
بدأوا يلموا بقية الحاجات من الطرقة. وقف واحد منهم عند ترابيزة المطبخ اللي كنا قاعدين عليها وسمح لنفسه يقول: “يا هانم، الترابيزة دي والكرسيين هنحملهم دلوقتي على العربيات، فاضل حاجة ثانية هنا؟” نادية بصت للترابيزة، وبعدين بصتلي وقالت للشاب: “لا، الترابيزة دي مش طالعة معانا على العربية.” الشاب استغرب: “أمال هتروح فين؟” نادية شاورت عليا وثبتت نظرتها عليه بثقة: “الترابيزة دي والكرسيين رايحين مع الأستاذة أمل.. حملوهم في عربيتها هي.” أنا اتسمرت مكاني. الترابيزة دي كانت شاهدة على كل ساندوتش أكلته بسرعة وأنا واقفة، وعلى كل لحظة تعب حسيتها في البيت ده. طلبت منها بذهول: “يا ست نادية..
ما ينفعش، دي حتة من بيتك القديم، ذكرياتك أنتِ وعيلتك!” نادية قربت مني وحطت إيدها على كتفي وقالت بنبرة حنونة بس حاسمة: “الترابيزة دي اتقال عليها كلام كتير حلو النهارده، واتجمعت عليها روحين طالعين من نفس الوجع. الترابيزة دي مش مكانها المطبخ الجديد بتاعي.. مكانها عندك في بيتك، عشان تقعدي أنتِ وبنتك عليها وتتكلموا عن المستقبل.” العمال حملوا الترابيزة والكرسيين ونزلوا بيهم على عربيتي الكركوبة اللي كانت مركونة بره. الكنبة الوراانية اللي كنت مفضياها الصبح عشان أخد شوية هدوم أو مواعين قديمة، أخدت الترابيزة والكرسيين بالضبط كأن المكان كان متقاس عشانهم من الأول. رجعت نادية للبيت الفاضي تماماً.
وقفنا في نص الصالة، ما بقاش فيه غير الأبواب المقفولة وشباك واحد يدخل منه ضوء الشمس. قربت منها وحضنتها للمرة الثانية، والمرة دي الحضن كان أطول وأعمق. وقلت لها بصوت مبشوح: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. الفلوس والجامعة والترابيزة.. كل ده كتير أوي عليا.” نادية هزت رأسها بابتسامة دافية وقالت: “أفضل طريقة تشكريني بيها يا أمل.. إنك تروحي للبيت، وتسلمي لي على بنتك، وتخليها تذاكر وتجيب المجموع اللي بتحلم بيه. مش عايزة منك غير إنك تكوني بخير.” قفلت نادية باب البيت القديم للمرة الأخيرة، ونزلنا السلم مع بعض.
هي ركبت عربية بنتها اللي كانت مستنياها تحت، وأنا وقفت أراقب العربيات وهي بتبعد وتختفي في أول الشارع. ركبت عربيتي، وبصيت للمراية الوراانية.. شفت الترابيزة والكرسيين مرصوصين ورا، والظرف التخين محطوط على الكرسي اللي جنبي. دورت عربيتي ومشيت في الطريق لبيتي.. بس المرة دي، السواقة ما كانتش تقيلة، والهوا كان حاساه خفيف وصافي. لأول مرة من ثمان سنين، ما كنتش شايلة هم الخميس الجاي.. كنت مستنية الصيف. الاخير أنا كنت بنضف بيت نفس2 وصلت البيت والعربية مركونة تحت العمارة. نزلت وبصيت للشنطة المفتوحة والترابيزة والكرسيين الملفوفين ببطانية قديمة في الكنبة الوراانية. كان الشارع هادي في الوقت ده من بعد الظهر.
طلعت السلم خطوة بخطوة، مسكة الظرف في إيدي كانت أقوى من أي حاجة ثانية. فتحت باب شقتي الصغيرة، ولقيت بنتي قاعد على ترابيزة الصالة الصغيرة، حواليها كتب الثانوية العامة والمذكرات، وباصة في الملازم بتعابير وش مجهدة وشكلها شايل هم كل كلمة بتمتحن فيها. أول ما سمعت صوت الباب فتحت ورَفعت رأسها: “تأخرتي ليه يا ماما؟ مش قيلالي هتروحي وتيجي بسرعة؟” ما رديتش عليها فوراً. حطيت مفاتحي على الرف وقربت منها بالراحة. بصيت في وشها اللي شبهي، وشفت الفزع المستتر في عينيها من المستقبل، من مصاريف الدروس، ومن حلم التمريض اللي كانت خايفة تحرم نفسها منه عشان الفلوس.
قعدت جنبها على الأرض وحطيت الظرف التخين على الترابيزة قدامها. بنتي بصت للظرف بستغراب وضيقت عينيها: “إيه ده يا ماما؟” “افتحيه يا نور.” بصوت مش قادرة أسيطر على رنته. نور مدّت إيدها، مسكت الظرف واستغربت تقله، وبعدين فتحت لسان الظرف وطلعت الأوراق. بدأت تقرأ السطور الأولى، وعينيها بتتنقل بين الشهادات وحساب الاستثمار المفتوح باسمها والخطاب المكتوب بخط الست نادية. شفت الصدمة وهي بتتشكل على وشها تدريجياً، لغاية ما جمود وشها اتفك، والدموع جمعت في عينيها بسرعة. “ماما… إيه الحاجات دي؟ دي مصاريف الجامعة كلها! مين… إزاي؟” مسكت إيديها الاثنين بين إيديا وقلت لها: “الست نادية…
الست اللي بنضف عندها كل خميس بقالي ثمان سنين.” نور بصتلي بذهول مش مصدقة: “الست اللي كنتِ بتمشي قبل ما تمشي من عندها عشان ما تتقليش عليها؟ اللي كنتِ بتسيبيلك أزازت المية على الترابيزة؟” “هي يا نور… طلعت كانت شايفانا طول الوقت. كانت شايلة همك وهمي من غير ما تحسسنا بحاجة، ومن ثمان سنين وهي بتعمل الصندوق ده عشان يوم زي ده.” نور حطت الأوراق على صدرها وقامت ارتمت في حضني. بكينا إحنا الاثنين، بس المرة دي ما كانش بكاء تعب أو خضار من بكرة، كان بكاء نِفس عميق أخيراً قدرنا ناخده بعد سنين من الخوف.
بعد ما هدينا، بصيت لنور وقلت لها: “إنزلي معايا تحت… فيه أمانة ثانية نادية بعتاهالك بنفسها.” نزلنا الشارع، فتحت باب العربية الورااني، وساعدتني نور في شيل الكرسيين والترابيزة الخشب القديمة. طلعناهم الشقة، وحطيناهم في نص الصالة الصغيرة بعد ما شيلنا الترابيزة البلاستيك القديمة المكسورة. الترابيزة الخشب المدهونة بطلاء بني دافي غيرت شكل المكان كلياً. حطينا الكراسي، وقعدنا عليها إحنا الاثنين. نور حطت إيدها على الملمس الخشب الناعم للترابيزة وقالت بصوت خافت: “الترابيزة دي شكلها شايل حكايات كتير أوي يا ماما.” “شايلة ثمان سنين تعب… وثمان سنين حنية ما كناش شايفينها.”




