
العيال دي كانت هي دنيتي، وبالذات الصغير ياسين اللي كان عنده 4 سنين بس لما أمه وأبوه ضاعوا، ومرت 12 سنة في غمضة عين وياسين كبر وبقى شاب. بس مؤخراً لاحظت إن ياسين حاله اتشقلب وبقى غامض وتصرفاته غريبة، أول ما يرجع من المدرسة يدخل أوضته ويقفل الباب بالمفتاح، ولما أروح أخبط عليه وأسأله ماله يزعق ويقولي معلش يا خالتو مضغوط من الدروس، كنت عايزة أفهم ماله بس الموضوع استمر أيام وبقى مقلق جداً.
وفي الآخر مقدرتش أصبر، وأول ما رجع من المدرسة وقفته عند الباب ومسكت إيده وقولتله لازم تحكيلي مخبي عني إيه. فجأة وشه اتخ.طف وبقى أصفر زي الليمونة وصوته بقى يترعش وقالي أنا خلاص مستعد أقولك الحقيقة، ركبي خبطت في بعضها وقولتله بتهتهة حقيقة إيه يا ياسين؟ وقعت قلبي! ، راح واخد خطوة ناحيتي وعينه غرقانة دموع وهمس في ودني الحقيقة اللي حصلت ليلة الدــ,,ـــــادثة من 12 سنة.. أنا عارف أمي فين دلوقتي. الدموع اللي كانت في عينه جمدت فجأة، وبقت نظرته حادة، لدرجة إني رجعت خطوة لورا من الخوف. إنت بتقول إيه يا ياسين؟
أمك رحلت ودفــ,,ـــــناها بإيدنا، والوجع ده عشنا فيه سنين!.. ضغط على إيدي بقوة خلتني أتألم، وهمس وصوته طالع بوشيش لا يا خالتو، إحنا دفــ,,ـــــنا كفن فاضي.. أنتي نسيتی إن محمود خدني معاه في العربية ليلتها؟ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان بيخفيها!.. كمل كلامه وهو بيحكي منهار: العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.
. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيحطوها في عربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي بعدنا، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة. طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتفش عيني سنين: ياسين، كفاية 12 سنة حماية. . الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السر,,ـــــير، أمك مستنية اللي يطمن عليها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!..
فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين. اللي ضاع ليلتها.. الست رفعت راسها ببطء، وعينها لما جت في عيني، صرخت صرخة مكتومة، ومدت إيدها وقالت بصوت هادئ: تأخرتي ليه يا أختي؟ محمود قال إنك هتيجي تاخدي مكانك عشان أمشي أنا. الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة، رجلي ملمستش الأرض وبقيت ساندة على جدار السرداب البارد وأنا مش مصدقة. آخد مكاني؟ زينب.. أنتي بتقولي إيه؟ صوتي طلع مبحوح، والست اللي قدامي بدأت تبتسم بابتسامة غريبة، وهي بتشاور بإيدها على ركن الغرفة اللي وراها.
بصيت مطرح ما بتشاور، وشفت حاجة خلت عقلي يطير؛ كان فيه أشكال تذكارية من الشمع، معمولين بدقة، كل شكل فيهم نسخة طبق الأصل من واحد من الولاد اللي ربيتهم ال 12 سنة اللي فاتوا، بس الأشكال كانت متوصلة بأسلاك نازلة من سقف السرداب. محمود مبعش حد يا خالتو.. ياسين نطق الجملة دي وهو واقف ورايا، وصوته فجأة اتغير، بقى غليظ وعميق، محمود كان بيحمينا.. التماثيل والترتيبات دي كانت طريقة قديمة لحماية البيت، دول مش أخواتي يا خالتو، دول اللي كان لازم يعيشوا وسطك عشان يتعلموا منك.
الست اللي مفروض إنها أختي قامت وقفت، وبدأت تقرب مني وهي بتجر رجلها، والريحة التقيلة بقت موجودة. ياسين كبر يا أختي.. وياسين هو الوحيد اللي من دمه، الباقي مجرد أوعية للخير، ودلوقتي الدائرة لازم تتقفل.. أنتي سكنتي بيتي، وربيتي ولاده، ودلوقتي لازم تسكني مكاني عشان أنا أطلع أشوف الشمس اللي نسيت شكلها. فجأة، الباب الخشب اللي فوق السلم اترزع بقوة، وسمعت صوت قفل بيتقفل من برا. النور اللي كان طالع من كشاف ياسين طفى، وبقينا في ضلمة، مش سامعة فيها غير صوت نهجان الست اللي بتقرب مني، وصوت ياسين وهو بيهمس في ودني بكل هدوء: متخافيش يا خالتو.
. أنتي كنتي أم عظيمة، ومحمود مستنيكي فوق عشان يكمل الحكاية. وفي وسط الضلمة دي، لمست إيد باردة رقبتي، وبدأت تضغط ببطء وهي بتقول: قوليلي.. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟ حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أهدي الأمور، لكن الموقف كان رهيب. فجأة، بدأت الأشكال اللي في الركن تنور بضوء باهت، خيط رفيع من النور طالع من كل مكان ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم.
مع كل حركة، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو بينادي بصوت قصير ومكتوم. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة، لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة: مفيش أخوات يا خالتو. . مفيش إلا العهد. الست سابتني فجأة ووقعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يهدى. في اللحظة دي، النور زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السر,,ـــــير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود.
الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج. ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الدــ,,ـــــادثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن. بصلي ببرود وقال: كنتي فاكرة إن الدــ,,ـــــادثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي بعدت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض.
قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بهدوء، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون غامق: زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي. ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده مفتاح قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي: عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.. قلبك هو اللي هيربط المكان ببعضه للأبد. محمود بدأ يتمتم بكلمات، والأشكال بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات هادئة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.
. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عنيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا بيصرخ: يا خالتو! ياسين بيحاول يحبسنا! افتحي الباب! الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لغضب، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب: اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الأمور تتم، السقف ده هينزل علينا كلنا!




