منوعات

جوزى رجع البيت

قمت بهدوء، ومشيت خطواتي لحد باب الشقة، وبصيت في العين السحرية. لقيتها “هالة”، جارتي الطيبة اللي ساكنة في الدور اللي تحتي، وواضح على وشها القلق والخوف، وماسكة في إيدها طبق صغير مغطى بفوطة مطبخ نظيفة. فتحت الباب بهدوء، وأول ما هالة شافتني، تنفست بعمق وقالت بلهفة: “يا إيمان يا حبيبتي.. حمد لله على السلامة.. هو اللي كان ماشي من عندك الصبح بدري ده رامي؟! وشكله كان مبهدل كأنه مطرود؟ وأنا سمعت صوت خناقة من فوق.. قلبى كان هيقف من الخوف عليكي!” بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية مطمئنة، وفتحت الباب أكتر عشان تدخل: “صباح الخير يا هالة..

تعالي ادخلي، اطمني، مفيش غير كل خير، والحمد لله الهوا اتصصفى والنضيف دخل.” هالة دخلت وبصت حواليها في الصالة النضيفة اللي بتبرق، وقالت بدهشة: “إنتي هادئة قوي كدة ليه؟ هو في إيه بجد؟ أنا شوفت ليلى صاحبتك نازلة بتعيط وتجرجر شنطتها في الأسانسور ومنهارة!” قعدت أنا وهي على الكنبة، وخدت نفس طويل وأنا بقول بوضوح وصراحة مطلقة: “ليلى مبقتش صاحبتي، ورامي مابقاش جوزي.. انتهى كل شيء يا هالة. صفحة وانطوت للابد.” هالة فتحت عيونها على آخرها بصدمة، وحطت إيدها على بوقها: “يا نهار أسود؟! للدرجادي؟! طيب إزاي.. امتى.. وليه؟!”

حكيت لها باختصار شديد اللي حصل من أول الليل لحد طلوع الفجر، ومن غير دمعة واحدة زيادة، بالعكس، كنت بحكي وانا حاسة بإن وزنة جبل اتشالت من على كتفي. هالة سمعت وهي منذهلة، وبعدين مسكت إيدي وقالت باحترام ودموع في عيونها: “ربنا ينصرك يا إيمان.. أنتي أصيلة وصبرتي كتير، واللي عملتيه هو عين العقل، الراضي بالخيانة دي بيبقى شيطان أخرس، وأنتي ما شاء الله عليكِ ست الستات وقوية.” “تسلميلي يا هالة.. وميرسي على سؤالك,” قلتها وأنا بودعها بعد ما طمنتني وشاركتني راحة البال. قفلت الباب، وبصيت لساعة الحائط.. كانت 8:00 بالتمام. التليفون رجع ينور تاني، بس المرة دي مش من رامي..

دي رسالة من البنك بتاعي، بتفيد بإتمام تحويل الأقساط والمستحقات كاملة على حسابي الشخصي وفقاً لتسوية أستاذ عاصم، وبأن والعربية بقوا باسمي الخالص وموثقين قانونياً. فتحت الشباك الكبير على الاخر، ودخلت نسمة هواء أكتوبر الباردة والنقية، رفعت راسي للسما، وقولت بصوت عالي يملى البيت: “يا مسهل.. أهلاً ببدياة جديدة، أنا ملك نفسي ومن بكرة، بكتب قصة عمري الحقيقية.” الأخير جوزي رجع البيت والابتسامة،3 الساعة جاوزت الثامنة والربع بقليل، والشقة بقت هادية بطريقة تفتح النفس على التركيز وترتيب أولويات الحياة من جديد. هالة نزلت بيتها، وأنا وقفت قدام مرايا الصالون الكبيرة، بصيت لعيوني..

مكنش فيها أي أثر للخوف ولا حتى للتردد اللي كان مسيطر عليا سنين. كنت شايفة قدامي ست جديدة، ست عرفت قيمة نفسها كويس وقررت إنها ما تقبلش بأقل من الكرامة الكاملة. دخلت غرفة النوم الرئيسية.. الغرفة اللي كانت ليلة امبارح مأساة حقيقية، بقت النهاردة عنوان للتحرر. فتحت الدولاب، وبدأت أطلع هدوم رامي وحاجاته القليلة اللي سابها، وحطيتها في كراتين كرتونية كبيرة كنت مخبيها في المطبخ. مكنش عندي أي إحساس بالحنين ولا حتى بالوجع وأنا بعمل كدة؛ بالعكس، كل قطعة هدوم كنت برميها جوه الكرتونة، كنت بحس قصادها إن طاقة سلبية قديمة بتترمي برا حياتي للأبد.

لما خلصت لم هدومه كلها، قفلت الكراتين بشريط لاصق، وطلعتها برة عند باب الشقة عشان يجي ياخدها أو أبعتهالها مع أي حد، المهم إنها مبقتش جوه بيتي ولا مكان بياخد من هواء بتاعي. رجعت جوه، وفتحت لاب توب بتاعي اللي كان مرمي ورا الملفات سنين. قعدت على الترابيزة وبدأت أكتب.. نعم، الكاتبة جوايا اللي كانت نايمة أو مقتولة بالحياة الزوجية المسمومة دي صحت فجأة وبقوة. بدأت أفتح ملفات “الورد” القديمة اللي كنت بكتب فيها رواياتي وقصصي وكتبتها باللهجة المصرية اللي بعشقها، ولقيت الأفكار بتتدفق في دماغي زي الشلال.

مفيش قيود، مفيش حد بينط في وسط الكلام يقول “بطلي هبل واهتمي ببيتك”، مفيش حد بيقلل من شغفي وكتاباتي. فتحت جروب “الكاتبات والناشرين في خدمة بعض” على الفيس بوك، ولقيت الرسائل والتعليقات شغال، بنات كتير بيسألوا عن الروايات الجديدة، وناس بتطلب الحلقات القادمة من القصص اللي كنت بنزلها. كتبت بوست جديد بكل ثقة وقوة: “صباح الخير لكل الكاتبات الجدعان.. عودة قريبة جداً برواية جديدة، كاملة، ومن قلب الحقيقة. انتظرونا.”

التفاعل نزل زي المطر، آلاف الإعجابات والتعليقات المشجعة من الزميلات والأصدقاء اللي ما يعرفوش إني كنت لسه من ساعة واحدة بمر بأصعب لحظات عمري، بس اللي ظاهر لهم دايماً هو قوة إيمان ووقفتها. الساعة بقت 9:00 الصبح، والتليفون رن برقم غريب.. مش رامي، ومش ليلى. رديت بهدوء: “ألو؟” “صباح الخير يا إيمان هانم.. معاكي أستاذ عاصم المحامي تاني.” قالها بصوت هادي ومطمن. “كنت بتصل أبلغك إن رامي جه من شوية المحكتب عشان يستفسر عن الكراتين وهدومه، وأنا عرفته إنه يقدر يطلع يستلمها من قدام الباب في العنوان القديم، وبلغته كمان إن أي محاولة احتكاك تاني منك هتعرضه للمساءلة القانونية الفورية..

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى