منوعات

في ليلة من أبرد ليالي الشتا

قال بهدوء أنا عارف كويس الإحساس لما شهر وحش يتحول لشهرين، وبعدين تلاقي نفسك فجأة غرقانة في تلات شهور. طويت الورقة الزهرية ببطء من النص. وبعدين سألته إيه اللي حصل لك بجد؟ راح أحمد ناحية واحدة من كراسي المطبخ وهو بيعرج، وقعد عليها بتقل. ولأول مرة من ساعة ما قابلته، التعب اللي كان باين على وشه ماكانش مجرد تعب شخص محتاج ينام ليلة كويسة. كان تعب أعمق من كده. سألته

كنت بتشتغل إيه؟ قال كنت مسؤول عن صيانة مباني في مستشفى كبير وسط بغداد. وبقالك قد إيه في الشغلانة دي؟ حوالي اتناشر سنة. بصيت للدعامة اللي في رجله. وده اللي علمك كل شغل الصيانة ده؟ هز راسه. كهربا، تكييف، سباكة، وصيانة المباني حسب قواعد السلامة. أي حاجة كانت بتبوظ، كنت أنا اللي أصلحها. سألته طيب إيه اللي حصل؟ سكت لحظة. منصة مصعد نقل البضايع وقعت. إيده نزلت ناحية الدعامة اللي على ركبته.

اتقطع عندي الرباط الصليبي، واتصاب الغضروف، وكمان حصل ضغط شديد على مجموعة أعصاب في رجلي. عملت عملية، بس رجلي ماخفتش زي ما الدكاترة كانوا متوقعين. سألته ماخدتش تعويض من الشغل؟ ضحك ضحكة قصيرة فيها مرارة. لسه الموضوع في المحكمة. سكت شوية، وبعدين كمل المستشفى قالت إني خالفت تعليمات السلامة. لكن المحامي بتاعي قدر يثبت إن منصة المصعد دي كان متبلغ عن عطلها تلات مرات قبل ما الحبل يقطع. بصيت له وسألته

وطول ما المحامين بيتخانقوا في المحكمة… كمل هو بدل ما أقول الباقي حساب التوفير خلص. ماكانش محتاج يشرح أكتر من كده. أنا فهمت كل حاجة. أنا كنت عارفة الإحساس ده كويس أوي. مرتب يتأخر مرة. وبعدين المرتب اللي بعده. تأجل فاتورة للشهر اللي بعده. وغرامات التأخير تفضل تتراكم واحدة ورا التانية. العربية تحتاج فرامل جديدة. وفجأة تلاقي نفسك من غير ما تحس، الحاجز الصغير اللي كان بين إنك بالعافية بتدبّر أمورك وبين إنك تلاقي نفسك عايش في العربية، بدأ ينهار تمامًا.

بص أحمد للورقة الزهري اللي كانت في إيدي. وقال بصراحة، إنتِ محتاجة وقت قد إيه؟ طلعت مني ضحكة قصيرة ومليانة مرارة. حوالي تلاتمئة وخمسين دولار… ومعاهم معجزة من عند ربنا. قال أنا مش هقدر أديكي الفلوس. رديت بسرعة وأنا أصلًا مش هاخدها. ابتسم ابتسامة صغيرة. بس يمكن أقدر أساعدك في حتة المعجزة. تاني يوم كان يوم السبت. الساعة كانت سبعة ونص الصبح، وأحمد كان لابس هدومه العادية بالكامل. شنطته كانت متقفلة ومحطوطة جنب باب الشقة.

بصيت له باستغراب. إنت ماشي؟ رد وهو بيظبط شنطته بعد ما أتكلم شوية مع صاحب العمارة. اتخضيت. إنت مستحيل تكلم صاحب العمارة. سألني هو صاحب العمارة كلها؟ أيوه. وهو سايب إطار باب شقتك بايظ بقاله أكتر من ست شهور؟ أيوه. كمل بمنتهى الهدوء وطب وإيه حكاية الدرابزين الحديد اللي مفصول في سلم الدور التالت؟ قطبت جبيني. إنت عرفت ده منين أصلًا؟ طلعت السلم امبارح. وبدون ما يتردد، بدأ يعدّد

لمبة مخرج الطوارئ اللي ناحية الحارة الخلفية مش شغالة خالص. واحدة من فتحات تهوية النشافة الرئيسية في البدروم مسدودة تقريبًا بتسعين في المية من الوبر. والمقبس الكهربا في أوضة الغسيل متوصل غلط. أما باب شقتك، فالموضوع ماكانش مجرد إزعاج… ده كان مخالف بشكل خطير لقواعد السلامة من الحرائق. فضلت باصة له وأنا مش مصدقة. إنت سجلت كل ده في يوم واحد؟ قال ببساطة زي ما قلتلك، دي كانت شغلانتي. بعد حوالي عشرين دقيقة، كنا واقفين في مكتب إدارة العمارة في الدور الأرضي.

صاحب العمارة كان قاعد ورا مكتبه المليان ورق، وأول ما شافني عبس. يا هدى، أنا حطيت آخر إنذار تحت باب شقتك. قلت أنا عارفة. وبعدين أشار بالقلم ناحية أحمد. ومين ده؟ أحمد فضل واقف بهدوء، وصوته كان ثابت جدًا. حد يقدر يوفر عليك قضية تعويضات ممكن تكلفك مبلغ كبير. صاحب العمارة ضحك باستهانة. آه؟ مش مصدق. أحمد اتقدم خطوة وحط ورقة من كراسة على المكتب. وقال لقيت سبع مخالفات واضحة لقواعد السلامة في العمارة دي في أقل من أربع وعشرين ساعة. اتنين منهم خطر حقيقي على سلامة السكان. وفتحة الوبر في البدروم ممكن في أي وقت تتسبب في حريق كهربا.

الغرور اختفى من على وش صاحب العمارة. بص له بضيق. إنت بتحاول تبتزني؟ لأ خالص. وأشار بإصبعه للورقة. أنا بعرض أصلحهم بنفسي. صاحب العمارة سكت لحظة. مقابل إيه؟ تلاتين يوم. بص له باستغراب. أحمد كمل تدي هدى مهلة تلاتين يوم قبل ما تبدأ أي إجراءات لإخلاء الشقة. تكتب الاتفاق دلوقتي وتمضيه. وفي المقابل، أنا أصلح كل المشاكل اللي في القائمة دي قبل آخر النهار. سأله إنت عندك رخصة؟ رد أحمد

بالنسبة للكهربا، هتحتاج تطلع تصريح وتجيب كهربائي معتمد. أنا أقدر أتكفل بكل حاجة تانية. مسك صاحب العمارة الورقة وبدأ يقرأ البنود واحد واحد. وأنا تقريبًا كنت شايفة الحسابات بتدور في دماغه، وهو بيحسب تكلفة العامل أو المقاول اللي كان هيضطر يدفع له عشان يعمل كل الإصلاحات دي. قال هديها عشرين يوم. أحمد رد فورًا تلاتين. خمسة وعشرين. أحمد مسك شنطته واتجه ناحية الباب. تمام. ربنا يوفقك في إنك تلاقي صنايعي يوم السبت.

صاحب العمارة ناداه بسرعة خلاص! تلاتين يوم. عضيت على باطن خدي عشان ماعيطش في نص المكتب. وقبل الساعة ستة مساءً، كان أحمد خلّص كل حاجة في القائمة. سدّ الفتحات. ثبت الأجزاء المفكوكة. وصلّح كل حاجة يقدر عليها. وصاحب العمارة اتصل وهو متضايق بكهربائي معتمد عشان يصلح مقبس أوضة الغسيل. ولأول مرة من فترة طويلة، صدري ماكانش مقبوض من الخوف. التلاتين يوم ماحلّوش مشاكلي المادية بالسحر. لكنهم كانوا معناه إن هييجيلي مرتب تاني.

وكان معناه إن لسه عندي فرصة. أحمد فضل عندنا أسبوع كمان. وبعدين الأسبوع اتحول لأسبوعين. وأنا ماخلتوش يقعد عشان أشفق عليه. خليته يقعد لأنه بدأ يشتغل شغلانات صغيرة للسكان في العمارة، وكان بيستخدم جزء من الفلوس دي في مصاريف الأكل عندنا. وكمان لأن قضية إصابة العمل بتاعته بدأت تتحرك أخيرًا، بعد ما قعدت معاه وساعدته يرتب جبل الورق القانوني اللي كان حاشره في قاع شنطته. اليوم اللي وصل فيه أول شيك من التسوية، وقف في المطبخ ماسك الظرف بإيديه الاتنين، وفضل واقف كده حوالي خمس دقايق من غير ما يتكلم.

وبعدين قال بصوت واطي القاضي وافق إنهم يدفعولي المستحقات اللي اتأخرتلي عن الفترة اللي فاتت. عمر رفع إيديه في الهوا بحماس. يعني بقيت مليونير؟ أحمد ضحك ضحكة عالية من قلبه. ولا حتى قريب يا حبيبي. بعد شهرين، لقى أوضة بسيطة للإيجار على بعد تلات شوارع من عندنا. وفي صباح يوم السبت، وهو بيجمع حاجته عشان يمشي، وقف عمر قدام باب الشقة وسند ضهره عليه، وحط دراعاته قدام صدره بعناد. وقال

إنت مش لازم تمشي، على فكرة. أحمد نزل نفسه بهدوء عشان يبقى في نفس مستوى عينيه. وقال أعتقد إن ماما وحشها الكنبة بتاعتها. عمر رد بسرعة أنا مش فارق معايا الكنبة الغبية. ابتسم أحمد. عارف يا حبيبي. عمر لف دراعاته حوالين رقبته وح.ضنه. أحمد بص من فوق كتف عمر ناحيتي، وعينه قابلت عيني. وقال إنتِ فتحتيلي باب في الوقت اللي كل الأبواب التانية كانت مقفولة في وشي. ابتسمت وهزيت راسي.

إنت اللي صلحت الباب، فاكر؟ ابتسم. بعد كام أسبوع من انتقاله، رجعت البيت بعد يوم شغل طويل ومرهق، ولقيت قفل أمان جديد وتقيل محطوط في علبته قدام باب الشقة. وكان فيه ورقة لزق صغيرة لونها أصفر متعلقة على العلبة. كان مكتوب عليها إن القفل القديم بتاعنا حالته سيئة جدًا، وإنه جاي يوم السبت يركب الجديد بنفسه. ضحكت جامد لدرجة إن عمر جري من الصالة عشان يشوف في إيه. أحمد فضل ييجي عندنا كل يوم سبت.

ساعات كان يلاقي حاجة محتاجة تتصلح. وفي أغلب الوقت، ماكانش بيلاقي أي حاجة أصلًا. صاحب العمارة في الآخر عرض عليه شغلانة نص وقت كمسؤول عن صيانة العمارة، وفي نفس الوقت فضل أحمد مكمل جلسات العلاج الطبيعي لركبته. أما أنا، ففضلت أطلع من الديون واحدة واحدة، لحد ما قدرت أسدد الإيجار المتأخر كله. مافيش حاجة في حياتنا اتغيرت في يوم وليلة. لكن في ليلة شتوية في شهر ديسمبر، بصيت حواليا في شقتنا الصغيرة، ولاحظت إن حوض المطبخ أخيرًا بقى هادي.

ماعدتش محتاجة أرمي بكل قوتي على باب الشقة عشان يقفل. ولقيت جاكت الشتاء بتاع عمر متخيط ومتصلح باحتراف بدل ما نضطر نرميه. ولقيت الشخص الغريب تمامًا اللي كنت من كام شهر بس مستعجلة أطرده من شقتي بعد ليلة واحدة، قاعد دلوقتي على ترابيزة المطبخ بكل هدوء، وبيشرح لعمر القسمة المطولة خطوة خطوة. عمر رفع عينه من ورقة الواجب، ولاحظ إني ببص عليهم. ماما؟ أيوه يا حبيبي؟ ممكن أحمد يفضل يتعشى معانا النهارده؟

أحمد بدأ يقفل الكتاب بسرعة. أنا ممكن أمشي لو محتاجين روحت ناحية التلاجة وفتحت بابها. وقلت الأكل عندنا كتير. والمرة دي، لما قلتها، ماكنتش بتكلم عن الأكل وبس.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى