
عجبتني واحده جارتنا ولما روحت اتقدملها امها اشترطت اغرب شرط قالتلي علشان اتجوز بنتها لازم اتجوز قبلها ، والسبب ميتخيلهوش عقل !! أنا من يوم ما دخلت العمارة دي وأنا حاسس إن المكان فيه حاجة مش طبيعية، بس عمري ما تخيلت إن الحكاية هتأخد المنحنى الغريب ده! القصة بدأت لما شغلي اتنقل لفرع جديد في القاهرة. اضطريت أسيب بيت أهلي في المحافظة و أأجر شقة جديدة هناك قريب من مقر الشغل.
الشقة كانت في عمارة هادية، حي راقي وجميل، وكنت فاكر إني رايح أبدأ مرحلة جديدة وسلسة في حياتي، مكنتش أعرف إن دخولي العمارة دي هيغير حياتي كلها، وهيدخلني في متاهة من أغرب ما يمكن لو حد حكاهالي مكنتش هصدقه! من أول أسبوع ليا في العمارة، لفت انتباهي البنت اللي ساكنة في الدور اللي تحتي على طول. بنت في أوائل العشرينات، قمة في الجمال والهدوء، حاجة كده تشبه بطلات الروايات القديمة. لبسها رزين، حركاتها محسوبة، ووشها فيه البراءة اللي بقت نادرة اليومين دول. عرفت بعد كده إن اسمها “نور”، وتاني سنة ليها في كلية الحقوق.
كنت بشوفها الصبح بدري وهي نازلة رايحة كليتها، وترجع بعد الضهر، خطوتها سريعة، وعينها في الأرض. حاولت أفتح معاها كلام أكتر من مرة، بابتسامة، بكلمة صباح الخير، بأي حجة سريعة وأنا نازل على السلم.. لكن ردها دايماً كان سريع، مقتضب، ومفيش فيه أي مساحة للتمادي. تبتسم بنصف ابتسامة متواضعة، وتهز رأسها وتعدي فكأنها بتقولي: “لحد هنا وبس”. الرفض الراقي ده بدل ما يبعدني، علقني بيها أكتر. البنت مفيهاش غلطة! أدب، وجمال، وجمال الروح اللي باين في تصرفاتها.
بدأت أسأل عنها بالراحة من غير ما ألفت النظر، سألت البواب، وسألت راجل كبير صاحب سوبر ماركت تحت العمارة. الكل أجمع على حاجة واحدة: “نور دي بنت مالهاش في القيل والقال، والدها متوفي من سنين، وعايشة هي وأمها لوحدهم.. بس خلي بالك، أمها طباعها غريبة شوية ومحدش بيعرف يتعامل معاها بسهولة!” لما سألت البواب: “يعني إيه غريبة يا عم أحمد؟ بتزعق؟ بتعمل مشاكل؟”
رد وهو بيهز رأسه باستغراب: “لا يا أستاذ سيف، مش بتاعت مشاكل والله، ست فحالها جداً ومحترمة.. بس تفكيرها غريب، وطريقتها في الكلام تحس إنها عايشة في عالم تاني غير بتاعنا. محدش فاهمها أوي من يوم ما جوزها الله يرحمه اتوفى.” أنا بصراحة مجمعتش الكلام في دماغي ساعتها، قولت في بالي: “عادي، ست كبيرة وأرملة وبتقفل على نفسها وبنتها عشان تحميهم، طبيعي تكون حريصة أو طباعها حادة شوية، المهم البنت نفسها.”
فضلت الأيام تعدي وأنا فكرتي عن نور بتكبر كل يوم، ومبقتش قادر أصبر أكتر من كده. قررت إني لازم أكون مباشر وأخد خطوة بجد. في يوم، كنت نازل وهي كانت طالعة على السلم ومقربة من باب شقتها. وقفت قدامها فجأة. هي اتخضت وقفت وحطت كتب الكلية على صدرها وبصتلي باستغراب: “أستاذ سيف! خير في حاجة؟” بصيت في عينها بثبات وقاطعتها من غير مقدمات: “نور.. هو أنتِ في حد في حياتك؟”
عينيها وسعت من المفاجأة، وبصت يمين وشمال كأنها خايفة حد يسمعنا، وقالت بصوت واطي ومتردد: “لا.. مفيش.. ليه بتسأل؟” ابتسمت وقولتلها بصراحة: “أنا معجب بيكي جداً من أول يوم شفتك فيه، وشاريكي بالحلال.. وعايز أتقدم لك.” اللحظة دي عمري ما هنسى شكلها فيها.. خدودها احمرت جداً، وابتسمت بكسوف ورقت عينيها، ومن غير ما تنطق ولا كلمة، لفت وطلعت جراي على شقتهم وقفلت الباب بشويش. الابتسامة دي كانت بالنسبة ليا موافقة صريحة! قولت خلاص، السكة سالكة والباب مفتوح.
طلعت شقتي وأنا طاير من الفرحة، مش مصدق إن البنت اللي حلمت بيها طلعت مش ممانعة. قررت مأخرش الموضوع. قولت هانزل في نفس اليوم بالليل، أخبط على أمها وأخد منها ميعاد رسمي، وأفهمها ظروفي الإمكانية، ولو أبدت موافقة مبدئية هجيب والدي ووالدتي ونيجي فورا نطلبها رسمي. الساعة جات 8 بالليل، لبست طقم شيك، واشتريت علبة شوكولاتة قيمة، ونزلت ضربت الجرس. فتحتلي الست “ماجدة” – أم نور. ست في منتصف الأربعينات، شكلها مريح جداً ووقور، وملامحها فيها شبه كبير من نور، لكن عينها كان فيها نظرة عميقة وباردة بشكل يربك.
“مساء الخير يا طنط.. أنا سيف، جاركم في الدور اللي فوق.” “مساء النور يا بني.. خير؟ اتفضل.” دخلت الصالون، كان صالون قديم بس نضيف ومترتب جداً. نور مظهرتش خالص، كنت سامع حركتها الخفيفة في المطبخ بتعمل العصير. عدت القعدة في الأول هادية، بدأت أعرفها بنفسي: “يا طنط أنا المهندس سيف، شغال في شركة الكهرباء الكبيرة اللي هنا، وده فرعي الجديد، كسبت ثقة الشركة وبقيت ماسك إدارة القسم.. أهلي من القاهرة ونظراً لظروف شغلي أأجرت هنا، وعندي شقة تمليك في القاهرة جاهزة. أنا داخل البيت ده من بابه عشان طالب إيد أنسة نور.”
الست كانت بتسمعني بمنتهى الهدوء، تهز رأسها مبتسمة ابتسامة خفيفة جداً، لحد ما خلصت كلامي عن شغلي ومرتبي وظروفي المالية اللي تعتبر ممتازة لشاب في سني. أول ما خلصت، لقيتها حطت كباية الشاي على الترابيزة وبصتلي بشرود وقالت جملة بكل بساطة كأنها بتطلب طلب عادي جداً: “تمام يا بني، ربنا يوفقك.. وطبعاً ضرتها هتكون معاها في نفس البيت؟ ولا هتعمل لها شقة تانية؟” أنا في اللحظة دي عقلي وقف! رمشت بعيني كذا مرة وضحكت ضحكة خفيفة فاكرها بتهزر أو بتختبرني:
“ضرتها؟! ضرة مين يا طنط؟ ربنا ما يجيب ضرة ولا حاجة! أنا بقول لحضرتك أنا جاي أتجوز نور، مش متجوز اصلاً!” هنا الست ماجدة ابتسامتها اخت.فت تماماً، وعينيها وسعت بذهول وصدمة حقيقية، وبصتلي كأني بقول كلام مجنون أو كأني أهنتها! وقالت بصوت حاد ومندهش: “إيه؟! مش متجوز؟! إزاي مش متجوز وجاي تطلب إيد بنتي؟! أنا قعدت اتلفت حوالي في الصالون مش فاهم حاجة.. هو أنا سمعت صح؟ هي بتقول إيه؟!
“يا طنط استهدي بالله بس..أنا شاب مش متجوز، طبيعي لما أجي أتجوز هكون مش متجوز! حضرتك تشرطي أي شرط في المهر، في الشقة، في العفش، إنما ضرة ؟!” ردت عليا بمنتهى الثبات والصرامة، ونبرة صوتها فيها يقين يستفز أي عقل: “المنطقة كلها والعمارة عارفين شرطي كويس.. بنتي نور مش هجوزها الا لواحد متجوز لو عايز تتجوز بنتي.. روح اتجوز واحدة تانية الأول، وبعدين تعال اطلب إيد نور وادخل بيها علي ضرتها
أنا اتجمّدت في مكاني! الدم اتجمد في عروقي، وحسيت إن الهوا في الأوضة اختفى فجأة. الست بتتكلم بجد! عينيها مفيهاش ذرة هزار، ولا نظرة واحدة بتقول إنها بتلعب بيا أو بتمثل سألتها باستغراب…ده بجد يعني….طب ايه السبب!!!!!! واللي عرفته منها خلاني اتجمدت في مكاني وحسيت رجليا تقلت وبصعوبه قدرت اقوم واسيب البيت فورا من غير ولا حرف الست ماجدة سكتت لحظة، ونظرة برود شديدة كست وشها، لكن العينين كان فيهم وجع قديم مخبي نفسه بالعافية. اتنهدت تنهيدة طالت كأنها بتطلع نار من قلبها، وقالت وهي بتبص للترابيزة قدامها بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت بتنزل عليا زي المرزبة:




