منوعات

عزومة بيت ابنى

ـ لما يحيى يرجع، هخليه يعرف كل اللي حصل، وساعتها نشوف مين فينا هيبقى له كلمة! رديت عليها بهدوء وأنا واقفة عند باب شقتي: ـ خليه يعرف يا بنتي… وأنا مش خايفة من كلامه، ولا من زعلك. اللي عملته أنا شايفاه عادي، ولو هو شايف غير كده، يبقى هو اللي يقولي في وشي. طلعت شقتها وقفلت الباب بعـ,ـنف، وأنا فضلت واقفة مكاني ثواني، لكن لأول مرة من ساعة ما دخلت عليّ وأنا بدأت أحس إن الموضوع ممكن ما يعديش بالسهولة اللي كنت متخيلاها. لأن يحيى، مهما كان ابني، عمره ما كان بيحب حد يدخل بينه وبين مراته…

وأنا كنت عارفة إن أول مكالمة هتجيله منها، هتفتح باب كلام كبير. ما كملتش ساعة، وسمعت صوت مفتاح بيتحط في باب شقتي، وبعدها خبطتين تقال على الباب. فتحت، لقيت يحيى واقف قدامي، ومراته وراه، وشه متغير ومبين عليه إنه جاي وهو متعصب. بصيت له باستغراب وقلت: ـ إيه يا ابني؟ رجعت بدري ليه؟ ما ردش عليّ، وطلع ناحية شقته على طول، ومراته دخلت وراه وهي بتقول: ـ تعالى شوف بنفسك يا يحيى، أنا مش هتكلم من دماغي. طلعت معاهم، ولما فتح باب الشقة، وقفت أنا على السلم، لكن سمعت صوتها وهي بتقول: ـ بص…

المواعين في الحوض، والأرض محتاجة تتنضف، والتكييف شغال اليومين اللي فاتوا، والديب فريزر ناقص منه البط والفراخ واللحمة اللي أمي كانت جايباهالي. بص يحيى حوالين الشقة، وبعدين بص لها وقال: ـ وإنتِ كنتِ متوقعة إن أمّي لما تقعد هنا يومين، هتسيب الشقة كأن محدش دخلها؟ ردت بسرعة: ـ المشكلة مش في التنضيف يا يحيى! المشكلة إنها دخلت شقتنا من غير ما تستأذن، وجابت إخواتها وعيالهم وجوازاتهم، وقعدوا هنا يومين، واستخدموا حاجاتنا وأكلوا من الخزين، وسابتلي كل ده! اتغير وش يحيى، وبص ناحيتي. ـ ماما… إنتِ فعلًا عملتي كده؟ دخلت الشقة وقلت بهدوء: ـ أيوه يا ابني، عملت.

الشقة كانت فاضية وإنت مسافر، وأنا عيالك وأهلك، ومكنتش هعمل العزومة في شقتي عشان العيال كتير وممكن يبهدلوها. فقلت نقعد هنا يومين، ولميت كل حاجة بعدها.قال بعصبية: ـ بس يا ماما، كان لازم تستأذني أنا أو مراتي. رديت عليه: ـ وأنا كنت فاكرة إن مفتاح الطوارئ اللي سايبهولي معناه إنك واثق فيا، مش إنك هتحاسبني على كل مرة أفتح فيها باب شقتك. قالت مراته بانفعال: ـ مفتاح الطوارئ للطوارئ ، مش للعزومات! اتدخل يحيى بسرعة: ـ خلاص… كفاية. وبعدين بص لي وقال:

ـ ماما، أنا مقدر إنك أمي، بس دي شقتي أنا ومراتي، ومهما كان لازم تستأذني قبل ما تدخلي، خصوصًا لو هتجيبي ناس وتقعدي يومين. حسيت إن كلامه نزل عليّ تقيل، فقلت: ـ يعني إنت شايف إني غلطانة؟ سكت لحظة، ثم قال: ـ أيوه، في النقطة دي غلطانة. بصيت له وأنا مش مصدقة إنه قالها قدامها، وقلت: ـ طب والأكل اللي أمها بتجيبه كل شهر وتاخده كله لنفسها، ده مش حاجة تخصني؟ وأنا ابني اللي بيصرف عليها، مش من حقه ياكل من الخير اللي أمها بتبعته؟ قال يحيى بضيق: ـ ماما، موضوع الأكل ده بينها وبين أمها، وأنا مش هدخل فيه.

ثم مد إيده ناحية مراته وقال: ـ هاتي المفتاح. بصت له باستغراب: ـ مفتاح إيه؟ ـ مفتاح شقتي اللي معاكي. رديت عليه: ـ هتسحب مني مفتاح الطوارئ؟ قال وهو بيحاول يحافظ على هدوئه: ـ آه يا ماما. طالما المفتاح خلاكي تحسي إن من حقك تدخلي الشقة وقت ما تحبي، يبقى أنا هاحتفظ بيه عندي. مديت إيدي في جيبي وطلعت المفتاح، وحطيته في كفه وأنا حاسة بمرارة كبيرة. ـ خده يا ابني… بس افتكر إنك النهارده خدت المفتاح من أمك عشان مراتك زعلت من يومين قعدناهم في شقتك. ـ الموضوع مش مين كسب ومين خسر يا ماما.

أنا بس عايز أحط حدود واضحة، عشان الموضوع ده ما يتكررش. مراته كانت واقفة جنبه ساكتة، وأنا بصيت لها، ثم بصيت لابني وقلت: ـ حاضر يا ابني… من النهارده شقتك دي مش هحط رجلي فيها تاني، حتى لو حصل فيها حريق وأنا واقفة قدام بابها. وسبتهم وطلعت شقتي، وأنا حاسة إن الموضوع ما بقاش مجرد مواعين وتكييف وأكل من الديب فريزر… الموضوع بقى كسر خاطر بين أم وابنها. عدّى يومين وأنا ما كلمتش يحيى، وهو كمان ما حاولش يكلمني. كنت متضايقة منه، مش عشان المفتاح، لكن عشان الطريقة اللي وقف بيها قدام مراته وقال لي إني غلطانة.

كنت كل ما أفتكر كلامه أحس إن ابني اللي ربيته وكبرته بقى شايفني واحدة غريبة عنه.وفي اليوم التالت، سمعت خبط على الباب. فتحت، لقيت يحيى واقف لوحده. بصيت له من غير ما أتكلم، فقال: ـ ممكن أدخل يا ماما؟ تنحيت من قدامه، ودخل وقعد. فضل ساكت شوية، وبعدها قال: ـ أنا جاي أقولك إن موضوع المفتاح ضايقني أنا كمان. قلت له: ـ ما أنت اللي طلبته. ـ عارف، بس أنا أخدته عشان أحل المشكلة، مش عشان أقطعك عن شقتي. إنتِ أمي، وبيتي بيتك، بس كان لازم أعرف قبل ما تجمعي كل الناس هناك. سكت، فقال:

ـ وأنا كمان غلطت لما اتعصبت عليكي قدام مراتي. كان المفروض أتكلم معاكي لوحدنا. بصيت له وقلت: ـ وأنا كمان غلطت يا ابني. كنت فاكرة إن طالما الشقة بتاعتك وإنت مسافر، يبقى عادي أستخدمها. بس اكتشفت إن البيت بعد الجواز بقى له خصوصية، ومراتك من حقها تحس إن بيتها أمان ومحدش يدخله من غير علمها. ابتسم وقال: ـ يعني رجعنا نتكلم بالعقل؟ ضحكت لأول مرة من كام يوم وقلت: ـ رجعنا… بس المفتاح؟ طلع المفتاح من جيبه وحطه قدامي. ـ خليه معاكي، بس بشرط. بصيت له: ـ إيه؟

ـ للطوارئ بس فعلًا، وأي تجمع أو قعدة أو عزومة، أعرف بيها أنا ومراتي الأول. هزيت رأسي وقلت: ـ موافقة. وقبل ما يمشي، قال لي: ـ وبالنسبة للأكل اللي أمها بتبعته، سيبيه يا ماما. ده بينها وبين أمها، ومش كل حاجة تتحول لحسابات بين العيلة. سكت لحظة، وبعدها قلت: ـ عندك حق. وقتها فهمت إن المشكلة ما كانتش في بطتين وفرختين وكيس لحمة، ولا حتى في تكييف اشتغل يومين. المشكلة بدأت لما كل واحد فينا اعتبر إن من حقه يتصرف من غير ما يحسب حساب مشاعر التاني. أنا كنت شايفة إن ده بيت ابني، ومن حقي أدخله وقت ما أحب.

وهي كانت شايفة إن ده بيتها، ومن حقها تعرف مين بيدخله وإيه اللي بيحصل فيه. وفي الآخر عرفت إن صلة الد.م مش معناها إن الحدود تختفي، وإن كلمة «أهلي» مش معناها إن الاستئذان مالوش لازمة. ومن يومها، بقيت لما أحب أروح شقة ابني أتصل بيه الأول، وهو كمان بقى لما يسافر يطمنني ويقول:ـ لو احتجتي حاجة من الشقة يا ماما، المفتاح معاكي. وأنا أرد عليه: ـ متخافش يا ابني… المفتاح عندي، لكن عمري ما هفتحه إلا وإنت عارف. وساعتها بس رجعت علاقتنا زي الأول…

لأننا فهمنا إن الحفاظ على العيلة مش إن كل واحد يعمل اللي شايفه حقه، لكن إن كل واحد يعرف حدود حقه ويحترم حق غيره.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى