روايات

ليلة العيد 2

حماتي اتدخلت بصوت عالي وهي بتمثل العياط والضعف قدام العمال: — يا ناس شوفوا الست اللي رمت بيتها وجوزها عشان الفلوس! خرجت من بيتنا وما عبرتش مرض ولا سن، وجاية تقف وسط الرجالة في الموقع ومطنشة بيتها! أخت جوزي زادت وهي بتبصلي بغل: — فاكرة نفسك بقيتي حاجة كبيرة؟ بكرة المشروع يخلص وترجعي ولا حاجة! الخلع ده مش هيعدي بالساهل يا شيماء، وأخويا ياخد البنت منك بالقانون! سكتت ثواني لحد ما كل أصواتهم انقطعت والكل بقى مستني ردي.

بصيت لأحمد بعينين ثابتة ومفيهاش أي أثر للخوف اللي كان بيتملكني زمان: — خلصتم كلامكم؟ أحمد اتلعثم وقالي بعصبية: — أنتِ هتردي تقولي إيه؟! رفعت إيدي وشاورت على أفراد الأمن والشرطة الإدارية الخاصة بالمشروع اللي كانوا واقفين مستنيين إشارتي: — أولاً: ده موقع عمل رسمي ملك لشركة استثمارية كبرى، والدخول هنا بغير إذن يعتبر اقتحام واستعراض قوة. ثانياً: قضية الخلع بكرة أول جلسة ليها في محكمة الأسرة، واللي عنده حق أو قانون يروح يقوله قدام القاضي مش قدام العمال والمهندسين.

ثالثاً وأخيراً: البنت في مكان آمن، ومحفورة في قلبي وعقلي قبل أي قانون.. ومحدش هيقدر يلمس منها شعرية واحدة. العميل الخليجي قرب مني، وبص لأحمد بنظرة استحقار وازدراء، وبعدين وجه كلامه للأمن: — شيلوا الأشكال دي برة الموقع فوراً، واطلبوا شرطة النجدة لو حاولوا يقربوا من الباشمهندسة شيماء تاني! أفراد الأمن هجموا على أحمد وجروه برة البوابة، حماتي كانت بتصرخ وأخته بتزعق، وأحمد عيونه كانت متعلقة فيا وهو بيتقاد برة البوابة، مش مصدق إن الست اللي كانت بتترجاه ليلة العيد ومستنية منه كلمة طيبة، بقت هي اللي بترميه برة حياتها ومكان شغلها بكل برود وقوة.

اتلفت للمهندسين والعمال اللي كانوا واقفين، وابتسمت بهدوء وقالت: — يلا يا جماعة، نرجع لشغلنا.. عندنا جدول زمن محتاجين نخلصه. التفتت ورجعت لمكتبي، وأنا عارفة إن الجلسة بتاعة بكرة في المحكمة مش هتبقى مجرد جلسة خلع.. دي هتبقى ضربة النهاية للقيد اللي عاش على رقبتي سنين. وقفنا أنا والمحامي بتاعي قدام القاضي في محكمة الأسرة. كان القاضي بيبص في أوراق القضية، وأحمد واقف في الناحية التانية مع المحامي بتاعه، وشه شاحب، وتحت عينيه هالات سودا، وشكله ضايع تماماً. أمه وأخته كانوا قاعدين في مقاعد الحضور، وجوههم مليانة حسرة وغيظ مكتوم.

القاضي بص لأحمد وسأله: — الأستاذ أحمد.. المدعية طالبة الخلع ومستعدة تتنازل عن كافة حقوقها المالية الشرعية، وتسترد حريتها. هل عندك أي مانع أو طلب؟ أحمد اتلعثم ووقفت الكلمات في زوره، وبصلي بنظرة مليانة انكسار ورجاء، وقال بصوت خافت جداً: — يا سيادة القاضي.. أنا بحب مراتي، والبيت اتخرب في لحظة غضب وهزار بايخ.. أنا مستعد أعتذر لها قدام المحكمة كلها، وأرد لها اعتبارها، وأدفع لها كل اللي تطلبه.. بس بلاش نهد البيت.

القاضي بصلي وسألني بهدوء: — المدعية شيماء أحمد.. هل تقبلي الاعتذار والصلح؟ وقفت بثبات، وبصيت للقاضي وقلت بكل وضوح وصوت هز القاعة: — يا سيادة القاضي.. المسألة مكنتش مسألة فلوس ولا هزار.. المسألة كانت كرامة وإنسانية اتداست لسنين تحت مسمى “ست قاعدة في البيت”. يوم ما اتكافئت بجنيه على عمر وصحة أتداسوا عشان خدمتهم، عرفت إن مكاني مش هناك. أنا تنازلت عن كل حقوقي المالية، بس مش هتنازل عن كرامتي ونفسي تاني أبداً.

القاضي سكت ثواني، ودق بمطرقته على المكتب وقال بحسم: — حكمت المحكمة بالتطليق خلعاً بين المدعية والمدعى عليه، مع إثبات حضانة الأم لصغيرتها، وإلزام المدعى عليه بالنفقة الشرعية المقررة. رفعت الجلسة. أول ما المطرفة دُقّت، حسيت بروح جديدة دخلت صدري. التفتت وعطيت ظهري لأحمد وأهله. أحمد وقع على الكرسي ومش قادر يشيل نفسه، وأمه وأخته بدأوا يتخانقوا مع المحامي بتاعهم بصوت عالي، لكن كل الأصوات ديقت بالنسبة لي مجرد ضوضاء بعيدة مفيش ليها أي تأثير عليا.

خرجت من المحكمة، وأنا ماشية بخطوات واثقة للكعب بتاعي. الشمس كانت ساطعة والجو صافي. بعد ستة أشهر… كانت ليلة العيد الجديدة. كنت واقفة في صالة العرض الكبيرة للشركة، والمناسبة كانت افتتاح المبنى الإداري الجديد اللي أشرفت على تنفيذه من الألف للياء. القاعة كانت مليانة رجال أعمال، مستثمرين، ومهندسين كبار. رئيس مجلس الإدارة صعد على المسرح، ومسك المايك وقال بصوت مرتفع: — والآن.. بنتكرم وبنقدم درع التميز والنجاح لأقوى وأكفأ مديرة مشروعات عندنا، الباشمهندسة شيماء أحمد!

الكل وقف وانفجرت القاعة بالتصقيف. صعدت على المسرح ببدلة شيك جداً، وحصّلت الدرع الذهبي، والعميل الخليجي سلم عليا وباركلي بصرف مكافأة ضخمة ونسبة أرباح جديدة. بصيت للجمهور، وشفت بنتي واقفة في أول صف، لابسة فستان أبيض زاهي، وبتبصلي بعينين مليانين فخر ودموع فرحة، وبتصفق لي من كل قلبها. في نفس اللحظة دي.. لمحت من بعيد، عند باب القاعة الخارجي، أحمد واقف برة الزجاج.. شكله مبهدل، وجاي يحاول يشوفني من بعيد بعد ما حياته اتقلبت رأساً على عقب، والبيت بقى خرابة من غيري، وعايش في ندم بياكل فيه كل يوم.

مسكت المايك، وبصيت لبنتي، وقلت كلمتي الأخي رة قدام الكل: — الإنسانية والتقدير مش رفاهية.. كرامة المرأة وعملها وتعبها في بيتها أو شغلها قيمتهم لا تُقاس بالمال.. والست اللي تعرف قيمة نفسها، محدش يقدر يكسرها أبداً. ابتسمت لبنتي، ونزلت من المسرح وأنا ماسكة إيدها، ودخلنا مرحلة جديدة من الحياة.. مرحلة النجاح، القوة، والحرية اللي ملهاش ثمن.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى