
جارتي كلمتني وصوتها بيترعش، التليفون وقع من إيدي والأرض لفت بيا، حسيت بنا.ر ج.هنم قادت في صد.ري، عيني غامت بلون الد.م، بس المرة دي مدمعتش ولا قعدت ألطم على وشي زي زمان. الغضب عمّاني وحوّلني لوحش جر.يح ملهوش كتالوج. طلعت على بيتي، جمعت حر.يم العمارة وصاحباتي الجدعان اللي عاشروا وجعي وشافوا نطعته. خمس ست ستات بـ مية راجل، عيونهم بتطق شرار، وقلت بكلمة واحدة قطعت النفس: «بنتي في بيت ض.رتي.. ومش هرجع غير وبنتي في ح.ضني، وحقي تحت رجلي».
أجرنا عربيتين وروحنا على العمارة اللي فيها الشقة التمليك بتاعته اللى كنا قاعدين فيها ، طلعنا السلالم ، رنيت الجرس وخبطت خبط متواصل كأنه يوم القيامة، لحد ما فتحت “الست هانم”.. لابسة روب ستان وشعرها متسرح وريحة البرفان سابقة وجودها، أول ما شافتني اتخ.ضت وبرقت: «أنتي إيه اللي جابك هنا يا بيئة أنتي ومين الجر.ابيع دول؟!».
ملحقتش تكمل الكلمة، زقت.ها برجلي ودخلت زي الطوفان وصاحباتي ورايا قفلوا الباب من جوة. لقيت بنتي منكمشة في ركن الصالة بتعيط بهستيريا، جريت عليها خ.طفتها في ح.ضني وعصّبت عيني من الغل. بصيت للعروسة الجديدة وهي بتصرخ وعايزة تطلب البوليس، بنتين من صاحباتي مسكوها من دراعاتها وثبتوها مكانها، وأنا وقفت قدامها وعيني بتاكلها: «جرابيع؟! الجرابيع دول هما اللي علّوا واطي جوزك اللي واكلاك لحم ورمياه عضم!».
فتحت دولابها بنفسي، سحبت هدومها وبديهاتها وشنطها ورميتها من الباب على بسطة السلم قدام الجيران اللي اتجمعوا على الصوت، وقلت بصوت رجّ العمارة كلها: «البيت ده مفروش من د.م قلبي، والشقة دي مش هتدخلها واحدة رخيصة سر.قت تعب غيرها.. اطلعي برة بكرامتك اللي باقية بدل ما أسحلك على السلالم دي شعر في إيدي وجلابية في إيد صاحباتي!». العروسة حست بصت في عيني وعرفت إني مستبيعة، نزلت تجري حافية وهي بتصر.خ وبتتوعد بجمال، والجيران على السلالم بيهتفوا ويدعولي لما عرفوا إنها خ.طفت الضنا.
جمال جِه يجري على مَلا وشه بعد نص ساعة، دخل الشقة مفزوع وفاكر إنه هيلحق يه.دد، اتفاجئ بيا قاعدة حاطة رجل على رجل، وبنتي بتشرب عصير في ح.ضني، وحواليا صاحباتي والجيران قافلين الصالة. أول ما شفته صرخت فيه قبل ما ينطق: «أخرس يا ن.طع! خ.طفت بنتي وفاكر الحكومة سايبة؟! أنا مش بس دخلت بيتك وطردت السنيورة، أنا المحامي بتاعي في النيابة دلوقتي بيكتب محضر خ.طف رسمي ومحضر شروع في اعت.داء، ومش هخرج من هنا غير بقرار تمكين للشقه، أو تمكين منفرد ليا ولبنتي كحا.ضنة من الشقة دي بالذات..
القانون اللي اتفش.خرت بيه هيقعدك على البلاطة، والبيت ده مش هيخرج منه غيرك انت وهي!». جمال وقف وشه مسود، عروق رقبته نافرة كأنه هيتشل، باصص للبيت المقلوب وشنط مراته اللي في الشارع، وباصص لعيني اللي خلاص مسحت منه أي هيبة كانت ليه في يوم من الأيام. عرف في اللحظة دي إن الست اللي كان بيستضعفها بقت نمرة، وإن كل خطوة غدر حسبها، كانت الحبل اللي اتلف حوالين رقبته.
جمال بلع ريقه بصعوبة، بص حواليه لقا نظرات الشما.تة في عيون صاحباتي، وجيرانه اللي كانوا متجمعين على الباب بيتساسروا عليه بعد ما سمعوا الفضا.يح، وشافوا بعينهم هدوم عروسته المرمية في الطرقة. حاول يستجمع شوية من هيبته المكسورة، زعق بصوت مق.طوع بيترعش: «اخرجي برة بيتي يا ست أنتي.. أنتي مفكرة البلط.جة دي هتمشي عليا؟! أنا هطلب النجدة تطر.دكم كلكم زي الكلاب!».
ضحكت ضحكة رنت في الصالة، ضحكة وجع ممزوجة بانتصار، وطلعت تليفوني بهدوء وحطيته قدام وشه: «اطلب يا حبيبي.. اطلب النجدة عشان المحضر يكمل! تحب أقولهم إيه في البلاغ؟ إنك خا.طف بنتك من حضا.نتي بالقوة، ولا أسمّع أمين الشرطة التسجيل اللي بتقولي فيه إنك عايز تردني في السر عشان اطبخلك وانضفلك عشان مراتك الجديده مابتعرفش ؟! اطلب.. خلينا نتفرج مين اللي هيخرج من هنا مكلبش ومين اللي هيفضل قاعد».
ساعتها بالذات رن تليفونه، وبصوته العالي اللي كان طالع من السماعة سمعنا كلنا صوت السنيورة وهي بتصوت وتولول: «طلقني يا جمال! لو مخلصتش من الجر.بوعة دي وجبتلي حقي وكرامتي اللي اتهانت في الشارع اعتبر نفسك ملكش ستات! أنا عند أهلي وهوريك قيمتك!». الخط قفل في وشه، وجمال وشه جاب مية لون، حس إن كل الحبال اللي كان بيلعب بيها بتتق.طع في ثانية؛ لا طال عروسته اللي باعني عشانها، ولا عارف يقف قدام غضبي.
قربت منه خطوة، وبنتي ماسكة في إيدي مش خايفة خلاص، عينيها شافت أمها وهي بتاخد حقها، بصيتله في عينيه من مسافة شبر وقلت بنبرة هادية بس س.مّ: «النهاردة الشقة دي بيتي أنا وبنتي، والمحامي بتاعي معاه أوراق التحريات كاملة إن دي شقة الزوجية الأخيرة اللي دخلت فيها البنت، وبكرة الصبح قوة من القسم هتنفذ التمكين، ورجلك مش هتخطّي العتبة دي إلا بنفقة بنتك اللي هتطلع من عينك مليم مليم».
شاورت لصاحباتي، وقفلنا الباب بالترباس في وشه، وسبناه واقف على السلم مشتت، بين هدوم مراته المرمية على الأرض وبين خيبته وتقله اللي ضاع. أول ما الباب اتقفل، بصيت للبنت، ح.ضنتها بكل ما فيا وبكيت، بس المرة دي مكنتش د.موع قهر، كانت د.موع ست استردت نفسها من تحت الأنقاض، وعرفت إن الحق مبيجيش غير بالقوة، وإن اللي استرخصنا مرة، هندفعه تمن غلطته لبقية عمره.
الليل عدّى عليا في الشقة الجديدة كأنه دهر، بس لأول مرة من شهور أحس بضهر مسنود، مش ضهر راجل، ضهر كرامتي اللي وقفت على حيلها. بنتي نامت في ح.ضني على السر.ير الكبير اللي كانت سنيورته بتتباهى بيه، نا.مت وهي شبعانة أمان بعد ليلة ر.عب خ.طفها فيها أبوها.
مع خيوط الفجر الأولى، نزلت وصاحباتي مستنيين تحت، روحنا على مكتب المحامي ومنه على النيابة ومحكمة الأسرة. الملفات كانت مفتوحة، والمحضر اللي اتعمل لجمال بخ.طف البنت مع شهادة الجيران في الشارع اللي شافوا الواقعة، كان هو السلا.ح القا.طع. المحامي قدم طلب عاجل لتمكين الصغير وحا.ضنته من مسكن الزوجية الفعلي، وأثبتنا بالشهود والتحريات إنه أخد البنت ونقلها هنا، وإن الشقة التانية مأجورة ومفيهاش أدنى مقومات المعيشة الآدمية.
القرار مخدش أيام؛ صفعة التمكين نزلت على دماغ جمال أسرع مما يتخيل. بعدها بيومين بالظبط، كنت واقفة قدام مدخل العمارة ومعايا أمين شرطة ومعاون التنفيذ، وجمال واقف على الرصيف قصادنا زي الفرخة المبلولة، عينيه حمرا من قلة النوم والبهدلة. أهل عروسته طلعوا ناس بياعين كلام ومبيشيلوش حد واقع؛ أول ما سمعوا بالف.ضيحة وقضايا المحاكم، قلبوا عليه وطردوه من بيتهم لما راح يصالحها، وقالوله: «بنتنا مبتتجوزش رِمم متبهدل في الأقسام وشقته هتروح لطليقته».
وقف جمال قدامي ولسانه عاجز عن أي ته.ديد، قرب مني بصوت مك.سور، عيونه مفيهاش ذرة من العنطزة اللي كان داخل بيا عليها في شقة الإيجار: «كده يا أم بنتي؟ هتهوني عليا تط.رديني في الشارع عشان شقة؟ ده أنا جمال حبيبك وعشرة عمرك.. طب أردك ونعيش كلنا هنا وانسى أي واحدة تانية، ونربي البنت سوا!». بصيتله بضحكة استهزاء شقت وشي، ضحكة خلت كل اللي واقفين يفهموا مقامه:
«حبيبي؟! جمال اللي كان هنا ما.ت يوم ما رماني بكراتين هدومي عشان يفرش لغيري، ما.ت يوم ما جه في نص الليل يستحلني في الحر.ام المقنع ويقولي “في السر وأكلي لقمتي واغسليلي”، ما.ت يوم ما خ.طف بنته عشان يك.سر بيها ضهر أمها». معاون التنفيذ فتح الباب رسمي وسلمني المفتاح في إيدي قدام الجيران والشارع كله، وأنا باصة لجمال في عينيه ومكملة:
«الشقة دي بقت بيت بنتي بقوة القانون، وأنت هدومك في الشنطتين اللي على الباب دول، تاخدهم وتدورلك على أوضة تلمك، والنفقة هتنزل من مرتبك في البنك أول كل شهر بالجزمة، وأي حركة نقص تانية، هحبسك بمتأخراتك وبقضية الخ.طف المعلقة فوق رقبتك». أخد شنطه ومشى يجر رجليه في الشارع وراسه في الأرض، مك.سور ومنبو.ذ، لا طال حب العمر اللي ضحك عليه ولا فضل معاه البيت اللي اتبنى بعرقي. قفلت الباب على نفسي وعلى بنتي، سندت ضهري على الخشب، وابتسمت ابتسامة واحدة عرفت إنها بدأت حكاية جديدة، مش حكاية ضحية اتك.سرت، دي حكاية ست عرفت تاخد حقها من عين التخين.
