
حكايات. نورهان العشري هربي ولادك و اخدم امك و انت تتهنى مع الهانم مراتك لكن ملكش حق فيا كزوج. باختصار متقربش مني ولا حتى تلمسني. من النهاردة أنا هنا “مربية” وبس. ملكش عندي غير خدمة بيتك وعيالك، لكن رانيا الست.. ماتت في اللحظة اللي شافتك مع واحدة غيرها . للمرة التانية ملكش حق فيا كزوج، ولا تقرب من باب الأوضة دي طول ما أنا فيها.” الشارع كان هادي، بس جوه صدـ,,ـــر رانيا كان فيه بركان شغال. واقفة مدارية في مدخل العمارة اللي قصاد عمارتها القديمة عينيها مش مفارقة الباب. و عقلها عمال يودي و يجيب و بتتمنى أن شكوكها تطلع غلط “معقول يا سعيد؟ معقول كل الحنية دي كلها كانت كذب و كل حاجة مجرد لعبة ” كانت بتكلم نفسها وهي ض,اغطة على إيدها لحد ما ضوا,فرها علمت في كفها. افتكرت لما حاولت تفتح شقتها القديمة “مملكتها” اللي عاشت فيها أحلى 6 شهور معاه، والمفتاح مرضيش يلف.. القفل اتغير! كأنهم بيمسحوا أثرها من المكان. فجأة، باب العمارة اتفتح. قلبها وقع في رجليها. خرج سعيد، كان لابس قميصه اللي هي بتحبه، ووشه منور بضحكة مكنتش بتفارق خياله وهو معاها.. بس المرة دي الضحكة مكنتش ليها. وراه على طول خرجت جيهان، لابسة عباية شيك وماسكة في دراعه بدلع وبيركبها العربية كأنها ملكة. حكايات نورهان العشري رانيا محسيتش بنفسها وهي بتجري عليه، صوت جزمتها على الأسفلت كان زي طبول الحرب. رانيا بصوت مخنوق ومزلزل: “يا محاسن الصدف! بقى هو ده البيت اللي مروحتوش من وقت ما سبناه يا حاج سعيد؟ ومش هي دي بردو “الست اللي طلبت الطلاق” وسابتلك عيالك متبهدلين؟” سعيد اتسمر مكانه، ملامحه اتغيرت من الضحك للرعب في ثانية. جيهان بصت لرانيا من فوق لتحت بابتسامة شماتة باردة وقالت: “إيه ده يا سعيد؟ مش دي الشغالة الجديدة اللي جبتها للعيال؟” رانيا صرخت بوجع: “شغالة في عينك! أنا مراته يا هانم، أنا اللي ضحك عليا باسم الحنية والحب و فهمني أنه مش متجوز أصلًا . أنا اللي راح رماني في شقة صغيرة فوق أمه عشان تخلي للهانم الشقة الكبيرة!” سعيد حاول يقرب منها ويمسك إيدها بصوت واطي: “وحدي الله يا رانيا، اهدي بس وفهمي.. والله كل حاجة وليها سبب، أنا عملت كدة عشان..” رانيا نفضت إيدها منه بقرف: “عشان إيه؟ عشان تراضي الهانم اللي بهدلتك؟ ولا عشان تكسرني وتذلني وتعرفني إني مليش ضهر؟ أنا هربت من مرات أبويا وقرفها عشان أقع في واحد كذاب زيك؟ إنت طلعت أوحش منهم كلهم يا سعيد.. إنت سكنتني في “الجحر اللي في بيت أهلك عشان تفضي لها الجو هنا! حكايات نورهان العشري جيهان ببرود: “خلصنا بقى يا حبيبي، يالا بينا عشان نتغدى برة، والست دي تصرفها من هنا بدل ما ألم عليها الشارع وأقول إنها ماشية وراك و بترمي بلاها علينا سعيد بصلها بغضب و شخط فيها ـ اسكتي يا جيهان و اركبي العربية.. رانيا بصت لسعيد بعين مليانة دموع وقهرة، كانت مستنية منه رد فعل اقوى من كدا كانت مستنية منه قلم يطير وش جيهان، أي رد فعل يثبت إنه لسه الراجل اللي حبته.. بس سعيد قالها بحدة ” روحي ولما اجيلك نبقى نتكلم ” وفتح باب العربية ورك و مشي رانيا وهي بتصرخ وراه والعربية بتتحرك: “ماشي يا سعيد.. والله ما ههنيكم، والبيت اللي دخلته بالكدب، هخرج منه وأنا كاسرة عنيكم!” وقعت رانيا على الرصيف، الدنيا بتلف بيها، ومبقتش عارفة تروح فين.. بيت أبوها اللي أشبه بالجحيم، و لا بيت سعيد طلع مجرد كذبة رخيصة حكايات نورهان العشري ***** رانيا كانت قاعدة في ركن الأوضة ضامة رجليها لصدـ,,ـــرها ودموعها مش راضية تقف. البيت اللي كانت فاكراه جنة طلع فخ، والراجل اللي أنقذها من ذل مرات أبوها، طلع هو اللي بيذلها بأدب. الباب اتفتح وسعيد دخل بوش خالي من التعبير، قعد على الكرسي الوحيد في الأوضة واتنهد تنهيدة تقيلة. سعيد بصوت هادي: “خلاص يا رانيا؟ خلصتي عياط؟ الشوية اللي عملتيهم تحت العمارة دول مكنش لهم لازمة” رانيا رفعت عينها المليانة قهر: ” مكنش لهم لازمة! بقى تضحك عليا و تفهمني انك مش متجوز، وبعدها تطلع بتكذب، تقولي أن مراتك سابتلك عيالك و مشيت وانكوا هتطلقوا و أتاريك واخدها و رايحين تقضوا شهر عسل في بيتي! و سايبني لعيالك يمرمطوني؟! سعيد كان مقدر حالتها و لكنه كان لازم يحط النقط على الحروف قام وقف وحط إيده في جيبه وهو بيقول: “بصي يا بنت الناس، عشان ننهي القصة دي.. أنا راجل مقتدر وأقدر أفتح بيت واتنين و تلاتة، ولما قولتلك اني مش متجوز كان عشان أنا و أم مازن بيننا مشاكل و ربنا أراد أنها تتحل. أنا ربنا يعلم بحبك لكن جيهان دي عشرة عمري وأم عيالي، و لما عرفت إني اتجوزت عليها قلبت الدنيا وكانت عايزة تطلق، وأنا مقدرش أعيش من غيرها ولا أهد بيتي أبدًا.” رانيا ضحكت بوجع وسط دموعها: “وتفرط فيا أنا؟ تفرط في اللي صدقتك وفتحتلك قلبها؟” سعيد قرب منها وقال بلهجة حاسمة: “أنا ربنا يعلم مش عايز افرط فيكي أبدًا، لكن أنا بخيرك.. أنتي دلوقتي على ذمتي، وشقتي التانية جيهان رجعت فيها وده حقها، وأنتي هتعيشي هنا مع أمي في البيت دا.. و هتخلي بالك من ولادي مع ولادك، وتراعي أمي، ومصاريف عيالك من الألف للياء عليا، لبس ومدارس وأكل وشرب، ومحدش هيقدر يمس شعرة من عيالك طول ما أنتي هنا.” حكايات نورهان العشري رانيا صرخت فيه: “يعني عايزني خدامة؟ خدامة بلقمتي و لقمة عيالي صح؟” سعيد حاول يجبرها تفضل معاه بس بطريقة تانية: “سميها زي ما تسميها.. بس فكري قبل ما تطلقي، فكري كويس لو اطلقتي هترجعي لبيت أبوكي؟ لمرات أبوكي اللي كانت بتعد عليكي اللقمة؟ أو هتطلعي تشتغلي و تتبهدلي عشان تربي ولادك ! رانيا بحزن : أنت بتعجزني بكلامك دا سعيد حاول ميتأثرش بحزنها وقال بهدوء ـ ده اللي عندي.. هتقعدي وتربي العيال، ولا تطلقي وتطلعي برة بكرامتك اللي مش هتأكلك عيش؟” رانيا حست إن الحيطان بتطبق عليها. صورة مرات أبوها وهي بتزعق في عيالها والذل اللي شافته هناك ظهر قدام عينيها زي الكابوس. بصت لولادها اللي نايمين في الأوضة التانية، وعرفت إنها محبوسة بين نــ,,ـــــارين. مسحت دموعها بظهر إيدها، ووقفت قصاده، عينيها كانت ميتة، مفيهاش ذرة حب لسعيد خلاص. رانيا بصوت ناشف زي الحجر: “موافقة أقعد و تربي عيالك و عيالي وهخدم أمك.” سعيد ابتسم بانتصار ومد إيده يطبطب على كتفها: “كنت عارف إنك عاقلة يا راني…” رانيا نفضت إيده بقوة وبصتله بنظرة خوفتُه: “بس بشرط. هربي ولادك و اخدم امك و انت تتهنى مع الهانم مراتك لكن ملكش حق فيا كزوج. باختصار متقربش مني ولا حتى تلمسني. من النهاردة أنا هنا “مربية” وبس. ملكش عندي غير خدمة بيتك وعيالك، لكن رانيا الست.. ماتت في اللحظة اللي شافتك مع واحدة غيرها . للمرة التانية ملكش حق فيا كزوج، ولا تقرب من باب الأوضة دي طول ما أنا فيها.” حكايات نورهان العشري # حكايات_نورهان_العشري لو عايزين تعرفوا حصل أيه سيبولي لايك و كومنت و هرد عليكم باللينك ♥️ النسخ مسموح و لكن يُحذر على السادة الناشرين حذف اسمي من المقال داخل اللينك أو في الاقتباس و من يفعل ذلك يتم عمل بلاغ حقوق ملكية ✌️ رانيا فضلت واقفة قدام سعيد، مستنياه يرد على كلامها، لكنه فضل باصصلها باستغراب، كأنه لأول مرة يشوف الست اللي كانت من شوية بتترجاه ما يسيبهاش، واللي كانت بتفرح من أقل كلمة حلوة يقولها لها. سعيد حاول يضحك ضحكة صغيرة وهو بيقول: ـ إيه يا رانيا؟ إنتِ بتتكلمي بجد؟ يعني إيه مش جوزك ومش هتقربي مني؟ هو إحنا في مسرحية؟ أنا جوزك على سنة الله ورسوله، واللي بينا محدش يقدر يغيره. رانيا بصتله من غير ما ترمش، وردت بهدوء أخطر من الصريخ: ـ وإنت فاكر إن الجواز ورقة بتديك الحق تعمل اللي إنت عايزه؟ فاكر إنك لما تكتب اسمي في قسيمة جواز يبقى بقيت تملك قلبي وجسمي وعمري؟ لأ يا سعيد، إنت غلطان. أنا كنت مراتك لما كنت فاكرة إنك راجل بيحبني وبيخاف عليا، لكن دلوقتي إنت بقيت بالنسبة لي أبو ولاد، وراجل مسؤول عن مصاريفهم، وبس. سعيد اتنرفز من نبرة صوتها. ـ إنتِ بتعاقبيني عشان رجعت لمراتي الأولى؟ طب وأنا أعمل إيه؟ أرمي عيالي في الشارع عشان أرضيكي؟ أسيب أمهم وأهد بيتي؟ رانيا هزت راسها وهي بتقول: ـ محدش قالك سيب عيالك، ولا حد قالك تهد بيتك. أنا كل اللي كنت عايزاه إنك تقولي الحقيقة من الأول. كنت تقول لي إنك متجوز، وإنك مش قادر تستغنى عن مراتك، وإنك عايز تتجوزني عشان تبقى مرتاح معايا ومعاها. كنت ساعتها هبقى حرة أوافق أو أرفض. إنما إنت عملت إيه؟ بنيت حياتي على كذبة، ولما اتكشفت، بدل ما تعتذر، جيت تحطني قدام اختيارين، يا أعيش خدامة عند أمك وأربي عيالك، يا أرجع للمكان اللي إنت عارف كويس إني كنت بهرب منه. سعيد سكت لحظة، وبعدها قال بنفاد صبر: ـ يا ستي اعتبري إني غلطت، وأنا بعتذر لك. بس الحياة لازم تمشي، وإنتِ عندك عيال وأنا عندي عيال، وأمي ست كبيرة ومحتاجة حد يرعاها. وإنتِ بدل ما تقفي جنبي، بتعملي مشكلة من كل حاجة. رانيا ضحكت ضحكة قصيرة، فيها وجع أكتر من أي عياط. ـ أقف جنبك؟ أنا كنت مستعدة أقف جنبك لو الدنيا كلها وقفت ضدك. كنت مستعدة أبيع دهبي عشان أساعدك لو اتزنقت، وكنت مستعدة أعيش معاك في أوضة على السطوح لو ده اللي تقدر عليه. لكن عمري ما تخيلت إنك هتخليني أعيش في أوضة فوق أمك عشان تفضي الشقة الكبيرة لمراتك، وبعدين تيجي بكل بجاحة تقول لي إني لازم أقف جنبك. سعيد قرب من الباب، وبص ناحية الأوضة اللي فيها الولاد. ـ خلي صوتك واطي، العيال نايمين. رانيا ردت عليه فورًا: ـ متخافش، أنا مش هصرخ. أنا خلاص عرفت إن الصريخ مش بيرجع حق، وإن الدموع مش بتخلي الراجل اللي كذب يبقى صادق. بس افتكر كويس يا سعيد، أنا وافقت أقعد هنا عشان ولادي، مش عشانك. وأول ما أقدر أقف على رجلي، محدش هيقدر يجبرني أفضل دقيقة واحدة في المكان ده. سعيد كان عايز يرد، لكنه سمع صوت أمه من الصالة. ـ يا سعيد! إنت واقف عندك ليه كل ده؟ الست وصلت ولا لسه؟ أنا بقالي ساعة مستنياها تساعدني أقوم من على السر,,ـــــير! رانيا بصت ناحية الباب، وبعدها رجعت بعينيها لسعيد. ـ أهي الست اللي أنا هخدمها نادت. اتفضل يا حاج سعيد، روح لمراتك، وأنا هروح أشوف أمك محتاجة إيه. قالت آخر جملة وهي بتعدي من جنبه، من غير ما تستنى رده. سعيد فضل واقف مكانه، مش فاهم إزاي الست اللي كانت بتجري وراه عشان تراضيه، بقت بتعدي من جنبه كأنه قطعة أثاث. لكنه أقنع نفسه إن ده غضب مؤقت، وإن رانيا مع الوقت هتهدى، وهترجع زي الأول، خصوصًا إنها في النهاية محتاجة له. وكان دي أول غلطة ارتكبها بعد ما خسر ثقتها. دخلت رانيا أوضة أم سعيد، الحاجة زينب، وكانت ست كبيرة عندها حوالي سبعين سنة، جسمها ضعيف وبتعاني من وجع في رجليها، لكنها لسه محتفظة بشخصية قوية ولسان محدش بيقدر يوقفه. أول ما شافت رانيا، أشارت بإيدها للكرسي اللي جنب السر,,ـــــير. ـ إنتِ كنتِ فين كل ده؟ أنا بنادي من بدري! رانيا قربت منها وقالت بأدب: ـ كنت بظبط حاجات الولاد يا حاجة، خير؟ محتاجة إيه؟ الحاجة زينب بصتلها من فوق لتحت. ـ محتاجة إيه؟ هو أنا هقولك تعملي إيه كل يوم؟ المفروض إنتِ اللي تبقي عارفة. أنا عايزة أشرب، والدواء بتاعي معادُه جه، وبعدها تشوفي الغدا. سعيد قال لي إنك هتريحي دماغي من شغل البيت. رانيا وقفت لحظة، واستوعبت إن سعيد كان مجهز لها دورها من قبل حتى ما تعرف الحقيقة. ردت بهدوء: ـ حاضر يا حاجة، هجيب لك الميه والدواء، وبعدها أشوف الغدا. وهي بتجيب الكوباية من المطبخ، سمعت الحاجة زينب بتنادي عليها تاني. ـ يا رانيا! حطي الميه على الترابيزة، مش على الكومودينو. إنتِ مش شايفة ولا إيه؟ رانيا رجعت وعدلت الكوباية، وبعدها قدمت لها الدواء. الحاجة زينب أخدته، وفضلت تبص لها شوية قبل ما تسألها: ـ مالك؟ وشك متغير كده ليه؟ ـ مفيش يا حاجة، تعبانة شوية. ـ تعب إيه بس؟ ده إنتِ لسه في عز شبابك. وبعدين الست اللي تتجوز راجل عنده عيال وأم كبيرة لازم تبقى عارفة إنها داخلة على مسؤولية. مش كل واحدة تتجوز وتفتكر إن جوزها هيقعد يبوس إيديها ويقول لها يا حبيبتي طول اليوم. رانيا سمعت الكلام وسكتت. كانت تقدر ترد وتقول إن الجواز مش معناه إن الست تتحول لخادمة، وإن المسؤولية لازم تكون متقسمة، لكنها قررت من أول يوم إنها مش هتدخل في خناقات ملهاش آخر. الحاجة زينب كملت: ـ وبعدين، أنا عايزاكي تفهمي حاجة. جيهان مرات ابني الأولى، ودي ست بيتها معروف ومكانتها معروفة. إنتِ هنا مرات تانية، فلازم تعرفي حدودك. أنا مش عايزة مشاكل بينك وبينها، ولا عايزة أسمع صوتك عالي في البيت. رانيا رفعت عينيها للحاجة زينب. ـ حاضر يا حاجة، أنا مش عايزة مشاكل مع حد. ـ كويس. يبقى روحي شوفي العيال، وبعدها اعملي الغدا. خرجت رانيا من الأوضة، وأول ما وصلت للمطبخ، سندت إيديها على الرخامة وغمضت عينيها. كانت حاسة إنها اتنقلت من سجــ,,ـــــن لسجــ,,ـــــن، والفرق الوحيد إن السجــ,,ـــــن الأول كانت عارفة إنه سجــ,,ـــــن، أما ده فدخلته وهي فاكرة إنه بيت هتلاقي فيه الأمان. مسحت دمعة نزلت من غير ما تحس، وبدأت تحضر الأكل. كانت بتقطع الخضار، وفجأة سمعت صوت خطوات صغيرة وراها. لفت لقت بنتها ليلى، عندها ست سنين، واقفة عند باب المطبخ وشعرها منكوش من النوم. ـ ماما؟ رانيا سابت السكــ,,ـــــينة فورًا، ونزلت لمستوى بنتها. ـ يا قلب ماما، صحيتي ليه يا حبيبتي؟ ليلى بصتلها بقلق. ـ إنتِ بتعيطي؟ رانيا ابتسمت غصب عنها ومسحت وشها. ـ لأ يا روحي، عيني بس دخل فيها حاجة. البنت مدت إيدها الصغيرة ومسحت خد أمها. ـ طب أنا هفضل جنبك عشان الحاجة متدخلش عينك تاني. رانيا ضمتها لصدـ,,ـــرها، وحست إن قلبها بيتقطع. كان نفسها تاخد ولادها وتمشي في اللحظة دي، تخرج من البيت كله، وتدور على أي مكان يلمهم. لكن كان معاها مبلغ صغير جدًا، وطفلين محتاجين أكل ولبس ومدرسة، ومفيش حد مضمون تقدر تلجأ له. همست لبنتها: ـ ربنا يخليكي ليا يا ليلى. إنتِ وأخوك مالك أغلى حاجة عندي في الدنيا. ليلى سألتها ببراءة: ـ هو إحنا هنفضل هنا كتير يا ماما؟ رانيا اتجمدت. ـ ليه يا حبيبتي؟ ـ عشان البيت ده مش شبه بيتنا. وعمو سعيد مش بيضحك لنا زي الأول، والست اللي كانت معاه النهارده بصت لنا بصّة وحشة. رانيا حست إن بنتها شايفة أكتر مما كانت متخيلة. بصتلها وقالت: ـ اسمعيني يا ليلى، إنتِ ومالك ملّكوش دعوة بأي حاجة بين الكبار. إنتوا تذاكروا وتلعبوا وتاكلوا كويس، ومحدش منكم يشيل هم حاجة. فاهمة؟ ليلى هزت راسها، وبعدها سألت السؤال اللي وجع رانيا أكتر من كل اللي حصل. ـ طب هو عمو سعيد لسه بيحبك يا ماما؟ رانيا فضلت ساكتة ثواني طويلة. وبعدين قالت: ـ مش كل الناس اللي بتقول إنها بتحبنا بتعرف تحافظ علينا يا حبيبتي. بس إنتِ متخافيش، ماما بتحبك إنتِ وأخوك، ومش هتسيبكم أبدًا. ليلى حــ,,ـــــضنتها بقوة، ورانيا فضلت ضاماها وهي بتبص للباب. في اللحظة دي، فهمت إن قرارها مش مجرد تحدي لسعيد، ولا محاولة إنها تحافظ على كرامتها. ده قرار لازم تنجح فيه عشان طفلين معندهمش ذنب في أي حاجة. عدت أول ليلة على رانيا تقيلة، وكل دقيقة فيها كانت بتحسسها إنها غريبة عن المكان. بعد العشا، سعيد رجع من بره، ودخل الصالة وهو بيتكلم في التليفون مع جيهان. ـ خلاص يا حبيبتي، أنا هاجي بكرة بدري، متقلقيش. آه، العيال هنا كويسين. أيوه، رانيا موجودة، وهتساعد أمي في كل حاجة. رانيا كانت قاعدة جنب ولادها، بتراجع معاهم الحروف والأرقام اللي حفظوها، لكنها سمعت كل كلمة. سعيد قفل التليفون، وبص لها. ـ رانيا، هاتي لي الشاي. رفعت عينيها له، وبعدها قامت من غير ما تتكلم. عملت الشاي وحطته قدامه، ولما مدت إيدها عشان تحط الكوباية على الترابيزة، سعيد مسك إيدها. ـ استني، إنتِ لسه زعلانة مني؟ رانيا سحبت إيدها فورًا. ـ لو سمحت، متلمسنيش. سعيد بص حواليه، واتأكد إن الولاد مش مركزين معاهم. ـ إنتِ هتفضلي على الحال ده كتير؟ أنا فاهم إنك زعلانة، لكن مش معقول تفضلي تعاقبيني العمر كله. رانيا قالت بصوت واطي: ـ أنا مش بعاقبك. أنا بس بطبق اللي إنت اخترته. إنت اخترت تعيش مع جيهان، وأنا مش هقف بينك وبينها. بس في نفس الوقت، متطلبش مني أمثل عليك إني مراتك اللي بتحبك وبتغير عليك وبتستناك آخر اليوم. ـ يعني إنتِ خلاص مش بتحبيني؟ رانيا بصت له طويلًا. ـ السؤال ده كان المفروض تسأله لنفسك قبل ما تكذب عليا. دلوقتي مش مهم أنا بحبك ولا لأ. المهم إنك تحترم الحدود اللي أنا حطيتها. سعيد اتنهد بعصبية. ـ طب وأنا هقول للناس إيه؟ أقول لهم مراتي عايشة معايا ومش راضية تكلمني؟ ـ قول لهم اللي إنت عايزه. أنا مش مسؤولة عن صورتك قدام الناس. سعيد قام من مكانه. ـ بكرة هنتكلم، وإنتِ هتكوني هديتي. رانيا ردت من غير ما تبص له: ـ مفيش كلام بينا غير في اللي يخص الولاد والبيت. دخل سعيد أوضته، ورانيا رجعت تقعد جنب ولادها. لكنها لاحظت إن مالك، ابنها اللي عنده تمان سنين، كان باصص لها بتركيز. ـ مالك، مالك يا حبيبي؟ الولد قرب منها وهمس: ـ ماما، هو عمو سعيد زعق لك؟ ـ لأ يا حبيبي، كنا بنتكلم بس. ـ طب لو هو زعلك، إحنا ممكن نمشي ونروح عند خالو؟ رانيا حسّت إن كل كلمة بيقولها ابنها بتكشف لها قد إيه الأطفال بيتأثروا بالحاجات اللي الكبار فاكرين إنهم مش واخدين بالهم منها. حــ,,ـــــضنته وقالت: ـ خالو بعيد يا حبيبي، وبعدين إحنا مش هنمشي في نص الليل. كل حاجة هتتحل، بس عايزاك تبقى راجل وتخلي بالك من أختك وتسمع الكلام. الولد هز راسه. ـ حاضر يا ماما. رانيا باست راسه، وقررت إنها من الليلة دي مش هتسيب نفسها للدموع بس. لازم تلاقي طريق تخرج بيه من الوضع ده. حتى لو الطريق طويل. تاني يوم الصبح، رانيا صحيت قبل الكل. غسلت وشها، وربطت شعرها، وبدأت تجهز الفطار للولاد قبل ما تصحيهم للمدرسة. كانت بتحاول تنظم وقتها، عشان تقدر تخلص شغل البيت وتوصل الولاد وتراجع معاهم دروسهم، من غير ما حد يحس إنها بتقصّر. لكن الحاجة زينب كان عندها رأي تاني. أول ما خرجت من أوضتها، لقت رانيا بتحط الساندوتشات في شنط المدرسة. ـ وإنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟ رانيا ردت: ـ هصحّي الولاد وأوصلهم المدرسة، وبعدها هرجع أجهز لك الفطار. الحاجة زينب اتنرفزت. ـ توصليهم المدرسة؟ وإنتِ مين قالك تخرجي كل يوم؟ ما تخليهم يروحوا مع عربية المدرسة وخلاص، وإنتِ تقعدي تخلصي شغل البيت. ـ أنا متعودة أوصلهم بنفسي، خصوصًا إنهم لسه صغيرين. ـ وأنا بقولك مش كل يوم هتخرجي وتسيبيني لوحدي! رانيا حاولت تتكلم بهدوء. ـ يا حاجة، أنا مش هتأخر، وهكون راجعة قبل الساعة تسعة. الحاجة زينب رفعت صوتها: ـ هو أنا كلامي مش بيتسمع؟ ده بيت ابني، وأنا اللي أقول فيه مين يخرج ومين يقعد! في اللحظة دي، سعيد خرج من أوضته، وكان واضح إنه سمع آخر جملة. ـ في إيه يا أمي؟ الحاجة زينب أشارت لرانيا. ـ مراتك عايزة تخرج كل يوم وتسيبني. وأنا مش موافقة. سعيد بص لرانيا. ـ خلي الولاد يروحوا بعربية المدرسة، وخليكي هنا. رانيا اتفاجئت من رده. ـ أنا مش هسيب ولادي من غير ما أتأكد إنهم وصلوا المدرسة، ومش هتأخر على حاجة تخص مامتك. هخلص مشواري وهرجع. سعيد قرب منها وقال بحدة: ـ أنا قلت خليهم يروحوا بالعربية. رانيا سكتت لحظة، وبعدها قالت: ـ وأنا قلت لك إن ده مش هينفع معايا. الولاد مسؤولية في رقبتي، ومش هتنازل عن حقي إني أتابعهم. سعيد اتعصب. ـ هو كل حاجة عندك تحدي؟! رانيا بصت له بثبات. ـ لأ. بس في حاجات تخص ولادي، مش هتناقش فيها. الحاجة زينب كانت مستنية سعيد يزعق فيها، لكنه لقى نفسه قدام ست مش بتطلب منه رضا ولا بتستنى منه كلمة حلوة. وبعد نقاش طويل، وافق إنها توصل الولاد وترجع بسرعة. خرجت رانيا معاهم، ومشت جنبهم في الشارع وهي بتحاول تبتسم. لما وصلت المدرسة، فضلت واقفة عند البوابة لحد ما شافتهم دخلوا، وبعدها طلعت موبايلها القديم من الشنطة. فتحت قائمة الأرقام، وفضلت تدور لحد ما لقت رقم واحدة صاحبتها القديمة، اسمها نجلاء. نجلاء كانت زميلتها في محل الملابس اللي اشتغلت فيه قبل جوازها، وكانت من الناس القليلة اللي وقفوا جنبها وقت ما كانت بتعاني في بيت أبوها. اتصلت بيها. ـ ألو، نجلاء؟ ـ أيوه، مين معايا؟ ـ أنا رانيا. نجلاء صرخت من الفرحة. ـ رانيا! يا بنتي إنتِ فين؟ أنا بقالي كتير بحاول أوصلك! رانيا حاولت تثبت صوتها. ـ أنا محتاجة أشوفك ضروري، لو تقدري. نجلاء لاحظت نبرة صوتها. ـ مالك يا رانيا؟ إنتِ بتعيطي؟ ـ مش هقدر أشرح لك في التليفون. ينفع نتقابل النهارده؟ ـ طبعًا، قولي لي المكان والساعة وأنا هاجي لك. اتفقوا يتقابلوا في محل عصير قريب من المدرسة، ورانيا قفلت التليفون وهي حاسة إن فيه نافذة صغيرة اتفتحت في الحيطة اللي كانت حابساها. لأول مرة من يوم ما اكتشفت الحقيقة، حسّت إنها مش لوحدها تمامًا. نجلاء وصلت في معادها، وأول ما شافت رانيا، حــ,,ـــــضنتها بقوة. ـ إيه اللي حصلك يا بنتي؟ وشك مخطوف كده ليه؟ وإنتِ ليه مبقتيش بتردي على مكالماتي؟ رانيا طلبت لها عصير، وبعدها بدأت تحكي. حكت لها عن سعيد، وعن الشقة اللي اكتشفت إنه رجّعها لجيهان، وعن الكذبة اللي عاشتها، وعن شرطه إنها تقعد مع أمه وتربي عياله، وعن خوفها على مالك وليلى. نجلاء فضلت ساكتة لحد ما رانيا خلصت، وبعدها قالت بغضب: ـ يعني الراجل ده كان مخبي عنك إنه متجوز، ولما مراته عرفت، بدل ما يتحمل نتيجة اللي عمله، قرر يحطك في بيت أمه خدامة ليهم كلهم؟ رانيا هزت راسها. ـ أيوه. ـ وإنتِ وافقتِ ليه يا رانيا؟ رانيا نزلت عينيها. ـ عشان ولادي. أنا لو خرجت دلوقتي، مش معايا فلوس تكفيني حتى شهر. وبيت أبويا مش مكان أقدر أرجع له. مراته هتخليني أندم على اليوم اللي اتولدت فيه، وولادي هيتبهدلوا معايا. نجلاء مسكت إيدها. ـ طب اسمعيني كويس. إنتِ مش مطالبة تاخدي قرار النهارده، لكن لازم تبدئي تعملي حاجة لنفسك. إنتِ لسه شاطرة في شغل الملابس، وعندك خبرة في البيع وترتيب البضاعة. المحل اللي أنا شغالة فيه محتاج واحدة تساعدنا في شغل الصبح، وصاحب المحل ممكن يوافق إنك تشتغلي ساعات محددة. رانيا رفعت عينيها بسرعة. ـ شغل؟ بس أنا مش هقدر أسيب الولاد ولا أم سعيد. ـ ما أنا بقولك ساعات محددة. هنشوف مواعيد المدارس، ونرتبها. وبعدين، مش لازم تعلني لسعيد عن كل خطوة بتعمليها من دلوقتي. إنتِ مش بتعملي حاجة غلط، إنتِ بتحاولي تقفي على رجلك. رانيا فكرت شوية. ـ طب والفلوس؟ ـ هتكون على قد الشغل في البداية، بس على الأقل هتبدأي تجمعي لنفسك. وأنا هساعدك في اللي أقدر عليه، بس مش عايزاكي تعتمدي عليا. عايزاكي تعرفي إنك تقدري تعيشي بكرامتك. الكلام دخل قلب رانيا. كانت محتاجة حد يفكرها إنها مش مجرد زوجة اتخدعت، ولا أم محاصرة في بيت مش بيتها. هي كمان إنسانة عندها عقل وقدرة وخبرة. قالت لنجلاء: ـ أنا موافقة أجرب. بس بالله عليكي، محدش يعرف حاجة دلوقتي لحد ما أرتب أموري. نجلاء ابتسمت. ـ اتفقنا. وبكرة نتكلم مع صاحب المحل. رانيا رجعت البيت بعد ما اطمأنت على الولاد، وبدأت تعمل شغل البيت زي كل يوم. لكن المرة دي، وهي بتغسل الصحون، كانت بتفكر في يوم جديد ممكن يكون ليها فيه دخل خاص بيها. ـ إنتِ اتأخرتي ليه النهارده؟ ـ كنت بوصل الولاد المدرسة، وبعدها اشتريت شوية حاجات ناقصة. ـ واشتريتي إيه؟ رانيا قالت لها الحاجات اللي جابتها. الحاجة زينب ضيقت عينيها. ـ غريبة، أنا طلبت منك تجيبي حاجات تانية، وإنتِ نسيتيها. رانيا بصت لها باستغراب. ـ حضرتك ما طلبتيش مني حاجة غير اللبن والعيش. ـ لأ، أنا قلت لك تجيبي حاجات تانية كمان. رانيا كانت عارفة إن الكلام ده محصلش، لكنها ما حبتش تدخل في جدال. ـ حاضر يا حاجة، هجيبهم بكرة. الحاجة زينب خرجت، وبعد شوية دخل سعيد. ـ أمي بتقول إنك بتردي عليها وبتجادليها. رانيا حطت الطبق على الرخامة. ـ أنا مجادلتهاش. هي طلبت مني حاجات أنا مجبتهاش، فقلت لها هجيبها بكرة. ـ ماشي، بس أنا مش عايز أسمع إنك مضايقاها. رانيا بصت له. ـ وإنت مش عايز تسمع حاجة تضايقك، صح يا سعيد؟ لا عايز تسمع إني زعلانة، ولا إن أمك زعلانة، ولا إن جيهان ممكن تعرف إنك مش قادر تسيطر على البيت هنا. كل اللي يهمك إن كل حاجة تبقى ماشية زي ما إنت عايز. سعيد اتعصب. ـ إنتِ رجعتي للكلام ده تاني؟! ـ لأ، أنا بقول لك الحقيقة. وإنت لو مش عايز تسمعها، متسألنيش. سابته وخرجت من المطبخ، وفضل سعيد واقف مكانه. كان متعود إن رانيا تخاف من زعله، لكن دلوقتي بقى زعله مش بيغير فيها حاجة. وده كان بيستفزه أكتر من أي صراخ. مرت أيام، وبدأت رانيا تنظم حياتها في البيت بحذر. كانت بتصحى بدري، تجهز الفطار، وتوصل ولادها، وبعدها ترجع تهتم بالحاجة زينب. ولما تخلص، كانت بتخصص وقت صغير تراجع فيه حساباتها وتكتب المصاريف اللي محتاجاها. أما سعيد، فكان بيعيش حياته بين الشقتين. يقضي جزء من اليوم مع جيهان وولاده منها، ويرجع بالليل يتوقع إن كل حاجة هنا ماشية من غير ما يسأل عن أي تفاصيل. وكان كل ما يلاقي رانيا هادية، يفتكر إنها بدأت تتقبل الوضع. في يوم، رجع البيت ومعاه كيس كبير من الحلويات، ودخل المطبخ لقاها بتحضر العشا. ـ رانيا، تعالي خدي الحاجات دي. بصت للكيس. ـ دي إيه؟ ـ حلويات للعيال. جبت لهم اللي بيحبوه. رانيا أخدت الكيس وحطته على الترابيزة. ـ شكرًا. سعيد استغرب. ـ بس كده؟ شكرًا؟ هو أنا جبت لك حاجة غريبة؟ ـ لأ، جبت حلويات للولاد، وأنا شكرتك. ـ إنتِ حتى مش هتسأليني كنت فين النهارده؟ رانيا رفعت عينيها له. ـ كنت فين؟ ـ خلاص، مش مهم. ـ براحتك. سعيد ضحك بعصبية. ـ إنتِ عارفة إنك بقيتي مستفزة بشكل مش طبيعي؟ رانيا رجعت تكمل اللي في إيدها. ـ وأنا عارفة إنك مش متعود إني مبقاش مهتمة تعرفني كنت فين ومع مين وبتعمل إيه. سعيد قرب منها. ـ يعني إنتِ فعلًا مبقاش فارق معاكي أنا؟ رانيا سابت المعلقة، وبصت له للمرة دي بجدية. ـ عايز تعرف الحقيقة؟ أنا لسه بتوجع لما بفتكر اللي حصل. لسه ساعات بصحى من النوم وأفتكر إنك كنت بتقول لي إنك عمرك ما هتكدب عليا، وإنك هتحافظ عليا وعلى ولادي. بس الوجع ده مش معناه إني عايزاك ترجع لي. فيه فرق كبير بين إن الواحد يفضل موجوع من اللي حصل، وبين إنه يكون مستعد ينسى ويرجع لنفس الشخص. سعيد اتسمر مكانه. رانيا كملت: ـ إنت مش محتاج تثبت لي إنك تقدر تصرف عليا، لأن ده أقل واجب تجاه ولادك. ومش محتاج تجيب حلويات عشان تحسسني إنك أب كويس. الأب الكويس بيسأل ولاده عن يومهم، بيقعد معاهم، يعرف هما محتاجين إيه، ويحسسهم إنهم مهمين. إنما إنك تجيب لهم كيس حلويات وتختفي، ده مش كفاية. سعيد حس إن الكلام بيوجعه، فحاول يغير الموضوع. ـ طيب، أنا هقعد معاهم النهارده. ناديهم. رانيا نادت مالك وليلى، والولاد خرجوا من الأوضة. سعيد فتح كيس الحلويات، وبدأ يوزع عليهم. مالك أخد القطعة بتاعته، لكنه فضل باصص لأبوه بتردد. سعيد سأله: ـ مالك يا مالك؟ مش بتحب النوع ده؟ الولد هز راسه. ـ بحبه. ـ أمال مالك؟ مالك بص لأمه، وبعدها قال: ـ هو إنت هتبات معانا النهارده؟ السؤال نزل على سعيد كأنه صفعة. بص لرانيا، وبعدها رجع لابنه. ـ آه يا حبيبي، هبات معاكم النهارده. الولد ابتسم، وجرى جاب لعبته عشان يلعب معاه. رانيا وقفت بعيد، بتراقب المشهد، وحست بحزن عميق. أطفالها كانوا محتاجين أبوهم، حتى لو هي مبقتش قادرة تعتبره زوجها. وده كان أصعب جزء في حياتها الجديدة. إنها لازم تحافظ على حق أولادها في أبوهم، من غير ما تسمح لنفسها ترجع سجينة مشاعرها القديمة. بعد أسبوع، بدأت رانيا شغلها في محل الملابس. كانت بتخرج في الصبح بعد ما تتأكد إن الولاد وصلوا المدرسة، وتروح المحل لمدة كام ساعة، وبعدها ترجع البيت تكمل مسؤولياتها. الشغل كان متعب، لكنه كان بيخليها تحس إنها لسه موجودة. كانت بتتعامل مع الزباين، وترتب الملابس، وتساعد صاحبة المحل في حساب المبيعات. ومع الوقت، بدأت تفتكر تفاصيل كانت ناسية إنها شاطرة فيها. في أول أسبوع، قبــ,,ـــــضت مبلغ صغير، لكنها احتفظت بيه في مكان آمن. ولما رجعت البيت، اشترت لمالك كراسة جديدة كان محتاجها، وجابت لليلى توكة شعر كانت نفسها فيها. الولاد فرحوا بالحاجات البسيطة دي أكتر مما توقعت. ليلى مسكت التوكة وقالت: ـ دي من فلوسك إنتِ يا ماما؟ رانيا ابتسمت. ـ أيوه يا روحي. ـ يعني إنتِ اللي اشتغلتي وجبتيها لي؟ ـ أيوه. ليلى جريت حــ,,ـــــضنتها. ـ أنا بحبك أوي يا ماما. رانيا ضمتها، وفي اللحظة دي حسّت إن تعب اليوم كله يستاهل. لكن فرحتها ما كملتش. سعيد رجع البيت بدري في اليوم ده، وشاف الكراسة والتوكة. سأل رانيا: ـ إنتِ جبتي الحاجات دي منين؟ ـ اشتريتهم للولاد. ـ أنا بسألك جبتيهم منين؟ ـ من فلوسي. سعيد بص لها بحدة. ـ فلوسك إيه؟ إنتِ بتشتغلي؟ رانيا سكتت لحظة. كانت عارفة إن المواجهة دي جاية، لكنها ما كانتش عايزة تحصل بالشكل ده. ـ أيوه، بدأت أشتغل كام ساعة في اليوم. سعيد رفع صوته. ـ ومين سمح لك تشتغلي من غير ما تقولي لي؟ رانيا بصت له باستغراب. ـ أنا محتاجة إذن منك عشان أشتغل؟ ـ إنتِ مراتي، وطبيعي أعرف كل حاجة بتعمليها. ـ وأنا قلت لك إني مش هعيش معاك كزوجة. أنا هنا عشان أربي ولادك وأهتم بأمك، وده اتفاقنا. لكن إني أشتغل عشان أكون قادرة أصرف على نفسي وولادي في الحاجات اللي محتاجينها، ده مش حاجة هتمنعني منها. سعيد ضــ,,ـــــرب بإيده على الترابيزة. ـ أنا مش مقصر معاكي في حاجة! مش ناقصك أكل ولا شرب ولا لبس! رانيا ردت بهدوء: ـ أنا ما قلتش إنك مقصر في مصاريف البيت. لكن أنا مش عايزة أفضل محتاجة أطلب منك كل جنيه. مش عايزة لما ابني يحتاج كراسة أو بنتي تحتاج حاجة بسيطة، أفضل مستنية لحد ما إنت تفتكر. ومش عايزة في يوم أسمع منك إنك بتصرف عليا، وإن من حقك تتحكم في كل حاجة بعملها. سعيد اتنرفز. ـ إنتِ بتخططي لإيه بالظبط يا رانيا؟ ـ مش بخطط ضدك. أنا بخطط لحياتي. ـ حياتك إيه؟ هو أنا حبستك هنا؟ رانيا بصت له بثبات. ـ أيوه يا سعيد. إنت حبستني بالظروف اللي حطيتني فيها، وبخوفي على ولادي، وبإنك عارف إني معنديش مكان أروح له. بس أنا بدأت أدور على باب أخرج منه. وده حقي. سعيد فضل ساكت، وبعدها قال: ـ أنا مش موافق على الشغل ده. ـ وأنا مش محتاجة موافقتك عشان أشتغل. سعيد قرب منها، لكن رانيا رجعت خطوة لورا. ـ خلي بالك من كلامك معايا، أنا مش هسمح لك تتمادي. رانيا رفعت راسها. ـ وأنا كمان مش هسمح لحد يذلني تاني. في اللحظة دي، دخلت الحاجة زينب الصالة، وكانت سامعة آخر الكلام. ـ فيه إيه؟ إيه الصوت العالي ده؟ سعيد رد بعصبية: ـ مراتك بتشتغل من ورايا يا أمي، وبتقول لي إنها مش محتاجة إذني في حاجة. الحاجة زينب بصت لرانيا باستنكار. ـ هو إنتِ ناقصك حاجة؟ ما ابني بيصرف على البيت كله! رانيا كانت تعبانة، لكنها قررت إنها مش هتسمح لحد يحول حياتها لسلسلة اتهامات. ـ يا حاجة، أنا مش باخد من حق حد. أنا بشتغل كام ساعة، وبرجع أعمل كل اللي عليا. ولو الشغل هيأثر على أي مسؤولية تخصك، نتفق على مواعيد مناسبة. إنما إني أعيش من غير أي دخل خاص بيا، ده مش هينفع. الحاجة زينب رفعت حاجبها. ـ هو إحنا هنفتح باب الحكاية دي كل يوم؟ رانيا ردت: ـ لأ يا حاجة، بالعكس. أنا عايزة كل حاجة تبقى واضحة من الأول عشان منرجعش نتخانق عليها. سعيد كان بيبصلها بغضب، لكنه ما لاقاش كلمة يقدر يجبرها بيها على التراجع. ولأول مرة، بدأ يحس إن رانيا مش بتتكلم وخلاص. هي فعلًا بتتغير. بعد كام يوم، حصل موقف خلّى رانيا تشوف جانب مختلف من الحاجة زينب. كانت راجعة من الشغل، ولقت باب أوضة الحاجة زينب مفتوح، وصوتها طالع وهي بتتكلم في التليفون. ـ لأ يا جيهان، ما تقلقيش. رانيا مش هتقدر تعمل حاجة. هي معاها عيالها، ومش هتسيبهم وتخرج. وبعدين سعيد مش هيوافق يديها حريتها بالشكل اللي هي عايزاه. رانيا وقفت مكانها من غير ما تقصد، وسمعت جيهان بترد من الطرف التاني، لكن صوتها كان واطي ومش واضح. الحاجة زينب كملت: ـ أيوه، أنا عارفة إنك مش مرتاحة لوجودها. بس إنتِ لازم تفهمي إن الولاد محتاجين حد يهتم بيهم، وأنا تعبت من شغل البيت. طول ما رانيا موجودة، أنا مرتاحة. وسعيد كمان مرتاح، لأنه عارف إن العيال في إيد أمينة. رانيا حسّت إن دمها بيغلي، لكنها ما دخلتش الأوضة. سمعت الحاجة زينب بتقول: ـ وبعدين، هي بنفسها وافقت تقعد. محدش ضــ,,ـــــربها على إيدها. رانيا رجعت خطوتين لورا، وبعدها دخلت المطبخ وكأنها ما سمعتش حاجة. كانت عايزة تصرخ وتقول للحاجة زينب إنها وافقت تحت الضغط، وإنها مش خادمة عند حد، لكنها قررت إنها مش هتواجهها دلوقتي. مش لأنها خايفة. لكن لأنها بدأت تفهم إن كل كلمة بتقولها لازم تكون في وقتها، وإنها لو عايزة تخرج من البيت ده بكرامتها، لازم تفكر بعقلها مش بغضبها. في المساء، جيهان اتصلت بسعيد وطلبت منه ييجي لها. سعيد خرج من البيت من غير ما يقول لرانيا تفاصيل، ورجع بعد ساعات متأخر. دخل الصالة ولقى رانيا بتذاكر لمالك. وقف شوية، وبعدها قال: ـ رانيا، أنا عايز أتكلم معاكي. رانيا خلصت مع ابنها، وطلبت منه يدخل أوضته، وبعدها بصت لسعيد. ـ اتفضل. سعيد قعد قدامها. ـ جيهان مش مرتاحة للوضع الحالي. رانيا ردت ببرود: ـ دي مشكلتك معاها، مش مشكلتي. ـ هي شايفة إن وجودك في البيت ده ممكن يعمل مشاكل بيننا. رانيا ضحكت بمرارة. ـ وجودي أنا اللي يعمل مشاكل؟ مش الكذب اللي بدأت بيه؟ مش إنك اتجوزتني من غير ما تقول لي إنك متجوز؟ مش إنك خليتني أعيش في بيت أهلك وكنت فاكر إن كل حاجة هتفضل تحت سيطرتك؟ كل ده مش مشاكل، لكن وجودي أنا هو المشكلة؟ سعيد اتنهد. ـ أنا مش جاي أتشاجر معاكي. أنا عايز نحل الموضوع بهدوء. ـ حل إيه؟ ـ جيهان عايزة إنك تروحي تعيشي في مكان تاني. رانيا اتسمرت مكانها. ـ مكان تاني؟ يعني إيه؟ ـ يعني نشوف لك شقة صغيرة قريبة من هنا، وأنا هتكفل بالإيجار والمصاريف، والعيال يفضلوا معاكي. رانيا بصت له طويلًا، وبعدها سألته: ـ وده قرارك إنت كمان، ولا جيهان قالت لك تيجي تعرضه عليا؟ سعيد سكت. وسكوته كان إجابة كفاية. رانيا قامت من مكانها. ـ أنا مش هخرج من هنا عشان جيهان مش مرتاحة. أنا مش هسيب المكان ده إلا لما أكون قادرة أعيش في مكان يناسبني ويناسب ولادي، ومن غير ما أكون مضطرة أستأذن حد عشان أشتري لهم كراسة. سعيد قام هو كمان. ـ أنا هتكفل بالإيجار، وهجيب لك كل اللي تحتاجيه. إنتِ ليه مصممة تصعبي الدنيا؟ رانيا ردت: ـ لأنك كل مرة بتفتكر إن الفلوس هتخلي كل حاجة سهلة. لكن فيه حاجات مش بتتصلح بالفلوس يا سعيد. أنا مش محتاجة شقة جديدة بس، أنا محتاجة أضمن إنك مش هتقدر ترجع تتحكم في حياتي كل ما تعوز. ـ يعني إنتِ عايزة إيه بالظبط؟ ـ عايزة حقي وحق ولادي يبقى واضح. عايزة مصاريفهم تتحدد، ومدارسهم تتأمن، ومفيش حد يستخدم احتياجنا للفلوس عشان يضغط علينا. وعايزة أعرف إن لو خرجت من هنا، مش هبقى معرضة كل يوم إنك تهددني إنك توقف المصاريف. سعيد اتنرفز. ـ هو أنا عمري هددتك إني مش هصرف على ولادي؟ رانيا ردت: ـ إنت مش لازم تقولها صراحة. كفاية إنك كل مرة تفكرني إن مفيش مكان أروح له. سعيد سكت، وبعدها قال: ـ هفكر في كلامك. رانيا أشارت ناحية الباب. ـ فكر براحتك. وأنا كمان هفكر في مستقبلي. خرج سعيد من الصالة، ورانيا فضلت واقفة مكانها. كانت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن كل خطوة هتحتاج منها صبر ومجهود. لكنها لأول مرة بقت بتتكلم عن شروطها، مش عن خوفها. بعد أسبوعين، صاحبة محل الملابس عرضت على رانيا إنها تمسك مسؤولية تنظيم المخزن ومتابعة الطلبات الجديدة، مقابل مرتب أعلى. رانيا فرحت، لكنها بدأت تحسب الوقت. الشغل الجديد هيحتاج منها ساعات أطول، وده معناه إنها لازم تلاقي حل لمسألة الولاد والبيت. اتكلمت مع نجلاء، واتفقوا إن رانيا تشتغل في الصبح، ونجلاء تساعدها في توصيل الولاد في الأيام اللي تتأخر فيها. لكنها ما كانتش عايزة تعتمد على نجلاء بشكل دائم، فبدأت تدور على مدرسة أقرب للبيت، وسألت عن مصاريف النقل، وبدأت تحط خطة للمصاريف الشهرية. كانت بتكتب كل جنيه بيدخل وكل جنيه بيخرج. ومع الوقت، قدرت تجمع مبلغ صغير. مش مبلغ يشتري شقة، ولا حتى يكفي مقدم إيجار كبير، لكنه كان بداية. وفي يوم، وهي راجعة من الشغل، لقت مالك قاعد في الصالة ووشه متضايق. ـ مالك يا حبيبي؟ الولد قام جري عليها. ـ ماما، أنا مش عايز أروح المدرسة دي تاني. رانيا قلقت. ـ ليه؟ حصل إيه؟ ـ الولاد بيضحكوا عليا عشان أنا مش عارف أجيب مصاريف الرحلة، والمدرسة قالت إن آخر معاد للدفع بكرة. رانيا نزلت لمستواه. ـ طب إنت ليه مقولتش لي؟ ـ عشان إنتِ بتتعبي طول اليوم، ومش عايز أزعلك. رانيا حــ,,ـــــضنته. ـ يا حبيبي، إنت مش مسؤول عن أي مصاريف. دي مسؤولية الكبار. لو فيه حاجة مضايقاك، لازم تقولي لي. الولد بدأ يعيط. ـ أنا مش عايز أكون أقل من صحابي يا ماما. رانيا حسّت بوخزة في قلبها. هي كانت بتحاول تبني استقلالها، لكنها لسه في مرحلة صعبة، ولسه كل جنيه بيفرق معاها. لكنها مسحت دموعه وقالت: ـ إنت مش أقل من حد يا مالك. قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه، ولا في الرحلات اللي بيروحها. ومع ذلك، أنا هحاول أوفر لك المصاريف دي. إنت بس متخبيش عني حاجة تاني. في اللحظة دي، سعيد دخل البيت وسمع آخر جملة. سأل مالك: ـ رحلة إيه يا بطل؟ مالك اتردد، لكن رانيا شجعته يحكي. لما عرف سعيد الموضوع، طلع محفظته واداله الفلوس فورًا. ـ خد يا حبيبي، بكرة تدفع المصاريف، ولو محتاج أي حاجة تانية قولي. مالك فرح وشكره، وجري على أوضته. سعيد بص لرانيا. ـ أهو الموضوع اتحل. مش لازم تشيلي كل حاجة لوحدك. رانيا ردت بهدوء: ـ أنا عارفة إنك أبوهم، وإنك لازم تصرف عليهم. ومش همنعك تساعدهم أبدًا. بس أنا كمان عايزة أكون قادرة أوفر لهم احتياجاتهم من غير ما أفضل خايفة إن الظروف تتغير في أي لحظة. سعيد سألها: ـ وإنتِ فاكرة إني ممكن أسيب عيالي من غير مصاريف؟ رانيا بصت له. ـ أنا مش بتكلم عن اللي إنت ناوي تعمله النهارده. أنا بتكلم عن ضمان حقهم بكرة. الظروف بتتغير، والناس بتتغير، واللي النهارده بيقول عمره ما هيبعد، ممكن بكرة يقرر إن وجودك بقى عبء عليه. سعيد اتضايق من كلامها. ـ إنتِ كل كلامك بقى شك فيا. رانيا ردت: ـ الثقة مش حاجة بتطلبها يا سعيد. الثقة حاجة بتتبني، وإنت هدمتها بإيدك. وأنا مش هقدر أرجعها لمجرد إنك جبت كيس حلويات أو دفعت مصاريف رحلة. سعيد سابها ومشي، لكنه فضل طول الليل يفكر في كلامها. كان بدأ يدرك إن رانيا مش بتعمل كل ده عشان تضايقه. هي فعلًا بتحاول تبني حياة ما يكونش هو المتحكم الوحيد فيها. في يوم جمعة، جيهان قررت تيجي تزور الحاجة زينب. دخلت البيت ومعاها علبة حلوى، وبدأت تتكلم مع حماتها عن العيال وأحوالهم. رانيا كانت في المطبخ بتحضر الغدا، ولما خرجت تحط الأطباق على السفرة، جيهان بصتلها بابتسامة باردة. ـ إزيك يا رانيا؟ رانيا ردت بأدب: ـ الحمد لله، إزيك يا جيهان؟ جيهان بصت لها من فوق لتحت. ـ كويسة. واضح إنك اتعودتي على البيت هنا. رانيا حطت الطبق على السفرة. ـ الواحد بيتعود على ظروفه لحد ما يقدر يغيرها. جيهان رفعت حاجبها. ـ تقصدي إيه؟ ـ ولا حاجة، أقصد إن الواحد لازم يتأقلم مع الموجود. جيهان ضحكت بسخرية. ـ بصي يا رانيا، أنا مش جاية أعمل مشاكل. بس لازم تبقي فاهمة إن سعيد بيتي وجوزي، وإن وجودك هنا مش معناه إنك هتفضلي جزء من حياتنا للأبد. رانيا بصتلها مباشرة. ـ أنا عمري ما طلبت أبقى جزء من حياتك يا جيهان. أنا كنت فاكرة إني ببدأ حياة مع راجل صادق، وبعدها اكتشفت إن الحقيقة غير اللي اتقالت لي. إنتِ ليكي حياتك وبيتك، وأنا ليا حياتي وولادي. جيهان سكتت لحظة، وبعدها قالت: ـ طيب، طالما إنتِ عايزة حياتك، ليه لسه قاعدة هنا؟ رانيا كانت تقدر تقول لها إن السبب هو سعيد، وإنه هو اللي حطها في الوضع ده، لكنها اختارت ردًا مختصرًا. ـ عشان لسه برتب أموري. جيهان قربت منها وهمست: ـ خلي بالك، سعيد لما بيقرر حاجة، محدش بيقدر يغير رأيه. رانيا ردت بهدوء: ـ وأنا لما بقرر أحافظ على ولادي وعلى نفسي، مش بستنى حد يغير رأيه. جيهان اتضايقت، لكنها ما ردتش. وقت الغدا، الحاجة زينب طلبت من رانيا تجيب لها طبق مخصوص، وبعدها طلبت منها تساعدها تقوم من مكانها. رانيا قامت تساعدها، لكن جيهان فضلت قاعدة بتتكلم في التليفون. لما رانيا رجعت، جيهان قالت لها: ـ بالمناسبة، أنا سمعت إنك اشتغلتي في محل هدوم. رانيا بصتلها. ـ أيوه. ـ مش خايفة إن الناس تعرف وتقول إن سعيد مش قادر يصرف عليكي؟ رانيا ردت من غير تردد: ـ اللي يعرفني هيعرف إني بشتغل عشان أكون مستقلة، مش عشان جوزي مش قادر يصرف. وبعدين، الشغل مش عيب. جيهان ضحكت. ـ استقلالية إيه بس؟ إنتِ متجوزة راجل مقتدر، وعايشة في بيته، وهو بيصرف على ولادك. إنتِ بتعملي كل ده ليه؟ رانيا حطت الكوباية على الترابيزة. ـ عشان محدش يقدر يقف قدامي يوم ويقول لي إن لقمة عيشي في إيده. دي كل الحكاية. جيهان بصتلها باستغراب. لأول مرة، بدأت تفهم إن رانيا مش بتنافسها على سعيد، ولا بتحاول ترجع له. وده كان المفروض يريحها. لكن الغريب إن جيهان ما ارتاحتش. كانت متوقعة إن رانيا تفضل متعلقة بسعيد، وتفضل تحاول تلفت نظره، وإن وجودها في البيت يبقى تهديدًا مستمرًا لعلاقتها بيه. لكن رانيا كانت بتتعامل معاها كأنها شخص بعيد عن حياتها تمامًا. وده خلاها تحس إن فيه حاجة مش مفهومة. بعد الغدا، جيهان دخلت أوضة الحاجة زينب، وقعدت معاها لوحدهم. قالت لها: ـ إنتِ شايفة رانيا دي هتعمل إيه؟ الحاجة زينب ردت: ـ هتفضل قاعدة، فين هتروح؟ جيهان قالت بقلق: ـ مش عارفة. بس أنا مش مرتاحة. سعيد بدأ يتغير، وبقى يقعد مع العيال أكتر، وكل ما أطلب منه حاجة يقول لي استني شوية. وأنا مش عايزة أعيش في مشاكل بسببها. الحاجة زينب تنهدت. ـ أنا هتكلم مع سعيد، وأفهمه إن الموضوع لازم ينتهي. لكن اللي الاتنين ما كانوش يعرفوه إن سعيد كان واقف بره الأوضة، وسمع جزءًا من كلامهم. ولأول مرة، بدأ يحس إن كل واحد في البيت عايز يقرر له يعيش إزاي، وإنه رغم إنه كان فاكر نفسه مسيطر على الجميع، إلا إنه بقى محاصرًا بين رغباتهم. بعد ما جيهان مشيت، سعيد دخل أوضة أمه. ـ إنتِ وجيهان كنتوا بتتكلموا عن إيه؟ الحاجة زينب اتفاجئت. ـ ولا حاجة يا ابني، كلام ستات. ـ سمعت اسم رانيا، وسمعت إنكم عايزين الموضوع ينتهي. تقصدوا إيه؟ الحاجة زينب حاولت تتهرب. ـ يا سعيد، أنا ست كبيرة، ومش ناقصة مشاكل. رانيا بقت بتشتغل، وبتخرج، ومبقتش فاضية للبيت زي الأول. وأنا محتاجة حد يساعدني. سعيد رد: ـ هي لسه بتعمل كل اللي طلبتيه منها. ـ بس مش بنفس الطريقة. زمان كانت طول اليوم هنا، دلوقتي بقت بتقول عندها شغل وعندها مواعيد. سعيد قعد على الكرسي. ـ يا أمي، هي مش خدامة عندنا. وأنا اللي طلبت منها تساعدك، وهي وافقت عشان الظروف. مش معنى كده إننا نمنعها من حياتها. الحاجة زينب بصت له بصدمة. ـ إنت بتدافع عنها؟ سعيد رد بهدوء: ـ أنا مش بدافع عن حد. أنا بقول إننا لازم نكون عادلين. الحاجة زينب اتعصبت. ـ عادلين؟ طب وأنا؟ أنا اللي ربيتك وكبرتك، وأنا اللي وقفت جنبك لما كنت لسه بتبدأ حياتك. دلوقتي تيجي تقولي إنك مش هتقدر تريحني؟ سعيد قرب منها. ـ أنا هريحك يا أمي، وهجيب لك مساعدة لو محتاجة، وهظبط لك كل حاجة. لكن مش هخلي رانيا تتحمل كل المسؤولية لوحدها. الحاجة زينب سكتت، لأنها لأول مرة تسمع ابنها بيتكلم بالطريقة دي. سعيد خرج من الأوضة، وراح ناحية المطبخ. لقى رانيا بتحضر الشاي. وقف قدامها وقال: ـ أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع الشغل. رانيا رفعت عينيها. ـ خير؟ ـ أنا مش همنعك تشتغلي، ومش هطلب منك تسيبي شغلك. بس عايز نتفق على مواعيد واضحة عشان أمي والولاد. رانيا بصت له بحذر. ـ أنا ملتزمة بمواعيدي، وكل يوم بخلص اللي عليا. ـ عارف. وأنا مش بقول إنك مقصرة. بس عايز نرتب الموضوع بحيث محدش يضغط عليكي، ولا تحسي إنك مضطرة تعملي كل حاجة لوحدك. رانيا فضلت ساكتة شوية. كان الكلام مختلفًا عن أسلوبه المعتاد، لكنها ما كانتش مستعدة تصدقه بسهولة. ـ طيب، أنا موافقة نتفق على المواعيد. لكن فيه حاجة لازم تكون واضحة. ـ إيه هي؟ ـ أنا مش هرجع أكون مراتك بالشكل اللي إنت متخيله. ومش معنى إنك بقيت بتتكلم بهدوء إن كل اللي حصل اتنسى. أنا هفضل أتعامل معاك باحترام عشان ولادنا، لكن مش هسمح لك تستخدم الهدوء ده عشان ترجع تتحكم فيا. سعيد نزل عينيه. ـ أنا فاهم. رانيا بصت له باستغراب، لكنها ما علقتش. هو نفسه ما كانش متأكد إذا كان فاهم فعلًا، ولا مجرد بيحاول يمنع الوضع من الانهيار. مرت الشهور، ورانيا بدأت تحقق تقدمًا واضحًا في شغلها. صاحبة المحل وثقت فيها، وبقت مسؤولة عن الطلبات والحسابات اليومية، وزاد مرتبها بالتدريج. كانت بتوفر جزءًا من دخلها، وتدفع منه احتياجاتها الشخصية، وتساعد في مصاريف ولادها، من غير ما تتنازل عن حقهم في النفقة من أبوهم. وفي الوقت نفسه، كانت بتسجل كل الاتفاقات والمصاريف المتعلقة بالأطفال، وبدأت تستشير محامية عن حقوقها القانونية، من غير ما تدخل في خناقات أو تهديدات. المحامية شرحت لها إن أي قرار يتعلق بالانفصال أو تنظيم النفقة وحقوق الأطفال لازم يتم بشكل قانوني واضح، وإنها ما تتنازلش عن حقوقها بسبب الضغط أو الخوف. رانيا خرجت من عندها وهي حاسة إنها أخيرًا بدأت تفهم طريقها. مش لازم تخرج من البيت النهارده. ومش لازم تواجه سعيد بصوت عالي. المهم إنها تبقى عارفة حقوقها، وتجهز نفسها لأي قرار تاخده. في المساء، رجعت البيت ولقت سعيد قاعد في الصالة، وقدامه أوراق كتير. أول ما شافها، قال: ـ رانيا، تعالي. قعدت قدامه. ـ خير؟ سعيد حط ورقة على الترابيزة. ـ أنا فكرت في موضوع الشقة اللي كلمتك عنه قبل كده. لقيت شقة مناسبة قريبة من مدرسة الولاد، وإيجارها معقول. ممكن نروح نشوفها سوا. رانيا بصت للورقة، لكنها ما مسكتهاش. ـ وليه دلوقتي؟ ـ عشان أمي بقت محتاجة راحة، وإنتِ كمان محتاجة مساحة خاصة ليكي وللولاد. وأنا شايف إن ده ممكن يكون حل مناسب. رانيا فضلت ساكتة. كان العرض اللي انتظرته من أسابيع، لكن المرة دي ما كانتش هتوافق لمجرد إنها عايزة تخرج. سألته: ـ والشقة دي هتكون باسم مين في عقد الإيجار؟ ـ باسمك إنتِ، وأنا هدفع الإيجار. ـ ومصاريف الولاد؟ ـ هنتفق عليها بشكل واضح. ـ ولو حصل خلاف بيننا، هتقدر توقف الإيجار أو المصاريف؟ سعيد اتضايق من السؤال، لكنه رد: ـ لأ، مش هعمل كده. رانيا قالت: ـ الكلام لوحده مش كفاية يا سعيد. أنا عايزة كل حاجة تبقى واضحة ومكتوبة، وحقوق الولاد تبقى محفوظة. مش عايزة أعيش في شقة جديدة، وبعد شهرين أرجع لنفس النقطة. سعيد سكت لحظة، وبعدها هز راسه. ـ ماشي. نعمل اتفاق قانوني واضح، ونشوف محامي. رانيا بصت له، ولأول مرة من شهور، حسّت إن فيه احتمال إن حياتها تتغير فعلًا. لكنها ما سمحتش للأمل إنه يسبق عقلها. قالت له: ـ أنا موافقة أشوف الشقة، لكن ده مش معناه إني رجعت لك، ولا إن اللي حصل اتنسى. أنا بعمل ده عشان ولادي، وعشان أعيش في مكان أقدر أربيهم فيه من غير مشاكل كل يوم. سعيد رد بصوت واطي: ـ عارف. لكن قبل ما يقوم، سألها: ـ رانيا، هو إنتِ عمرك هتسامحيني؟ رانيا بصت له طويلًا. كان السؤال ده زمان كفيل يخليها تعيط وتترجاه إنه يصلح اللي بينهم. أما دلوقتي، فكانت إجابتها مختلفة. ـ أنا مش عارفة يا سعيد. يمكن في يوم أسامحك عشان أريح قلبي من الوجع، لكن المسامحة مش معناها إننا نرجع زي الأول. فيه حاجات لما بتتكسر، بتفضل آثارها موجودة حتى لو حاولنا نصلحها. سعيد نزل عينيه، ورانيا قامت ودخلت أوضتها. في الليلة دي، ما عيطتش. قعدت جنب ولادها، وبدأت تتخيل شكل حياتهم في شقة جديدة، فيها أوضتين، ومطبخ صغير، وبلكونة تدخل منها الشمس. مكان محدش يقدر يعايرها فيه بلقمة عيشها. مكان تقدر تصحى فيه الصبح من غير ما تسمع حد بينادي عليها عشان تخدمه. مكان تكون فيه أمًا وامرأة لها كرامتها، مش مجرد شخص موجود عشان يريح الجميع. في اليوم اللي بعده، رانيا راحت تشوف الشقة مع سعيد. كانت في شارع هادي، قريبة من المدرسة والمواصلات، وفيها أوضة واسعة نسبيًا، وأوضة أصغر للأطفال، ومطبخ محتاج شوية تصليحات بسيطة. دخلت رانيا الأوضة الصغيرة، ووقفت عند الشباك. تخيلت سر,,ـــــير مالك في الركن، ومكتب صغير جنب الحيطة، وسر,,ـــــير ليلى جنب الشباك، ورفوف عليها كتبهم وألعابهم. ابتسمت من غير ما تحس. سعيد كان واقف عند الباب، وبيراقبها. ـ عجبتك؟ رانيا ردت: ـ مناسبة. ـ نقدر نجيب العفش اللي تحتاجيه، وأنا هتكفل بكل حاجة. بصت له. ـ مش لازم تجيب كل حاجة مرة واحدة. أنا هظبط البيت واحدة واحدة. سعيد قال: ـ إنتِ ليه مصممة تتعبي نفسك؟ رانيا ابتسمت ابتسامة بسيطة. ـ عشان الحاجة اللي الواحد بيتعب فيها بإيده، بيحس إنها بتاعته. سعيد سكت. بعد ما خلصوا معاينة الشقة، اتفقوا إنهم هيراجعوا عقد الإيجار، وإن أي التزامات تخص الولاد تتكتب بشكل واضح. لكن لما رجعوا البيت، كانت جيهان مستنياهم. أول ما شافتهم، سألت سعيد: ـ كنت فين؟ ـ كنت بشوف شقة لرانيا والعيال. جيهان بصت له بصدمة. ـ شقة؟ يعني إنت هتأجر لها بيت كمان؟ سعيد رد بهدوء: ـ أيوه، عشان يبقى ليها وللولاد مكان مستقل. جيهان رفعت صوتها. ـ وإنت شايف إن ده طبيعي؟ إنت هتصرف على بيتين، وهتفضل مسؤول عن رانيا طول العمر؟ رانيا كانت واقفة عند باب المطبخ، وسمعت الكلام كله. سعيد قال: ـ رانيا أم ولادي، ومسؤولياتي تجاههم مش هتتغير. جيهان ردت: ـ أنا مش بتكلم عن الولاد، أنا بتكلم عنها هي! إنت ليه بتديها كل ده؟ ما هي وافقت تقعد عند أمك، وكانت بتعمل كل حاجة. رانيا خرجت من المطبخ، وبصت لجيهان. ـ أنا ما وافقتش أكون خدامة عند حد. أنا وافقت أساعد في ظروف صعبة عشان ولادي ما يتبهدلوش. وده مش معناه إن حياتي كلها تبقى ملك لحد تاني. جيهان بصتلها بغضب. ـ إنتِ داخلة بيني وبين جوزي، ولسه بتتكلمي عن الكرامة؟ رانيا ردت بثبات: ـ أنا مش داخلة بينك وبين جوزك. بالعكس، أنا من أول يوم قلت إني مش عايزاه كزوج. إنتِ اللي كل ما تسمعي إني هعمل خطوة في حياتي، تفتكري إنها تهديد ليكي. أنا مش عايزة سعيد، ولا عايزة بيتك، ولا عايزة آخد منك حاجة. أنا عايزة أعيش أنا وولادي في أمان. جيهان سكتت، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش مقتنعة. سعيد تدخل. ـ كفاية يا جيهان. الموضوع اتحسم، ورانيا هتعيش في الشقة الجديدة مع الولاد. جيهان بصت له. ـ وإنت بتقرر من غير ما ترجع لي؟ سعيد رد: ـ دي مسؤوليتي تجاه ولادي، وأنا مش هتنازل عنها. جيهان أخدت شنطتها، وخرجت من البيت وهي غاضبة. سعيد وقف لحظة، وبعدها خرج وراها. رانيا فضلت مكانها، وما حاولتش تمنعه. هي ما كانتش عايزة تكسب جولة ضد جيهان. كانت عايزة تكسب حياتها. بعد أسبوع، انتقلت رانيا مع مالك وليلى للشقة الجديدة. كانت الشقة بسيطة، والعفش فيها قليل، لكن كل حاجة كانت مترتبة بحب. السر,,ـــــيرين اللي جابتهم للأطفال كانوا مستعملين لكن حالتهم كويسة، والترابيزة الصغيرة اللي حطتها في المطبخ كانت هدية من نجلاء، والستارة اللي اختارتها بنفسها كانت أول حاجة اشترتها من مرتبها. يوم النقل، مالك كان شايل شنطته بنفسه، وليلى كانت ماسكة عروستها وبتجري من أوضة لأوضة. ـ ماما! دي أوضتنا بجد؟ رانيا ضحكت. ـ أيوه يا حبيبتي، دي أوضتكم. ليلى حــ,,ـــــضنتها. ـ يعني محدش هيقول لنا نخرج منها؟ رانيا نزلت لمستواها، ومسكت إيديها. ـ طول ما إحنا بنحترم بعض وبنحافظ على بيتنا، هتحسي هنا إنك في أمان. ومحدش له حق يخوفك أو يزعلك. مالك جري ناحية البلكونة. ـ ماما، بصي! أنا شايف الشارع كله! رانيا وقفت جنب ولادها، وبصت للشمس اللي داخلة من الشباك. كانت الشقة صغيرة، وفيها حاجات كتير ناقصة، لكن لأول مرة من شهور، حسّت إن نفسها طالع ونازل من غير ما يكون فيه حجر فوق صدـ,,ـــرها. في المساء، سعيد جه يزورهم. جاب معاه شوية أكل، وشنطة فيها ملابس جديدة للولاد. الأطفال فرحوا بيه، وقعدوا يحكوا له عن أوضتهم الجديدة والمدرسة. رانيا قدمت له الشاي، وبعدها قعدت بعيد شوية. سعيد فضل يبص حواليه. ـ الشقة محتاجة شوية حاجات. رانيا ردت: ـ هظبطها مع الوقت. ـ أنا ممكن أجيب لك غسالة جديدة، وأغير المطبخ. رانيا هزت راسها. ـ الغسالة مش أولوية دلوقتي، وعندي غسالة صغيرة شغالة. المهم مصاريف الولاد ومدارسهم تبقى منتظمة. سعيد قال: ـ هظبط الموضوع ده. ـ كويس. فضلوا ساكتين شوية، وبعدها سعيد قال: ـ إنتِ مرتاحة هنا؟ رانيا بصت له، وبعدين بصت ناحية أوضة الولاد. ـ أيوه، الحمد لله. ـ يعني أحسن من البيت القديم؟ رانيا ردت بهدوء: ـ بكتير. سعيد نزل عينيه. ـ أنا مكنتش متخيل إنك هتقدري تعيشي من غيري. رانيا ابتسمت ابتسامة حزينة. ـ وأنا كمان مكنتش متخيلة إني هضطر أتعلم ده بالطريقة دي. سعيد اتنهد. ـ أنا غلطت في حقك يا رانيا. رانيا فضلت ساكتة. ـ أنا كنت فاكر إن طالما هقدر أوفر لك حياة كويسة، يبقى مش مهم تعرفي كل حاجة من الأول. وكنت فاكر إنك لما تحبيني، هتفضلي معايا مهما حصل. مكنتش فاهم إن الكذب نفسه ممكن يهدم كل حاجة، حتى لو الواحد حاول يصلح بعد كده. رانيا بصت له. ـ المشكلة مش بس إنك كذبت. المشكلة إنك لما اتكشفت، ما فكرتش إزاي تصلح اللي عملته. فكرت إزاي تخلي الوضع مناسب ليك. كنت عايز جيهان ترضى، وأمك ترتاح، والعيال يبقوا كويسين، وأنا أتحمل كل حاجة وأسكت. كنت عايز الكل يبقى مرتاح، حتى لو راحتي أنا هي الثمن. سعيد هز راسه ببطء. ـ عندك حق. رانيا اتفاجئت إنه ما جادلهاش. لكنه كمل: ـ أنا مش هطلب منك ترجعي لي. بس كنت أتمنى إننا نفضل أسرة واحدة. رانيا ردت: ـ الأسرة مش مجرد ناس عايشين تحت سقف واحد. الأسرة أمان واحترام وصدق. وأنا حاولت أعمل ده معاك، لكن إنت ما حافظتش عليه. دلوقتي إحنا هنفضل أهل بسبب الولاد، وهنحاول نربيهم كويس، لكن مش هقدر أوعدك بأكتر من كده. سعيد سكت، وبعدها قام عشان يمشي. قبل ما يخرج، مالك جري عليه وحــ,,ـــــضنه. ـ هتيجي تاني يا بابا؟ سعيد باست راسه. ـ طبعًا يا حبيبي. ليلى وقفت جنب أخوها وقالت: ـ بس المرة الجاية العب معانا كتير. سعيد ابتسم. ـ حاضر. خرج من الشقة، ورانيا قفلت الباب وراها. وقفت للحظة، وحطت إيدها على مقبــ,,ـــــض الباب. ما كانتش بتودع سعيد. كانت بتودع النسخة القديمة من نفسها، النسخة اللي كانت فاكرة إن الحب وحده يكفي عشان البيت يفضل واقف. عدت شهور، وحياة رانيا بدأت تستقر. شغلها اتحسن، وبقت مسؤولة عن جزء كبير من إدارة المحل، وصاحبة المحل بدأت تثق فيها أكتر. مالك اتحسن في دراسته، وليلى بقت بتروح المدرسة وهي فرحانة، والبيت الصغير بدأ يمتلئ بحاجات بسيطة اشترتها رانيا واحدة واحدة. أما سعيد، فبدأ يزور أولاده بانتظام، لكنه اضطر يتعلم إن علاقته برانيا اتغيرت للأبد. ما بقاش يدخل البيت من غير ما يخبط، وما بقاش يقرر عنها أي حاجة، وبقى أي اتفاق يخص الأولاد يتناقشوا فيه بهدوء. وفي يوم، اتصل برانيا وقال لها إنه عايز يقابلها عشان يتكلموا في موضوع مهم. رانيا وافقت، واتقابلوا في مكان عام قريب من البيت. سعيد وصل قبلها، وكان واضح عليه التوتر. لما قعدت، سألته: ـ خير يا سعيد؟ سعيد بص لها وقال: ـ أنا وجيهان قررنا نروح لاستشاري أسري، ونحاول نصلح المشاكل اللي بيننا. رانيا هزت راسها. ـ ربنا يصلح حالكم. سعيد اتفاجئ من ردها البسيط. ـ إنتِ مش زعلانة؟ ـ أزعل من إيه؟ دي حياتك، وإنت حر فيها. سعيد سكت، وبعدها قال: ـ كنت فاكر إنك هتتضايقي. رانيا بصت له باستغراب. ـ ليه؟ هو إنت لسه فاكر إني مستنياك ترجع لي؟ سعيد نزل عينيه. ـ مش عارف. يمكن كنت متخيل إنك لسه بتحبيني. رانيا أخدت نفس طويل. ـ أنا مش هكدب عليك وأقول لك إن كل مشاعري اختفت في يوم وليلة. أنا حبيتك بصدق، واللي حصل وجعني بصدق. لكن الحياة علمتني إن الحب مش سبب كفاية عشان أفضل في مكان بيكسرني. أنا دلوقتي مركزة في ولادي وشغلي، وبحاول أبني حياة مستقرة. ومش عايزة أرجع أعيش في نفس الدائرة. سعيد سألها: ـ يعني مستحيل نرجع؟ رانيا بصت له طويلًا، وبعدها قالت: ـ أنا مش هبني حياتي على احتمال إنك تتغير. لو إنت عايز تصلح علاقتك بجيهان، صلحها عشان إنت مقتنع، مش عشان تثبت لي إنك راجل كويس. ولو عايز تبقى أب كويس لأولادك، اعمل ده عشانهم، مش عشان ترجعني. وأنا هكمل حياتي على الأساس اللي بنيته بنفسي. سعيد ما لاقاش رد. ولأول مرة، فهم إن رانيا مش بتستخدم البعد عشان تعاقبه. هي فعلًا خرجت من العلاقة اللي كانت بتربطها بيه، حتى لو لسه فيه ذكريات بتوجعها. قاموا من مكانهم، واتفقوا على مواعيد زيارة الأولاد. وقبل ما رانيا تمشي، سعيد قال: ـ رانيا، أنا آسف. وقفت وبصت له. ـ أتمنى تكون فهمت غلطك، عشان متكرروش مع أي حد تاني. وبعدها مشيت. في نفس الليلة، رانيا رجعت البيت، ولقت ولادها مستنيينها. مالك كان مجهز لها ورقة رسم فيها البيت الجديد، ورسم نفسه وليلى وهي واقفين جنبها. وتحت الرسم كتب بخط صغير: «ماما بطلت تزعل». رانيا مسكت الورقة، وحست إن دموعها قربت تنزل. ليلى جريت حــ,,ـــــضنتها. ـ ماما، مالك رسمك عشان إنتِ بقيتي بتضحكي أكتر. رانيا بصت لابنها. ـ إنت شايفني بقيت بضحك أكتر يا مالك؟ الولد هز راسه. ـ أيوه، زمان كنتِ بتعيطي كتير، ودلوقتي بقيتي بتضحكي معانا، وبتلعبي معانا، وبتحكي لنا حواديت قبل النوم. رانيا ضمتهم الاتنين. ـ أنا بحبكم أوي يا ولاد. مالك سألها: ـ ماما، هو إحنا كده بقينا أغنياء؟ رانيا ضحكت من قلبها. ـ ليه يا حبيبي؟ ـ عشان عندنا بيت لوحدنا، وإنتِ بتشتغلي، ومحدش بيزعق لنا. رانيا باست راسه. ـ الغنى مش بس فلوس يا مالك. الغنى إن الواحد يبقى عنده مكان آمن، وناس بتحبه، ويقدر ينام من غير ما يكون خايف من بكرة. وإحنا لسه بنحاول نوفر كل ده، يوم ورا يوم. ليلى رفعت إيدها. ـ وأنا هساعدك يا ماما. هرتب أوضتي، ومش هسيب اللعب في الأرض. رانيا ضحكت. ـ اتفقنا يا ست ليلى. قعدوا التلاتة على الأرض، وبدأوا يرتبوا الكتب والألعاب. كانت لحظة بسيطة، لكن بالنسبة لرانيا كانت أكبر من أي هدية غالية. لأنها أخيرًا بقت في بيتها، في المكان اللي محدش فيه بيقول لها إنها عبء، ولا بيمن عليها بلقمة عيشها، ولا بيطلب منها تدفع كرامتها تمنًا للأمان. بعد مرور سنة كاملة، رانيا ما بقتش الست اللي وقعت على الرصيف قدام عمارة سعيد وهي مش عارفة تروح فين. بقت ست عندها شغل ثابت، وسمعة كويسة، وناس بتثق فيها، وولاد بيكبروا قدام عينيها وهما شايفين أمهم بتواجه الحياة بدل ما تستسلم لها. كانت لسه بتتعب، ولسه فيه أيام بتقلق فيها من المصاريف، ولسه ساعات بتفتكر اللي حصل فتشعر بغصة في قلبها. لكنها ما بقتش بتخاف من الوحدة زي الأول. اتعلمت إن الوحدة أحيانًا أرحم من وجود ناس حوالينا بيخلونا نحس إننا لوحدنا. وفي يوم، وهي راجعة من الشغل، لقت سعيد واقف قدام باب العمارة. كان مستنيها، وأول ما شافها قال: ـ ممكن أتكلم معاكي شوية؟ رانيا وقفت على مسافة منه. ـ خير؟ سعيد كان شكله متغير، وملامحه فيها تعب واضح. ـ أنا وجيهان انفصلنا. رانيا سكتت لحظة، وبعدها قالت: ـ ربنا يكتب لكم الخير. سعيد هز راسه. ـ الموضوع مش سهل، والعيال متأثرين، وأنا بحاول أرتب حياتي من جديد. رانيا ردت: ـ طبيعي إنهم يتأثروا. حاول تخليهم يحسوا إنهم مش السبب، وإنك هتفضل موجود في حياتهم. سعيد بص لها وقال: ـ أنا كنت بفكر في كلامك كتير الفترة اللي فاتت. وفهمت إني كنت عايز كل حاجة من غير ما أتحمل مسؤولية اختياراتي. كنت عايزك تسامحيني، وكنت عايز جيهان ترضى، وكنت عايز أمي ترتاح، وفي الآخر كنت بضغط على كل واحد فيكم عشان أنا ما أخسرش حاجة. رانيا فضلت ساكتة. سعيد كمل: ـ أنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي. أنا عارف إن ده حقي مش موجود عندي. بس كنت محتاج أقول لك إني فهمت. رانيا بصت له، وحست إن الكلام اللي كانت مستنياه زمان وصل متأخر جدًا. قالت بهدوء: ـ كويس إنك فهمت يا سعيد. بس المهم إنك تتعلم من اللي حصل، وتتعامل مع الناس بصدق، حتى لو الحقيقة مش هتعجبهم. محدش يستاهل إنه يبني حياته على معلومات ناقصة عشان حد تاني يضمن راحته. سعيد هز راسه. ـ عندك حق. وقفوا لحظة من غير كلام، وبعدها رانيا قالت: ـ الولاد جوه. لو عايز تشوفهم، اتفضل، بس أنا عندي شغل لازم أخلصه. سعيد ابتسم ابتسامة صغيرة. ـ شكرًا يا رانيا. دخل سعيد، ورانيا فضلت واقفة عند الباب لثواني. كانت شايفة قدامها الراجل اللي حبيته يومًا، واللي كانت مستعدة تضحي عشانه بحاجات كتير، لكنها ما بقتش شايفة فيه المستقبل اللي كانت بتحلم بيه. ما حسّتش بالانتصار، ولا بالشماتة، ولا حتى بالرغبة إنها تثبت له إنه خسرها. كل اللي حسّته هو الراحة. راحة إنها ما اضطرتش ترجع له عشان هو بقى وحيدًا. وراحة إنها ما بنتش سعادتها على فشله في حياته الجديدة. دخلت شقتها، وسمعت صوت ولادها بيضحكوا مع أبوهم. ابتسمت، وراحت للمطبخ تحضر لهم العشا. وفي اللحظة دي، رانيا فهمت إن النهاية الحقيقية مش إن سعيد يندم، ولا إن جيهان تبعد، ولا إن أم سعيد تعرف إنها ظلــ,,ـــــمتها. النهاية الحقيقية كانت إنها قدرت تعيش من غير ما تستنى اعتذار من حد، ومن غير ما تفضل واقفة عند باب حياة انتهت. في مساء شتوي هادي، كانت رانيا قاعدة في البلكونة الصغيرة، بتشرب الشاي بعد يوم طويل من الشغل. ليلى كانت بتذاكر في أوضتها، ومالك قاعد على الترابيزة بيحل واجباته. بصت رانيا للسما، وافتكرت نفسها من سنة، وهي واقفة قدام عمارة سعيد، بتترجى قلبها يصدق إن اللي شافته مجرد سوء تفاهم. افتكرت خوفها، ودموعها، والليالي اللي نامت فيها وهي مش عارفة بكرة هيكون عامل إزاي. وبعدين بصت لجوه البيت. شافت أولادها، وشافت تعبها اللي بدأ يجيب نتيجة، وشافت الحياة الصغيرة اللي بنتها بإيديها. دخلت ليلى البلكونة، وقعدت جنبها. ـ ماما، إنتِ بتفكري في إيه؟ رانيا ابتسمت. ـ بفكر في حاجات كتير يا حبيبتي. ـ حاجات تزعل؟ رانيا حــ,,ـــــضنتها. ـ لأ، حاجات علمتني. ليلى رفعت عينيها. ـ زي إيه؟ رانيا سكتت شوية، وبعدها قالت: ـ علمتني إن الإنسان ممكن يحب حد جدًا، لكن ده مش معناه إنه يقبل منه أي حاجة. وإننا ممكن نخسر ناس كنا فاكرين إننا مش هنقدر نعيش من غيرهم، وبعدها نكتشف إننا كنا محتاجين نعرف نفسنا أكتر. وإن البيت مش الحيطان، ولا العفش، ولا الفلوس اللي فيه. البيت هو المكان اللي بتحسي فيه إنك آمنة، وإن صوتك مسموع، وإن محدش بيطلب منك تتنازلي عن نفسك عشان يسمح لك تفضلي. ليلى سندت راسها على كتف أمها. ـ وأنا لما أكبر، عايزة أبقى قوية زيك. رانيا باست راسها. ـ تبقي قوية، بس مش لازم تستحملي كل حاجة لوحدك. القوة إنك تعرفي حقك، وتطلبيه، وتعرفي إمتى تسامحي، وإمتى تحطي حدود، وإمتى تمشي من مكان مش مناسب ليكي. ليلى ابتسمت. بعد شوية، مالك خرج من الأوضة وهو ماسك كراسته. ـ ماما، خلصت الواجب. ينفع نلعب سوا؟ رانيا قامت وهي بتضحك. ـ طبعًا يا حبيبي، يلا بينا. دخلوا التلاتة الصالة، وقعدوا يلعبوا ويضحكوا. وفي وسط الضحك، رانيا رفعت عينيها للحظة، وبصت حواليها. الشقة كانت بسيطة، والدهان محتاج يتجدد، وفيه كرسي قديم لسه ما قدرتش تغيره، لكن المكان كان مليان بحاجات أهم من كل ده. كان مليان بالطمأنينة. أما سعيد، ففضل أبو أولادها، وليه مكانه في حياتهم على قد مسؤ,وليته تجاههم، لكن ما بقاش صاحب القرار في حياة رانيا. وما بقتش هي الست اللي بتقول لنفسها إنها هتستحمل عشان مفيش بديل. بقت الست اللي عرفت إن البديل ممكن يتبني، خطوة ورا خطوة، حتى لو البداية كانت من الصفر. وفي آخر اليوم، لما نام مالك وليلى، وقفت رانيا عند باب أوضتهم، غطتهم كويس، وباست راس كل واحد فيهم. وبعدين رجعت لأوضتها، قفلت الباب، وقعدت على السر,,ـــــير وهي بتبتسم. افتكرت جملتها اللي قالتها لسعيد في الليلة اللي اكتشفت فيها الحقيقة: «رانيا الست ماتت في اللحظة اللي شافتك مع واحدة غيرها». وقتها كانت فاكرة إن الست اللي جواها ما,,,وووتت فعلًا، وإن كل اللي فاضل منها أم بتحاول تنقذ ولادها. لكنها دلوقتي عرفت الحقيقة. رانيا ما ماتتش. رانيا بس بطلت تعيش بالطريقة اللي غيرها اختارها لها. اتعلمت تشتغل، وتواجه، وتقرر، وتحط حدودًا، وتبدأ من جديد. والست اللي خرجت من التجربة دي ما كانتش نفس الست اللي دخلتها. كانت أقوى، وأهدى، وأوعى بقيمتها. وأهم حاجة إنها ما بقتش محتاجة تثبت لأي حد إنها تستحق الاحترام. لأنها أخيرًا صدقت إن كرامتها مش هدية من جوزها، ولا من أهلها، ولا من أي إنسان في الدنيا. كرامتها حقها، وحياتها ملكها، وباب بيتها مش هيتفتح تاني لحد فاكر إن احتياجها ليه معناه إنه يملكها.



