منوعات

شقة مسكونه

مسكته من دراعه بجمود وعيني بتلمع كلملي صاحب الشقة دلوقتي حالا. إيه؟ كلمه حالا بقولك! انا اشتريت !!!!! مسكت أحمد السمسار من دراعه لدرجة إن صوابعي علّمت في جلده، والراجل كان باصصلي وهو مبرق ومش فاهم حاجة، يادوب بيبلع ريقه بالعافية ويقولي يا بيه صلي على النبي، اشتريت إيه؟ أنت وشك أصفر وعرقان كأنك شُفت جن مصور جوة! تعال ننزل بس نشرب حاجة ونهدى. زعقت فيه بصوت هز العمارة القديمة بقولك كلم صاحبها حالاً! ال 200 ألف جنيه جاهزين كاش وفي الشنطة دي، والمقدم أهو.

. أنا مش هتحرك من هنا إلا والوصول في إيدي! أحمد طلع تليفونه وإيده بترتعش، ضرب رقم وصبر ثواني                   لحد ما الخط فتح، وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته باين عليه الهم والتعب أيوة يا أحمد، فيه جديد في الشقة الملعونة دي؟   السمسار بصلي وبلع ريقه وقال معايا زبون يا حاج توفيق.. وعايز يشتري حالا كاش. التليفون سكت لثواني، كأن الراجل مش مصدق، وبعدين رد بصوت واطي هو لسه مخرجش يجري؟ قعد فيها أد إيه؟

أحمد رد بقاله ربع ساعة جوة يا حاج، وطالع مش على بعضه وبيقول شاري. الحاج توفيق قال بلهفة أنا ربع ساعة وأكون عندكوا.. متخليهوش يمشي! قعدت على السلم القديم المترب وأنا بضحك في سري، ضحكة واحد كان هيموت غرقان ولقى قشاية، لأ.. ده أنا لقيت جزيرة دهب! أحمد السمسار كان واقف بعيد عني، ساند على الحيطة وبيبصلي بريبة، كأنه مقتنع إني املبست أو العفاريت لحست مخي في الخمس دقائق اللي دخلتهم جوة. هو معذور، ميعرفش أنا شفت إيه، وميعرفش السر اللي خلى الناس تحس ب غمامان النفس والدوخة وأول ما يدخلوا يجروا.

السر كله كان في المادة السودا اللزجة اللي ماليّة الحيطان، والريحة النفاذة اللي تكتُم النفس.. الناس العادية، وأصحاب الشقة، وحتّى السماسرة، لما كانوا بيدخلوا ويشموا الريحة دي مع الضلمة والكآبة اللي في المكان، كانوا بيفتكروا إنها طاقة سلبية أو سحر أسود ومكان مسكون.. بس أنا؟ أنا أبويا الله يرحمه كان أكبر تاجر عطارة وزيوت طبيعية وجيولوجي هاوي في قريتنا قبل ما يموت والورث يتسرق، وأنا عشت طفولتي كلها وسط البراميل والوصفات، وبشم الروائح دي وبفرّق بينها وعيني مقفولة!

  المادة اللي على الحيطة دي مكنتش دهان، ولا كانت هباب حريقة.. دي كانت مادة الموميّاء أو اللي بيسموها في عالم العطارة برة البتومين الطبيعي النقي المخلوط براتنجات عطرية قديمة، ومعاها كميات ضخمة من العنبر الخام الأصلي والمسك الأسود العتيق!

الشقة دي في الغالب كانت مخزن سري لتاجر عطارة قديم جداً من أيام الملكية، أو حد كان بيعتّق فيها الزيوت الثمينة دي، ولسبب ما، البراميل دي اتدمرت أو ساحت على الحيطة مع الرطوبة والزمن وعملت طبقة سميكة. العنبر والمسك الخام لما بيقعدوا في مكان مقفول سنين طويلة من غير تهوية، بيطلعوا غازات تقيلة جداً ونفاذة بتعمل دوخة وغمامان نفس وضيق تنفس للي مش متعود عليها، وطبعاً مع ثقافة الخوف من العفاريت، أي حد كان بيدخل ويحس بالدوخة دي كان بيجري ويقول المكان مسكون!

لكن لما فتحت الشباك، والشمس ضربت في الحيطة وسخنت المادة دي، بدأت تسيح وتطلع ريحتها الحقيقية.. ريحة دهب سايل! الحيطة دي لو اتكشطت واتصفت، تطلع ييجي 200 أو 300 كيلو من العنبر الخام والراتنجات الأثرية.. دي تساوي ملايين! ملايين يا عمام يا ظَلمة! بعد ربع ساعة بالظبط، وصل الحاج توفيق، راجل عجوز وظهره منحني، باين عليه إنه مش طايق سيرة الشقة دي وعايز يخلص من همها. أول ما شافني قال أنت الشاري يا ابني؟

وقفت وقولتله بكل ثقة أيوة يا حاج.. شاري بوضبها وقرفها وترابها وعفاريتها. الراجل طيب قلبه وجعه عليا وقال يا ابني أنا مأكلش حرام، الشقة دي من يوم ما ورثتها عن عمي وأنا مش عارف أهوب ناحيتها، وكل ما أجرها لحد يطفش تاني يوم ويقولي بنموت جوة. . أنا نزلت سعرها للأرض عشان أخلص من ذنبها. قولتله وأنا بطلع رزم الفلوس من الشنطة وأنا قَبِلت يا حاج، وأنا أولى ب ذنبها.. يالا بينا على المحامي نكتب العقود حالا.

الراجل عينه لمعت بالراحة وفك كيس كان في إيده، وطلع العقود القديمة، وفي ظرف ساعة زمن، كنا قاعدين في مكتب محامي تحت العمارة، ومضينا العقود، ودفعت ال 200 ألف جنيه كاملين مكملين يادوب سيبت معايا ألفين جنيه للمصاريف، واستلمت المفتاح المصدي.. وبقيت رسميًا صاحب الشقة! أول ما رجعت الشقة، كانت الساعة دخلت على المغرب.. السمسار مشي وهو بيبصلي كأني مجنون رايح لحتفه، وأنا دخلت وقفلت الباب عليا بالمفتاح والترباس. الشقة كانت ضلمة، والريحة لسه تقيلة.

. بس المرة دي، أنا مشامم ريحة خوف، أنا شامم ريحة فلوس! قعدت على السرير المكسور في وسط الضلمة، ونزلت دموعي غصب عني.. دموع الفرحة والقهر اللي كتمته جوايا من يوم ما عمامي رموني في الشارع. قعدت أضحك وأبكي في نفس الوقت وأقول يا رب.. أنت كبير ومبتسيبش غلبان. تاني يوم الصبح، نزلت اشتريت أدوات نظافة، وسكاكين معجون عريضة، وجراكن بلاستيك كبيرة، وكمامة كتمت بيها مناخيري عشان أعرف أشتغل من غير ما أدوخ.

بدأت المعركة.. فتحت الشبابيك كلها عشان الهوا يدخل، وبدأت بسكينة المعجون أكشط الحيطة حتة حتة. الموضوع كان شاق جداً ومجهد، المادة كانت مطاطية وبتطلع بصعوبة، بس مع كل كشطة، كنت بشوف حتت العنبر الرمادي والأسود وهي بتلمع في الشمس. اشتغلت تلات أيام متواصلة، من الفجر لحد نص الليل، مابنامش غير ساعتين، باكل عيش وجبنة وأشرب مية وأرجع أكمل كشط.. لحد ما خليت الحيطان على الطوب الأحمر! وبقى عندي في  

الصالة 6 جراكن كبار مليانين على أخرهم بالمادة اللزجة الخام دي. في اليوم الرابع، قفلت الشقة واخدت عينة صغيرة في برطمان قزاز، وطلعت بيها على أكبر منطقة تجارة عطور وزيوت في مصر.. منطقة الحسين وخان الخليلي. دخلت لمحل كبير جداً، معروف إنه بيورد الزيوت العطرية الخام للمصانع الكبيرة وبرة مصر، صاحبه كان راجل هيبة برضوى ودقن بيضا، اسمه الحاج عبد               الحميد. دخلت وقولتله سلام عليكم يا حاج.. عايزك تبصلي على العينة دي وتقولي تسوى كام عندك.

الحاج عبد الحميد أخد البرطمان باستهزاء كدة، فتحه وقرب ومناخيره منه.. وفجأة، شُفت تعبيرات وشه بتتغير 180 درجة! عينه وسعت، ووقف على حيله، وبصلي بذهول وهو بيقول أنت جايب ده منين يا ابني؟! قولتله ببرود مش مهم منين يا حاج.. قولي الأول ده إيه وتقييمه إيه؟

الراجل جاب معلقة صغيرة، أخد حتة ودعكها بين صوابعه لحد ما سخنت، وشمها تاني وقال بصوت بيترعش ده عنبر حوت خام، معتق من بتاع زمان.. مخلوط بمسك رسائل ملكية وراتنج مر سقطري! الخلطة دي مفيش منها في السوق دلوقتي خالص، دي خلطة أثرية بقالها فوق ال 80 سنة معتقة في مكان ضلمة.. دي ريحتها تثبت في الهدوم بالشهر يا ابني! أنت معاك منها أد إيه؟ قولتله وأنا ببلع ريقي معايا ييجي 250 كيلو خام زى دي.

الراجل قعد على كرسيه ومسك دماغه ومش مصدق 250 كيلو؟! أنت بتتكلم في ثروة! الكيلو من الخام المعتق ده برة مصر بيتباع بالجرام، وبيدخل في تركيب أغلى براندات العطور العالمية.. أنا هشتري منك اللوت ده كله حالاً، وهديك في الكيلو 20 ألف جنيه كاش.. وتخليص حقك في إيدك! حسبتها في سري بسرعة.. 250 كيلو في 20 ألف.. يعني 5 مليون جنيه!!! جسمي كله ساب ومبقتش قادر أقف على رجلي.. 5 مليون جنيه؟ أنا اللي كان حيلي 200 ألف جنيه وعمامي استكتروهم عليا؟

اتفقت مع الحاج عبد الحميد، وتاني يوم جاب عربية نص نقل ورجالة معاه لحد الشقة تحت حراسة، وزنوا الجراكن وطلعت بالظبط 260 كيلو! الراجل مكدبش خبر، فتح شنطة وبدأ يعدلي الفلوس.. رزم ورا رزم.. ملايين حقيقية بين إيدي. أحمد السمسار كان واقف بالصدفة في الشارع، وشاف الرجالة وهي بتنزل الجراكن الكبيرة وشاف شنط الفلوس، جه جري عليا وهو هيتجنن ويقولي جرى إيه يا استاذ عماد؟ هي الشقة كان فيها آثار ولا إيه؟ أنت لقيت مقبرة جوة؟

بصيت له وضحكت من قلبي وقولتله لأ يا أحمد.. مفيش آثار ولا حاجة، الشقة كانت مسكونة فعلاً.. بس مسكونة بالرزق اللي الناس كانت بتهرب منه! بعد الأسبوع ده، حياتي اتغيرت تماماً.. وضبت الشقة الصغيرة دي وخليتها حتة من الجنة، مابقاش فيها ريحة تخنق، بقت ريحتها كلها نضافة وخير، وقررت إني مش هبيعها أبداً. . هسيبها تفكرني دايماً بفضل ربنا عليا وإن النحس ممكن يكون وراه أعظم فرصة في حياتك لو فكرت وشغلت مخك.

فتحت شركة استيراد وتصدير زيوت عطرية، وبقيت بشتغل مع الحاج عبد الحميد، ورجعت قريتنا.. بس المرة دي مرجعتش مكسور العين زي ما عمامي كانوا عايزين. دخلت عليهم وأنا راكب عربية أحدث موديل، ووقفت قدام بيتهم، وبصيت لهم بكل فخر وقولت الورث اللي أكلتوه عليا.. ربنا عوضني بأضعافه في خمس دقائق بس.. ومن غير ما أظلم حد. سيبتهم واقفين وبقهم مفتوح مش فاهمين حاجة، وركبت عربيتي ورجعت ل شقتي المسكونة. . الشقة اللي كانت الجحر اللي لمّني، وبقت السبب في إني أكون عماد الباشا.

       

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى