
طلعت من الأوضة بعد نص ساعة ووشي وارم من البكا، لقيت خالتي لسه قاعدة على الكنبة وماسكة التليفون الأرضي بترغي وبتضحك بصوت عالي، أول ما شافتني بصتلي من فوق لتحت بقرف وقالت في السماعة: “ثانية واحدة يا أم إبراهيم أصل المحروسة طلعت أهي.. ما وراهاش غير البوز والهم.” قفلت معاها وبصتلي بغضب: “كنتي فين يا بت؟ وإيه حكاية الخضار اللي بهدلتيه على السلم ده؟ الست أم محمود لسه مكلماني ومسمعاني كلمتين يسموا البدن بسبب عمايلك! إنتي مش فالحة غير في جلب المصـ,ـايب؟ هو أنا ناقصة قرفك وقرف أمك اللي رمتك على كتافي؟”
وقفت باصة في الأرض، ومردتش ولا بكلمة، الوجع كان أخرسني تمامًا، دخلت المطبخ شربت بق مية بالعافية كان نازل في زوري زي النار، وخالتي صوتها شغال ردح في الصالة: “تغسلي المواعين دي كلها وتروقي الشقة قبل ما تنامي، المصروف اللي أمك بتبعته ميكفيش أكل عيش حاف في الغلا ده، فبلاش تعمليلي فيها هانم وبنت عز، إنتي هنا عايشة بلقمتك!”
عدت ساعتين وأنا بنضف في صمت ودموعي بتنزل في الحوض تمسح الصابون، وفجأة، اتهزت العمارة كلها بصوت كلاكسات عربيات عالية، مش عربية واحدة، كأن في موكب رسمي واقف تحت البيت. جريت خالتي على البلكونة تبص بفضولها المعتاد، وسمعت شهقتها وهي بترجع لورا بخضة: “يا لهوي.. مين دول؟! تلات عربيات دفع رباعي سودا مقفلين الشارع كله ورجالة طالعة بهيبة تخوف!” دقايق معدودة، ورن جرس الباب رنة واحدة قوية، مش رنة جيران ولا ضيوف عاديين، رنة صاحب حق جاي ياخده. خالتي وقفت ورا الباب ترتعش وسألت بصوت مهزوز: “مـ.. مين على الباب؟”
رد صوت رجولي جهوري، الرخامة اللي فيه تخلي العظم يقشعر: “افتحي يا حرمة.. إحنا أهل البت اللي مخلينها مداس للي يسوى واللي ميسواش!” فتحت خالتي الباب وإيدها بتنتفض، وظهر قدامها راجل فارع الطول، عريض المنكبين، لابس جلابية صعيدي كستور تليق بمقامه، وعباية سودة على كتفه، عيونه صقر باصة لقدام وثابتة، وحواليه أربعة رجالة من عيلتي، شباب ورجالة كبار ببدل وجلاليب، ملامحهم كلها غضب وقوة تملى العين وترعب أي حد.
أول ما عينه جت في عيني، ملامحه الحادة لانت في ثانية، كأنه شاف روح أبوه فيا، مشي خطوتين بهدوء جوة الصالة متجاهل خالتي تماماً، ووقف قدامي، وطى شوية وحط إيده على راسي بحنية عمري ما حسيتها من سنين، وقال بصوت حنين بس رنان: “حقك عليا يا بت عمي.. إحنا اللي انشغلنا في الدنيا وسيبنا لحمنا يتداس.. ارفعي راسك، مفيش بت من صلب عيلتنا توطي راسها أبداً.” في اللحظة دي، حسيت إن ضهري اتجبر، خالتي
رجلي كانت متخشبة على عتبة السلم، مش قادرة أصدق المشهد اللي عيني شايفاه. الصالون الواسع كان متحول لساحة محكمة عرفية مهيبة؛ رجالة العيلة الكبار، دقونهم البيضا وعباياتهم الصوف وشيلانهم الكشمير مرصوصين في هيبة وصمت يخطف الأنفاس، ومحدش فيهم حتى بيتنحنح. وخالتي كانت قاعدة على طرف كرسي مذهب كأنها قاعدة على جمر نار، لافة طرحتها بإحكام ووشها أصفر زي الكركم، بتبص في الأرض وتفرك في صوابعها برعب. أما جارتنا أم محمود فكانت منكمشة في عبايتها السودا كأنها قطة غرقانة، وجوزها قاعد جنبها مكسور، عرق جبينه نازل على وشه وبيمسحه بمنديل دايب.
عمران مشي ناحيتي بخطوات واثقة، مسك إيدي برفق بس بضغطة خلت قلبي يثبت، وسحبني وقفني جنبه في صدر الصالون. بص للكل بصة صقر، وحط فنجان القهوة على الترابيزة الرخام برنة خفيفة سكتت حتى أنفاس الحاضرين. عمي الحاج عبد الرحيم، أكبر راس في العيلة، راجل داخل على السبعين بس عينيه فيها شرار الشباب وهيبته تهز جبال، اتكلم وصوته طالع من قرار سحيق: “ادخلي يا بت ولدي.
. اقربي هني.” قربت منه وإيدي بتترعش، حط إيده التقيلة على كتفي وبص لجوز الجارة وقال بنبرة تقطع الخميرة من البيت: “البت دي.. أبوها كان راجل يسد عين الشمس، ومات وهو سايب سيرته عطرة في كل نجع وحارة. بتنا مش مقطوعة من شجرة عشان حُرمة ناقصة تمد لسانها عليها، ولا عشان تتهان على شوية خضار ميسووش تلاتة مليم! إنت عارف لو إحنا في بلدنا الحُرمة دي كان اتعمل فيها إيه؟ كان لسانها اللي نطق بالعيبة اتقص، وكان بيتك اتخرب قبل ما شمس النهار تطلع!”
الراجل قام وقف مفزوع، وضم إيديه الاتنين قدام صدره بتوسل: “حقكم عليا يا حاج عبدالرحيم.. والله العظيم العتب على جهلنا ونقص عقل الولايا! أنا جيت بنفسي وجايب مراتي أهي تحت رجليكم، نعتذر للبنية وللرجالة كلهم، وراسكم كلكم على راسي من فوق.. امسحوها في وشي، أنا راجل شقيان وأكل عيشي في السوق وعارف مقامكم كويس ومقدرش على غضب بيتكم!” عمران بصله بجمود ونطق بنبرة حادة زي الموس: “راسك انت دي تشيلها وتستر بيها بيتك يا راجل يا ناقص.. مراتك غلطت في يتيمة، واستقوت عليها عشان افتكرت إن ملهاش ضهر يكسر ضهر اللي يمسها.. الاعتذار مش لعمي ولا ليا، الاعتذار لصاحبة الحق!”




