
عندي 12 سنه بعت رسالة لعمتي بطلب منها 20 جنيه عشان أخويا الصغير كان بيعيط من الجوع، ومفيش نقطة لبن واحدة في التلاجة. راجعت الرقم 3 مرات قبل ما أدوس إرسال ومع ذلك، غلطت في رقم واحد. والرسالة بدل ما راحت لعمتي، راحت لرقم راجل عمري ما شوفته في حياتي راجل اسمه حسن الدمنهوري، واحد من أخطر وأغنى رجال الأعمال في القاهرة، والناس كلها كانت بتهمس باسمه وكأن مجرد ذكره ممكن يجيب المشاكل.
اسمي مريم حسن، ومن وأنا عندي 12 سنة، كنت عارفة حاجات كتير الأطفال المفروض ما يعرفوهاش. كنا عايشين في بيت قديم في منطقة شعبية على أطراف القاهرة، بيت الحيطان فيه محتاجة دهان من سنين، والشبابيك بتدخل هوا الشتاء من كل ناحية. كانت أوقات بتعدي علينا أيام وأنا مش عارفة الصبح لما يطلع هنفطر ولا لأ. أمي كانت بتشتغل في تنظيف البيوت. كانت بتنزل من البيت قبل الشمس ما تطلع، وترجع بالليل وهي مش قادرة تحس برجليها من التعب.
إيديها كانت ناشفة ومتشققة من المنظفات، وظهرها بيوجعها طول الوقت. ومع كل ده أول ما كانت تدخل من باب البيت، كانت تبتسم. عشان أنا وأخويا ما نشوفش الخوف اللي جواها. أخويا آدم كان عنده سنة واحدة. طبعًا هو ماكانش فاهم يعني إيه إيجار متأخر. ولا فاهم ليه المطبخ فاضي. ولا فاهم إن أمي ساعات كانت بتقعد طول اليوم من غير ما تاكل عشان تسيب لنا الأكل. هو كان فاهم حاجة واحدة بس
إن بطنه بتوجعه. في اليوم ده، آدم بدأ يعيط. مش زن. ومش دلع. كان عياط طفل جعان. وفضلت أهزه بالراحة. وقلت له خلاص يا حبيبي متعيطش. هجيبلك حاجة تاكلها. بس الحقيقة؟ أنا نفسي ماكنتش عارفة هجيبها منين. دخلت بيه المطبخ وبدأت أدور. فتحت الدولاب مرة. وبعدين مرة تانية. وبعدين فتحت نفس الدولاب للمرة التالتة، كأني كنت مستنية الأكل يظهر فجأة لمجرد إني محتاجاه أوي. مفيش. فتشت الأدراج. ولا حتى بسكوتة.
فتحت التلاجة. الهوا البارد خبط في وشي. لكن التلاجة نفسها كانت فاضية. وقفت أبص جواها وأنا حاضنة آدم، وصوت عياطه بيزيد. حسيت بغصة في زوري. كنت عايزة أقعد على الأرض وأعيط معاه. بس ماينفعش. لأن لو أنا انهرت مين هيهديه؟ وفجأة افتكرت عمتي نوال. هي نفسها كانت على قد حالها، لكن كل ما الدنيا كانت بتزنق أمي، كانت بتحاول تساعدها بأي حاجة تقدر عليها. عشرين جنيه بس. بالنسبة لناس كتير كانوا مبلغ صغير.
لكن بالنسبة لي في اللحظة دي؟ كانوا الفرق بين إن آدم يشرب اللبن وبين إنه يفضل جعان. لمحت موبايل أمي القديم مرمي على الترابيزة. الشاشة مكسورة، واللمس فيه بيستجيب بالعافية، بس كان شغال. مسكته بإيدي وأنا متوترة، وبدأت أكتب. يا عمتي نوال، ممكن تبعتيلي 20 جنيه؟ آدم محتاج لبن ومفيش عندنا. والله أول ما أقدر هرجعهملك. بالله عليكي. فضلت أبص للرسالة كذا مرة. كان نفسي أمسحها. كنت مكسوفة أطلب. خصوصًا إني عارفة إني ماعنديش حاجة أرجعهالها بيها.
لكن لما بصيت لآدم وهو بيعيط الإحراج بقى آخر حاجة ممكن أفكر فيها. راجعت الرقم. مرة. واتنين. وتلاتة. وبعدين دوست إرسال. عدت كام ثانية. مفيش رد. حطيت الموبايل على الترابيزة، وبوست آدم على راسه. وقلت له وأنا بحاول أبتسم هتساعدنا يا حبيبي متخافش. وفجأة الموبايل رن. قلبي نط من مكانه. مسكته بسرعة وأنا متأكدة إني هلاقي اسم عمتي نوال. لكن اللي ظهر على الشاشة كان رقم غريب. فتحت الرسالة. وكان مكتوب
مريم مين آدم؟ جسمي كله اتنفض. رجعت بصيت على الرقم. وهنا اكتشفت المصيبة. رقم واحد كان غلط. أنا ماكنتش بعت لعمتي نوال. أنا بعت لحد غريب. حد ما أعرفوش. إيدي بدأت تترعش، وكتبت بسرعة آسفة، معلش. الرقم غلط. تجاهل الرسالة. ماكنتش مستنية رد. لكن الرد جه في ثواني. استني. وقفت مكاني. وبعدها وصلت رسالة تانية أخوكي جعان دلوقتي؟ فضلت باصة للشاشة من غير ما أتحرك. وفجأة حسيت بالخوف. أنا طفلة عندي 12 سنة
وبعت لراجل غريب إني محتاجة فلوس عشان أخويا جعان. مين الراجل ده؟ وليه مهتم؟ وهل أنا كده عملت مصيبة؟ اللي ماكنتش أعرفه وقتها إن الراجل اللي كان ماسك الموبايل في الناحية التانية ماكانش شخص عادي. كان حسن الدمنهوري. راجل اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير تسكت. عنده شركات، وفلوس، ورجالة بتتحرك بأوامره، وسمعة خلت محدش تقريبًا يجرؤ يسأله هو بيعمل إيه أو يعرف عنه أكتر من اللازم. كان قاعد في مكتبه الفخم، حواليه رجال أعمال وحراسه، قدامه ملفات وصفقات بملايين الجنيهات.
لكن كل ده اختفى من قدام عينه في اللحظة اللي قرأ فيها رسالة بنت عندها 12 سنة بتطلب 20 جنيه عشان تجيب لبن لأخوها. فضل ساكت كام ثانية. وبعدين قرأ الرسالة من الأول. وبص للشاشة تاني. سأل نفسه إزاي طفلة في السن ده وصلت إنها تستعطف شخص غريب عشان تجيب لبن لأخوها؟ مد إيده بهدوء، وأخذ مفاتيح عربيته من فوق المكتب. واحد من رجاله سأله رايح فين يا باشا؟ حسن ما ردش.




