
وقالت مش الليلة. قلتلها إنتِ في خطر؟ قالت أنا قضيت معظم عمري بخاف من ولادي. قلتلها يبقى اتصلي بالشرطة. قالت هما معملوش حاجة الشرطة تقدر تقبض عليهم بسببها. قلتلها هما بياخدوا فلوسك. قالت هما بيسموها مساعدة. وضغطت بصوابعها على الكوباية. وقالت أنا بحاول أصلح كل حاجة، محتاجة وقت شوية كمان. آخر يوم خميس بدأ بمطر شديد. المزاريب فاضت، والمية كانت ماشية في الشوارع كأنها خيوط رمادية طويلة. كان عندي امتحان الصبح اللي بعده، لكن خديجة كانت صوتها ضعيف جدًا لما كلمتني بالليل.
عديت على محل بقالة واشتريت فراخ وجزر ورز وخبز وعلبتين خوخ. وصلت الساعة أربعة وربع تقريبًا. لقيت باب البيت مفتوح حوالي تلات صوابع. ناديت يا حاجة خديجة؟ محدش رد. عصايتها كانت مرمية جنب السلم. وفوطة المطبخ واقعة جنب باب المطبخ. حطيت أكياس الأكل على الرخامة وطلعت فوق. لقيتها على سريرها. البطانية كانت مرفوعة لحد وسطها. إيديها متشابكة فوق صدرها. وشعرها الأبيض سايب على المخدة. في أول لحظة افتكرتها نايمة. لكن بعد ثانية فهمت إن سكونها مش طبيعي.
لمست كتفها. وقلت يا حاجة خديجة؟ جلدها كان ساقع. الدكتور اللي ساكن قريب وصل بعد ربع ساعة. فحص النبض، وبص في ساعته، وبعدين سحب البطانية لفوق بهدوء. نزلت وقعدت على ترابيزة المطبخ. كتيب دار الرعاية كان لسه متطوي تحت رجل الترابيزة. الراديو كان شغال على أغنية قديمة كانت بتحب تسمعها. وبرطمان زبدة الفول السوداني كان جنب طبق فاضي. حطيت وشي بين إيديا وعيطت. مش عشان الفلوس اللي كانت مديونة لي بيها.
ولا عشان فقدت الشغل. عيطت عشان كنت عارف يعني إيه الواحد يمشي من الدنيا وهو حاسس إن الناس اللي المفروض يكونوا أقرب ناس ليه، مش موجودين جنبه. بعد حوالي نص ساعة، دخلت الست أمينة، جارتها اللي ساكنة في البيت اللي جنبها. عينيها كانت حمرا. وكان في إيدها ظرف بني. قالتلي خديجة ادتهولي من تلات أسابيع، ووصتني مديهولك بعد ما تمو.ت. بصيت للظرف. اسمي كان مكتوب عليه. آدم. قبل ما أفتحه، باب البيت اتفتح مرة واحدة.
دخلت نوال الأول. كانت لابسة إسدال أسود، وفي ودانها حلق بسيط، لكن وشها مكنش فيه أي ملامح حزن. وراها دخل سعد بالملف الجلد. ومروان دخل آخر واحد. ولا واحد فيهم سأل أمه فين. عين نوال راحت على الظرف اللي في إيدي على طول. قالت إيه ده؟ قلتلها حاجة الحاجة خديجة سابتها لي. وشها اتشد. وقالت أمي ماتت، ومبقاش فيه حاجة ليك تنظفها هنا. خد حاجتك واطلع قبل ما أتصل بالشرطة.
بصيت للممسحة اللي كانت جنب حيطة المطبخ. وأكياس الأكل اللي اشتريتها كانت لسه جوه كيس ورق مبلول. رغيف عيش كان وقع على الرخامة. لميت الجاكت بتاعي. لكن أمينة وقفت بيني وبين الباب. وقالت افتح الظرف الأول. سعد قرب مني. وقال أي حاجة جوه البيت ده ملك للتركة. أمينة أشارت لاسمي المكتوب على الظرف. وقالت ده ملكه هو. نوال ضحكت. وقالت أمي مكنش عندها فلوس تسيبها للمنظف. فتحت الظرف. أول حاجة وقعت في إيدي كانت مفتاح نحاس قديم عليه صدأ.
وبعده صورة. شاب واقف قدام البيت جنب خديجة. كان شكله في حوالي خمسة وعشرين سنة. شعره أسود. وشه نحيف. وفي إيده اليمين نفس الانحناءة البسيطة في الصباع الصغير اللي عندي. وعينيه كانت شبه عيني بشكل يخوف. قلبت الصورة. كان مكتوب وراها اسم واحد. ياسر. فردت الورقة. وكانت رسالة. يا آدم، قبل ما تكمل قراءة أي حاجة، لازم تعرف إني آسفة. أنا مكنتش اخترتك من إعلان الجروب بالصدفة. تلاتة وأربعين شخص ردوا على الإعلان.
وأنا اخترت الشاب اللي في صورته عيون كلارا، وإيده فيها نفس العلامة اللي كانت في إيد ابني ياسر. نفسي اتقطع. كلارا كانت أمي. وقفت في مكاني كأني مش قادر أحرك رجلي. حسيت إن حد اتحرك ورايا. نوال حاولت تاخد الورقة من إيدي. سحبتها ناحية صدري. وقلت يعني إيه الكلام ده؟ محدش رد. كملت القراءة. أنا لقيت حسابك على صفحة الكلية قبل ما أحط الإعلان بست شهور. عرفتك من أول لحظة.
لكن كان لازم أتأكد قبل ما أجيب الخطر لحد بابك. أول أسبوع كنت ناوية أدفعلك. لكن نوال كانت مسيطرة على الكارت بتاعي، ومش بتديني غير فلوس تكفيني أجيب الدوا. كنت مكسوفة لما رجعت الأسبوع التاني. وكنت مكسوفة أكتر لما بدأت تجيبلي أكل من فلوسك. أنا عمري ما كنت عايزة طيبتك تبقى اختبار. لكن طيبتك كشفتلي حاجة ولادي قضوا واحد وعشرين سنة بيحاولوا يخبّوها. إنت فضلت تيجي، رغم إنك كنت فاكر إن مفيش حاجة هنا تقدر تاخدها.
مفيش حد يعرف قد إيه الجملة دي هتفضل جوايا. وش نوال كان بدأ يشحب. سعد قرب خطوة. وقال أمي كانت مشوشة ومش عارفة هي بتقول إيه. أمينة وقفت قدامه. وقالت هي كانت عارفة كويس جدًا. كملت القراءة. المفتاح بيفتح الأوضة الزرقا اللي في آخر الطرقة. افتحها قبل ما ولادي يشيلوا أي حاجة منها. جواها هتلاقي الحقيقة عن أمك، وأبوك، والسبب اللي خلا اسمك يخوفهم من يوم ما اتولدت. رفعت عيني عن الورقة.




