتي، ومبروك عليكي، ربنا يعوضك عن كل أيام الحرمان. قفل السكة، وأنا فضلت واقفة في
مكاني، ببص لبلكونة شقة حازم.. كانت الأنوار قايدة، وتخيلتهم قاعدين جوة، عبد السميع وميرفت وشيماء وحازم، بياكلوا البط والمحشي اللي أنا طبختهم وعرق شقايا نزل فيهم، وعمالين يقطعوا في فروتي ويفصلوا عليا ال 2000 جنيه! ضحكت بمرارة وقولت في نفسي بقى أنا يا حازم استاهل ألفين جنيه؟ والبيت القديم المهدود اللي قولتلي روحي اترمى فيه عشان توفري الإيجار، هو اللي جابلي ال 40 مليون؟ سبحان مغير الأحوال! في الليلة دي مجمعتش نوم، كنت قاعدة في شقتي الإيجار البسيطة، باصة للسقف ومستنية النهار يشقشق. أول ما الشمس طلعت، كنت لابسة عبايتي السمرة، ولميت ورقة البيت القديم وكل الأوراق الرسمية
اللي تخص أبويا الله يرحمه، ونزلت. وصلت البلد، وقابلت الحاج مصطفى، وكان معاه المحامي والمسؤولين عن لجنة التعويضات. قعدنا في مكتب رسمي، ومضيت على كل الأوراق وبصمت. الإجراءات خلصت بسرعة البرق لأن كل حاجة كانت جاهزة ومعتمدة من المحافظة. الموظف بصلي بابتسامة وقالي مبروك يا ست الكل، الشيك باسمك أهو، وخلال ساعات الفلوس هتسمع في حسابك البنكي. أخدت الشيك ورحت على البنك، فتحت حساب، وحطيت الفلوس. الموظف بتاع البنك كان بيبصلي بذهول، الست اللي لابس عباية بسيطة وشكلها شقيانة، داخلة تفتح حساب ب 40 مليون جنيه! سألني باحترام مبالغ فيه تحبي يا فندم نطلعلك كارت في آي بي؟ وتحبي
الخدمات إيه؟ قولتله بهدوء أنا عايزة بس رسالة تجيلي على التليفون لما الفلوس تدخل الحساب، ومش عايزة أكتر من كده دلوقتي. عدى يومين، وأنا قافلة تليفوني تماماً عن حازم وعن أي حد. كنت قاعدة في الشقة، لحد ما تليفوني نور ورن رنة الرسائل. فتحت الرسالة، لقيت مكتوب تم إيداع مبلغ 40000000 جنيه مصري في حسابكم. في اللحظة دي، قلبي دق جامد، وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. قومت اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، وبعد ما خلصت، فتحت تليفوني.
طبعاً أول ما التليفون اشتغل، لقيت رسايل ومكالمات فايتة من حازم. وبعدها ب 10 دقائق بالظبط، لقيت حازم بيتصل. رديت عليه بنبرة هادية جداً أيوة يا حازم. قالي بصوت فيه ضيق: “جرى إيه يا ماما؟ بقالك يومين قافلة تليفونك ليه؟ وشيماء كانت بتصل بيكي عشان تقولي ليكي على معاد الفلوس اللي هبعتهالك وموبايلك غير متاح! قلقتينا عليكي.” قولتله: “متقلقش يا حازم، أنا كويسة، كنت في مشوار مهم.”
قالي بلهفة: “مشوار إيه؟ طب اسمعي، أنا حولتلك الـ 2000 جنيه بتوع الشهر ده على المحفظة الإلكترونية، ابقي اسحبيهم عشان تجيبي طلباتك، والشهر الجاي هبقى أشوف لو فاضل معايا حاجة أزودهم.” ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت أركان الشقة. حازم استغرب وقالي: “بتضحكي على إيه يا ماما؟ هو أنا بقول نكتة؟” قولتله: “بضحك على الدنيا يا حازم.. اسمع يا ابن بطني، الـ 2000 جنيه بتوعك دول خليهم في جيبك، أو اديهم لطنط ميرفت تجيب بيهم علاج للكوليسترول، أنا مش عايزة منك مليم.”




