منوعات

جوزى رجع البيت

أنا ما فتحتش تليفونك،” وقفت من على الترابيزة ببطء، وفتحت درج المطبخ وطلعت الملف الأزرق. “تليفونك أصلاً كتاب مفتوح.. بس الأوسخ من الخيانة، هو الاستخفاف بالعقل اللي استحملك سبع سنين. سبع سنين وأنا بقول بكرة يعقل، بكرة يبطل لعب العيال ويحس بمسؤولية البيت اللي فاتح بدم قلبي ومرتبي، وآخرتها تبيعني أنا وليلى مع بعض في نفس الليلة؟” “إيمان.. اسمعيني، الموضوع مش زي ما انتي فاهمة، دي شطحة شيطان، ووالله العظيم ليلى دي… دي واحدة لعبت بدماغى، وهي اللي كانت…” “اخرس!” صرخت فيها بصوت هز أركان المطبخ لأول مرة في حياتنا كلها، صوت طلع من جحر وجع سبع سنين قهر وسكوت. “اوعى…

أوعى تبيعها عشان تنقذ جلدك، زي ما كنت بتبيعني عشان تضحك عليها. أنتو الاتنين لايقين على بعض.. الكدابين والخونة دايماً بيلاقوا بعض في سكة الطين.” رميت الملف قدامه على الترابيزة، وقعت الورق منه واتطارت صور المحادثات اللي بتفضح كل حرف وكل ميعاد وكل خيانة تمت تحت سقف الأمان اللي كنت ببنيه بإيدي. رامي بص للصور، وبعدين بصلي.. وفي لحظة غضب أعمى، مد إيده عشان يشد الملف ويمزقه، بس إيدي كانت أسرع.. مسكت إديه بقوة وقربت منه وشي في وشي، وعيني ما ترمشش: “حاسب يا رامي.. إيدك دي ما تلمسش حاجة تخصني تاني.

الشقة دي باسمي، والمفتاح اللي معاك رميته في الزبالة من الساعة خمسة الفجر، والمحامي اللي جاي مع والدتك معاه كل الأوراق اللي تخليك تطلع من هنا بالقمصان المكرمشة اللي عليك دي وبس، ولا مليم ولا شبر ولا حتى اسمك هيقعد يتنطق قدامي تاني.” باب الشقة برة اتفتح في اللحظة دي بصوت عالي.. وسلسلة مفاتيح رزعته على الكونسول. خطوات تانية دخلت الصالة.. صوت صوت ست عجوزة بتنادي بصوتها الحاد: “يا إيمان يا بنتي.. فتحي الباب، إيه قلة النوم دي على الصبح؟” وش رامي جاب ألوان الطيف..

بقى أصفر وأخضر وأزرق في ثانية واحدة، وبصلي برعب حقيقي وهو سامع صوت أمه وصوت خبطات إيدها على باب الشقة البراني. “أنا مش هطلع معاكي.. مش هعرف أقولها إيه!” قالها وهو بيرجع ورا بخطوات مرتعشة، كأنه طفل اتمسك في مصيبة. ابتسمت له برود وأنا بعدل ياقة روبي، ومشيت لحد باب المطبخ عشان أستقبلهم: “دلوقتي بقيت تخاف من أمك؟ معلش يا رامي.. اصبر، ليلى على وصول برضه، والصبح لسه بيبتدي، والعين بالعين، والسر بالسر، والابتدادي لله!” الباب انفتح على وسعه، ودخلت الحاجة “دلال” والدة رامي، وبخطواتها الثابتة وطلتها اللي بتملى البيت هيبة، بصت حواليها وهي بتعدل نظارتها.

وراها مباشرة كان واقف الأستاذ “عاصم”، محامي العيلة القديم، بملامحه الجادة وشنطته الجلد السوداء. “صباح الخير يا إيمان يا بنتي.. مالك؟ صوتك كان واصل بره، ولا هو رامي كمان قاعد من الصبح بيتدلع وما راحش شغله؟” قالتها والدة رامي وهي بتبتسم لي بحنان، بس الابتسامة اختفت أول ما وقعت عينها على رامي وهو طالع من المطبخ ووشه أصفر زي الميت، وهدومه مكرمشة وريحته تفضح بلاوي سودة. الحاجة دلال وقفت في نص الصالة، ونقلت نظرها بين ابنها المرتعش وبين الملف اللي على ترابيزة المطبخ، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادئ بس مليان قلق: “في إيه يا ولاد؟

فهموني، قلبي مقبوض من ساعة ما رنيتي عليا يا إيمان.” قبل ما أرد، رامي اتحرك بجنون وبص لأمه بصوت متحشرج: “يا أمي.. دي.. دي إيمان بتتبلى عليا.. دي جنّت وعايزة تخرب البيت على حبة تهيؤات وفبركة…” “اخرس خالص!” صوت أستاذ عاصم المحامي جه كالصاعقة وهو بيفتح شنطته ويطلع ملفات وأوراق رسمية، وبص لرامي بنظرة احتقار كاشفة: “التهييؤات دي يا بشمهندس رامي بتتعمل في شقق مش شبة بتاعتك، والصور والمحادثات اللي اتسحبت من على السيستم ومن كاميرات البناية ومن كشوفات الحسابات اللي بتدفع بيها إيجار الشقة السرية في الزمالك.. دي ما فيهاش تهييؤات، دي أدلة تدفن أي راجل حي.”

رامي اتشنج في مكانه.. بص لأستاذ عاصم بذهول: “إنت.. إنت بتقول إيه؟!” الحاجة دلال حطت إيدها على صدرها، وشها اتحول للون الأبيض، وبصت لابنها بصوت هز الشقة كلها: “شقة سرية؟! بتخون مرتك يا رامي؟! الست اللي استحملتك وصانتك وجمعت قروشها وقروش أبوها عشان تقف جنبك في الشغل والشركة.. تعمل فيها كدة مع واحدة من زفتة الطين صاحبتها؟!” “يا أمي اسمعيني.. الشيطان…” حاول يمد إيده يمسك دراعها، بس دفعت إيده بقرف شديد وكأنها بتلمس حاجة نجس. “أنا مش أمك لما تكون راجل خاين وقليل الأصل.. أستاذ عاصم، الورق اللي معاك يخلص إيه؟”

قالتها الحاجة دلال بصوت بيترعش من القهر والغضب، وهي بتبصلي بعيون مليانة أسف واعتذار: “حقك علي يا بنتي.. أنا ربيت بس الظاهر إني نسيت أعلمه أصله.” في اللحظة دي، بالضبط الساعة 6:34 الصبح.. صوت جرس الباب رن. نغمات الجرس الهادية دي نزلت على أعصاب رامي كأنها ضـ,ـربة صاعقة. بص للباب برعب جنوني، كأنه شايف ملك المـ,ـوت واقف بره. أنا مشيت بهدوء ناحية الباب، وقلبي بينبض بقوة بس بنشوة النصر والتشفي. فتحت الباب.. وكانت “ليلى”. ليلى واقفة قدامي بملامح مرتبكة، لابسة نفس الهدوء المصطنع، وماسكة شنطتها وهي بتقول بدلع كداب: “صباح الخير يا إيمو.. تنازلتي تفتحي بدري ليه؟

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى