منوعات

بقالي ست سنين

قالت ساعتها هتعرفي تسلميه لمين. ما سألتهاش أكتر. رجعت للصالون وحطيت الظرف قدام المحامي. طارق بص له باستغراب. إيه ده؟ قلت الحاجة فاطمة ادتهولي. المحامي أخده. فك الشمع. طلع أول ورقة. بدأ يقرأ. قرأ السطر الأول. وبعدين رجع قرأه تاني. وشه اتغير. طارق قال في إيه؟ المحامي ما ردش. كمل القراءة. وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية طارق. وقال طارق والدتك كانت موثقة كل حاجة. طارق اتوتر. موثقة إيه؟ المحامي قلب الورقة.

الفلوس اللي خرجت من حسابها خلال آخر أربع سنين. طارق ابتلع ريقه. وإيه علاقتها بنادية؟ المحامي بص له في عينه وقال نادية ما أخدتش من والدتك جنيه واحد. سكت لحظة. وبعدين أضاف لكن فيه شخص تاني أخذ منها مبلغًا كبيرًا جدًا ووالدتك كانت محتفظة بكل الأدلة. طارق وشه اتغير. مين؟ المحامي ما ردش. قلب الصفحة التالية. وكان أول اسم ظاهر عليها اسم طارق نفسه. والأسوأ من كده إن الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها جملة قصيرة تحت الاسم

ابني كذب عليّ، وسرق فلوسي، ولما عرف إني اكتشفت الحقيقة حاول يثبت إني بقيت غير قادرة على اتخاذ قراراتي. طارق اتجمد مكانه. أما أنا فبدأت أفهم ليه الحاجة فاطمة أصرت إني ما أفتحش الظرف إلا بعد وفاتها. لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها أنا فضلت واقفة في صالون بيتي الصغير، سامعة صوت انفاسي المترددة، وعيني متثبتة على ملامح الأستاذ سامح بدوي والمحامي بيقلّب في أوراق الظرف البني بحذر، كأنه بيترافق مع ألغام محطوطة بين الكلمات.

الصمت كان خنيق، أثقل من سحابة الصيف المكتومة اللي مغطية الشارع بره. طارق ابن الحاجة فاطمة كان واقف زي التثال المصبوب من الصخر، بس عروق رقبته بدأت تنبض بشكل مخيف، واللون الأحمر بقى يتسلل لوجهه ببطء وهو يبص للورق اللي في إيد المحامي، وكأنه بينتظر صدور حكم بالإعدام. أستاذ سامح… صوت طارق طلع مكسور ومستعجل، خالي تماماً من كل الكبرياء والغرور اللي دخل بيه من باب الشقة من بضعة دقايق

أنت بتقرأ إيه بالضبط؟! أمي كانت كبيرة في السن، الأوهام كانت ماليّها في آخر أيامها… أنت عارف كويس إنها كانت بتنسى، وكانت بتخلط بين الأسماء والأرقام! الورق ده مالوش أي قيمة قانونية! الأستاذ سامح رفَع إيده بهدوء عشان يسكّته، ومن غير ما يبص له، قلب الورقة الثانية، وبص ليّ أنا. نظرة المحامي ما كانتش نظرة اتهام خلاص… كانت نظرة راجل مذهول، بيحاول يستوعب مدى عمق الخطة اللي حطتها ست عندها 84 سنة عشان تحمي نفسها وكرامتها، وعشان ترد الحق لأصحابه بعد ما تفارق الدنيا.

المحامي نظّف حنقرته وبدأ يقرأ بوضوح وصوت رزين، يتردد في أركان الصالة شهادة وتوثيق بخط يدي.. أنا فاطمة عبد الرحيم مصطفى.. أقر وأنا بكامل قواي العقلية والمعنوية، وأمام الله سبحانه وتعالى، بأنني لم أعد أأمن ابني طارق على مالي ولا على بيتي. في بداية عام 2021، حضر إليّ طارق يدّعي أنه يمر بأزمة مالية طاحنة في شركته بالقاهرة، وأن البنوك تلاحقه وقد يواجه السجن. وبحس الأم وحوفها على ولدها الوحيد، وقّعت له على توكيل محدود بالتعامل مع حسابي البنكي القديم الذي ترك لي فيه زوجي رحمه الله مبلغاً يعينني على غدر الزمان.

ولم أكن أعلم أن ابن عمري سينتهز هذا التوكيل ويسحب المبلغ كاملاً على دفعات، متجاوزاً قيمة التوكيل، بل وقام بتحرير كشوف حساب مزورة ليوهم الأطباء والجهات الرسمية أنني غير قادرة على إدارة أموالي، تمهيداً للحجر عليّ والاستيلاء على هذا البيت الذي شهد كل ذكرياتي مع أبيه.. كذب! كذب وتزوير! صرخ طارق وهو بيهجم خطوة ناحية المحامي، وكأنه عايز يخ.طف الورق من إيده

أمي هي اللي ادتني الفلوس! هي اللي قالت لي خدهم يا طارق وانقذ شغلك! إزاي تكتب الكلام ده؟! دي أكيد نادية هي اللي ملّتها الكلمات دي! أكيد نادية هي اللي استغلت وجودها جنبها طوال السنين دي عشان تخليها تكتب التقرير ده! أنا بصيت لطارق برفض وذهول، وقلت بصوت حاد اتقي الله يا طارق! أنا عمري ما دخلت بينك وبين أمك! أنا كنت جارة بتقوم بالواجب وبس.. أمك كانت بتعيش على الإيصالات الضعيفة اللي بتسيبها لها، وكانت بتقعد بالأيام تاكل عيش وجبنة عشان ما تطلبش منك قرش وتثقل عليك، وأنت جاي النهارده تتهمني أنا؟!

المحامي الأستاذ سامح مسك طارق من كتفه وقعده على الكرسي بالقوة، وبص له بعيون صارمة مليانة تهديد اقعد يا طارق وافتكر كويس أنت بتكلم مين! الوصية والشهادة دي مش مجرد كلام مكتوب على ورق فلوسكاب عادي… الست فاطمة الله يرحمها كانت أذكى مننا جميعاً. افتح الصفحة اللي بعد كده وشوف الخاتم الرسمية! المحامي حط الورقة الثالثة قدام طارق مباشرة.

الورقة كانت عبارة عن تقرير من مصلحة الطب الشرعي، مرفق معاه توثيق رسمي من الشهر العقاري بالتجمع الخامس، وموقع عليه من ثلاثة أطباء استشاريين في الصحة النفسية والعقلية، بيشهدوا فيه إن السيدة فاطمة عبد الرحيم كانت في أعلى درجات الإدراك والوعي وقت كتابة هذه الوثائق، وأنها خضعت للفحص بطلب شخصي منها ومن دون حضور أي طرف ثالث! طارق اتجمد في مكانه، الدموية هربت من وجهه كلياً. المحامي كمل قراءة الحقيقة اللي كانت مكتومة في الظرف البني

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى