
دخلت غرفة الاجتماعات. الطاولة البيضاوية الكبيرة كان قاعد عليها ستة من كبار المستثمرين، ومعاهم رئيس مجلس إدارة شركتنا. أول ما دخلت بالبدلة الزيتي والمجلدات في إيدي، ونظرة الثبات في عيني، الكل سكت والتفت لي. بدأت العرض التقديمي. اتكلمت بأسلوب علمي، وبأرقام دقيقة، وبحلول مبتكرة للمشاكل الهندسية والمالية اللي كانت معطلة المشروع من سنين. كل ما يسألوا سؤال صعبة، كنت برد بتلقائية وثقة أبهرت الحاضرين كلهم. الأفكار اللي كنت بكتبها في نوت بوك صغير وأنا قاعد في البيت بين غسيل الهدوم وطبيخ الأكل.. خرجت للنور وبقت هي الأساس اللي هيتبنى عليه مشروع بمليارات.
بعد ساعتين كاملين من المناقشات الشديدة.. رئيس الوفد الخليجي وقف من مكانه، وبص لرئيس مجلس إدارة شركتنا وقال بابتسامة إعجاب شديدة: — الباشمهندسة شيماء مكسب غير عادي لشركتكم.. تقديم احترافي وقدرة على إدارة المخاطر ما شفتهاش من سنين. إحنا موافقين على كل شروط العرض، وبنوقع العقد بشرط واحد بس.. إن الباشمهندسة هي اللي تستلم إدارة المشروع بالكامل من الألف للياء. الصالة كلها انفجرت بالتصقيف. الأستاذ كمال كان عينيه بتلمع بالفخر، ورئيس مجلس الإدارة جه وسلم عليا وقال:
— مبروك يا شيماء.. أنتِ أثبتِ إنك مكسب لا يقدر بتمن، ومن النهاردة نسبة الأرباح والنسبة الإدارية بتاعتك هتتضاعف، ومكتبك الهيد أوفيس هيتجهز من بكرة. في نفس اللحظة دي.. تليفوني المخطوط على الترابيزة كان بيهتز من غير توقف. بصيت على الشاشة.. كان أحمد. اتصل أكتر من 15 مرة ورا بعض! استأذنت وخرجت برة غرفة الاجتماعات، ورفعت السماعة بهدوء: — أيوة يا أحمد.. فيه حاجة حصلت؟ صوت أحمد جالي من الناحية التانية، بس المرة دي مش صوت الراجل المتكبر اللي بيرمي الجنيه ويضحك.. كان صوته مرعوب، ومتلخبط، وفي خلفية المكالمة كان فيه صوت زعيق ودوشة عالية أوي في الشقة!
قال وهو بيلهث وصوته بيرتجف: — شيماء! الحقينا بسرعة! أمي وقعت في المطبخ ومش قادرة تتنفس، وعمتي وبناتها إمبارح لما عرفوا باللي حصل جوم البيت وعندنا مشكلة كبيرة، والبيت مقلوب رأساً على عقب وما حدش عارف يتصرف ولا يعمل أكل ولا حتى ينقل أمي المستشفى! تعالي بسرعة أرجوكِ! مسكت الموبايل بكل ثبات، وبصيت لكارنيه الشغل اللي متعلق على صدري، وبعدين بصيت للساعة اللي في إيدي وقالت بنبرة حاسمة وصارمة خلت النفس يقطع عنده:
— أمك تعبانة؟ طلب لها الإسعاف يا أحمد.. أنت راجل بالغ وتعرف تتصرف، ولا أنت محتاج ست “قاعدة في البيت ملهاش قيمة” عشان تعلمك إزاي تتعامل مع الطوارئ؟ أنا عندي اجتماع شغل مهم جداً، ومش فاضية للدراما دي. أحمد صرخ بقلة حيلة: — شيماء أنتِ اتجننتِ؟! دي أمي! أنتِ هترفضِ تيجي عشان شوية شغل؟! رديت عليه بابتسامة حادة زي السيف: — الشغل ده هو اللي بيرجعلي كرامتي اللي أنتم داستوا عليها.. وقبل ما تقفل، افتكر كويس.. الجنيه اللي اديتهوني ليلة العيد، أنا هردّهولك النهاردة بالليل.. بس هردّه مع استقالة رسمية من حياتك كلها!
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة واحدة، وسبته يحترق في الفوضى اللي صنعها بإيده. خرجت من غرفة الاجتماعات والابتسامة مش مفارقة وشي، حسيت بانتصار حقيقي مش بس عشان الشغل والنجاح الكبيرة، لكن عشان القوة اللي استرديتها. الأستاذ كمال ورئيس مجلس الإدارة باركولي تاني، واستلمت القرار الرسمي بتعيني مديرة المشروع بامتيازات وحوافز ضخمة. رجعت مكتبي، قعدت على الكرسي وأنا حاطة رجل على رجل، وفتحت شنطتي طلعت الظرف الصغير أبو “جنيه”.. الظرف اللي كان فاكر إنه هيذلني، بس بقى هو السبب اللي صحى المارد اللي جوايا.
الساعة جابت أربعة العصر، خلصت شغل اليوم بامتياز، شلت شنطتي ونزلت. أخدت تاكسي ورحت على مدرسة بنتي، استنيتها برة وبدأت أراقب الأطفال وهم طالعين. أول ما بنتي خرجت وشافتني واقفة مستنياني ببدلتي وشكلي المنور، جريت عليا وحضنتني بقوة أمام صحابها وأمهاتهم، وقالت بفخر: “ماما أجت تاخدني!”. أخدتها في إيدي وروحنا على مطعم شيك، طلبنا غدا محترم، وأكلنا وضحكنا وسولفنا عن يومها في المدرسة. الساعة جابت ستة بالليل لما وصلنا العمارة.
أول ما طلعت الدور بتاعنا، لقيت الجيران واصلين ومطلين من الأبواب، وصوت الدوشة والزعيق من جوة شقتي مسموع للشارع. فتحت باب الشقة بالمفتاح ودخلت بثبات. المشهد جوة كان عبارة عن مسرحية هيكلية كئيبة: أحمد قاعد في نص الصالة، وشه شاحب، قميصه متوسخ ومجعد، وجنبه مسعفين الإسعاف بيقيسوا ضغط حماتي اللي كانت نايمة على الكنبة وبتأن وصوتها طالع بالعافية. عمتي وبناتها قاعدين في الناحية التانية وشكلهم مصدومين من الفوضى اللي في الشقة، والأطباق المكسورة ومواعين الأكل اللي مالية المكان.
أول ما أحمد شافني دخلت وبإيدي بنتي وشنطة الشغل، وقف بسرعة ووراه عمتي وبناتها. أحمد صرخ بصوت مليان غضب وعجز: — أخيرًا جيتي يا هانم؟! سايبة أمي تموت والإسعاف داخل طالع من البيت، ونازلة تتفسحي وتتغدي مع البنت ولا كأن في بيتك كارثة؟! أنتِ إيه؟ معندكيش قلب ولا رحمة؟! عمتي اتدخلت ونبرتها مليانة هجوم واستعلاء: — إيه يا شيماء تصرفات البنات دي؟ تسيبي جوزك وأمه المريضة وتجري ورا الشغل؟ هو الشغل أعمى عينيكي عن واجباتك كست بيت وأم؟! أحمد كتر خيره إنه ساكت عليكي لحد دلوقتي!




