روايات

لما أمي خرجت من البيت وسابت إخواتي الصغيرين بيعيطوا

بعد فترة الراجل ده بدأ يهددني، مرة بالشغل، ومرة بالفلوس، ومرة بكلام فهمت منه إنه يعرف عن حياتنا أكتر مما المفروض يعرف، وساعتها بدأت أخاف بجد. إيدي كانت بتترعش أكتر. والحروف قدامي بدأت تبقى ضبابية. ولما شوفتي المشهد اللي فضل محفور جواكي طول السنين دي، ماكنتيش شايفة اللي حصل قبلها بدقائق، ماكنتيش شايفة إني كنت بحاول أخلص منه، ولا شايفة كلامه ولا تهديداته، ولا شايفة إني كنت واقفة مرعوبة من اللي ممكن يعمله لو عملتله مشكلة قدام الناس.

قفلت عيني. ورجعت أشوف المشهد من جديد. الشركة. العربيات. الناس. أمي. والضحكة. الضحكة اللي عشت عمري كله أفسرها بطريقة واحدة. أما الضحكة اللي شوفتيها، فكانت أكتر لحظة بتمـ,ـوتني كل ما أفتكرها، لأنك شوفتيها وافتكرتي إنها ضحكة رضا، بينما الحقيقة إنها كانت ضحكة خوف وتوتر وإنسان بيحاول يعدي الموقف من غير ما يولع الدنيا حواليه.

لكن أكتر حاجة لازم تعرفيها إني ما خرجتش من البيت علشان الراجل ده، ولا علشان أعيش معاه زي ما الناس كلها افتكرت، أنا خرجت بعد الليلة اللي حكيتِ فيها لأبوكي، لأن الدنيا كانت اتقلبت فوق دماغنا كلنا، ولأن التهديدات بقت أوضح وأخطر من إني أقدر أتجاهلها، ولأن أبوكي وقتها كان مقتنع إن إبعادي عن الشغل وعن المكان كله لفترة هو الحل الوحيد لحد ما يلاقي مخرج من اللي إحنا فيه، وأنا وافقت وأنا مرعوبة ومشتتة ومش شايفة قدامي، ودي كانت أكبر غلطة في عمري، لأن اللي بدأ على إنه هروب مؤقت اتحول لكارثة ضيعت سنين من عمرنا كلنا.

أنا غلطت لما مشيت، وأبوكي غلط لما سكت شهور على اللي كنت بحكيله عنه، وغلط أكتر لما افتكر إن الهروب ممكن يحل حاجة، والحقيقة إننا إحنا الاتنين دفعناكم تمن أخطاء ماكنش ليكم أي ذنب فيها. وعلشان كده لازم تعرفي حاجة تانية، بعد ما مشيت بعت جواب، وبعده جواب تاني، وبعده جوابات كتير، وبعت لأبوكي أرجوه يسمحلي أكلمكم أو حتى أعرف أخباركم، وفضلت مستنية رد ماجاش، ومع الوقت افتكرت إنه اختار يقفل الباب للأبد، ويمكن كان من حقه يغضب، ويمكن ماكانش، لكن اللي أعرفه إن في كلام كتير حاولت أوصله ليكم وما وصلش أبدًا.

وأهم كلام فيهم كله إني ظـ,ـلمتك يوم ما قولتلك إنتِ السبب، لأن الحقيقة إنك ماكنتيش السبب، ولا في خروجي، ولا في اللي حصل بعده، ولا في انهيار البيت، إنتِ كنتِ طفلة قالت اللي شافته، أما إحنا الكبار فكنا اللي بنغلط وبندفع بعض أكتر ناحية الهاوية كل يوم. هنا مقدرتش أكمل. الورقة وقعت من إيدي. وساعتها بس لمحت الظرف التاني… الظرف اللي كان باسم أبويا. واللي كان متخبي في نفس الكيس…

فضلت باصة للظرف ثواني طويلة وكأني مستنية حد يمنعني أفتحه أو مستنية معجزة تحصل وترجعني للبنت اللي كنتها قبل ساعة واحدة بس من اللحظة اللي الأسرار كلها بدأت تقع فوق دماغي واحدة ورا التانية، لكن المعجزات عمرها ما كانت بتحصل في حياتنا، والحقيقة لما بتقرر تطلع للنور مبتستأذنش حد، فمديت إيدي وفتحت الظرف ببطء شديد وطلعت الورقة اللي جواه وأنا حاسة إن قلبي بيدق بطريقة موجعة أكتر ما هي مخوفاني، ولما وقعت عيني على أول سطر عرفت من غير ما أبص مرتين إن ده فعلًا خط أمي، نفس الخط اللي كنت بشوفه زمان على ورق المدرسة وعلى الملاحظات اللي كانت تسيبها

لينا فوق التلاجة، ونفس الخط اللي اختفى من حياتنا في اليوم اللي خرجت فيه من البيت وسابت وراها وجع عمره ما خرج من قلوبنا. أحمد… معرفش هتقرأ الجواب ده ولا لأ، ومعرفش أصلًا إذا كنت هترضى تشوف أي كلمة جاية مني بعد كل اللي حصل، لكني بكتب برضه لأن السكوت دمر حاجات كفاية، ولأن في حقائق لو فضلت مدفونة أكتر من كده هتقـ,ـتل اللي باقي جوانا كلنا. أنا مش بطلب منك تسامحني، ومش بطلب منك ترجعني، ومش بطلب منك تدافع عني قدام حد، أنا بس بطلب منك حاجة واحدة… متخليش البنات يدفعوا تمن غلطتنا إحنا.

حسيت بإيديا بتتشبث بالورقة أكتر وأنا بكمل القراءة ودموعي بدأت تنزل من غير ما أحس. عارفة إنك غضبان، ومن حقك، وعارفة إنك موجوع، ومن حقك، لكن كل يوم بيعدي وأنا بعيدة عنهم بحس إن في حتة مني بتمـ,ـوت، وكل يوم أصحى فيه من النوم وأفتكر إن آخر حاجة قولتها لفريدة كانت إنتِ السبب بحس إني أوسخ إنسانة على وش الدنيا، لأن البنت اللي كان المفروض أحميها أنا اللي جرحتها، والبنت اللي كان المفروض أطبطب عليها أنا اللي حملتها ذنب مالهاش أي علاقة بيه.

وقفت عند السطور دي لحظة علشان أمسح دموعي، لكني رجعت أكمل بسرعة كأني خايفة الحقيقة تهرب مني تاني. أنا ظلمتها، وظلمتكم كلكم، لكن في حاجة لازم تعرفها، أنا ما خرجتش من البيت علشان الراجل ده، ولا يوم حبيته، ولا يوم تمنيت أسيب بيتي علشانه، وكل اللي شافته فريدة يومها كان جزء صغير جدًا من حكاية أكبر بكتير من اللي هي عرفته، حكاية خوف وضغط وتهديد وسكوت وغلطات اتجمعت فوق بعض لحد ما خنقتنا كلنا.

أنا كنت كل يوم برجع البيت مستنية أحس إن في حد سندني، مستنية أحس إن في ضهر أستند عليه، مستنية أحس إن الراجل اللي اخترته شريك عمر هيقف جنبي ويقولي متخافيش، لكن مع الوقت بقيت حاسة إني بحارب لوحدي. كل مرة أقول إني خايفة كنت تقولي استحملي، وكل مرة أحكي عن تصرفاته وتلميحاته كنت تحاول تهديني وتقنعني إن الأمور هتعدي، وكل مرة كنت أرجع مرعوبة كنت ألاقيك إنت كمان خايف بطريقتك.

يمكن كنت بتحاول تحافظ على البيت. ويمكن كنت فاكر إن الصبر هيحل المشكلة. لكن أنا من جوايا كنت بتكسر حتة حتة. ولما عرفت حجم نفوذ الراجل الحقيقي، ولما بدأت التهديدات تبقى أوضح، ولما حسيت إن وجودي نفسه بقى خطر عليكم، خفت. وخفت أكتر لما حسيت إنك إنت كمان مش قادر تواجه. ساعتها لأول مرة حسيت إني لوحدي فعلًا. ومش علشان مكنتش بتحبني. أنا عارفة إنك كنت بتحبني. وعارفة إنك كنت خايف علينا.

لكن الحب لوحده ماكانش كفاية. أنا كنت محتاجة حد يقف جنبي. وإنت اخترت تقف بعيد. كنت محتاجة جوزي يبقى سندي. لكن الخوف كسبك أكتر من مرة. وأيوة… أنا غلطت لما هربت. وغلطت لما سبت بناتي. وغلطت لما استسلمت. لكن إنت كمان غلطت. غلطت لما شفت خوفي وسكت. وغلطت لما عرفت نية الراجل وماوقفتوش. وغلطت لما طلبت مني أستحمل أكتر مما أقدر. وغلطت لما سبتني أواجه كل ده لوحدي. يمكن لو كنا وقفنا جنب بعض وقتها…

ماكانش بيتنا اتكسر بالشكل ده. ويمكن لو كنت لقيت فيك السند اللي كنت بدور عليه… ماكنتش وصلت للحظة اللي هربت فيها من كل حاجة. بعدها البيت بقى مليان غضب وسكوت ووجع، وكل يوم كنت بحس إن الدنيا بتقفل عليا أكتر، وكل يوم كنت بفقد جزء جديد من نفسي، لحد ما وصلت للحظة ما بقيتش شايفة فيها أي مخرج. أنا ما مشيتش علشان اخترت حد غيركم. ولا علشان كنت عايزة أبدأ حياة جديدة.

ولا علشان حبيت الراجل ده. أنا مشيت لأني ضعفت. لأني خفت. ولأني فقدت الإحساس بالأمان حتى جوه بيتي. وهربت بدل ما أواجه. وده أكبر ذنب هشيله طول عمري. بلعت ريقي بالعافية وأنا بكمل.

وعارفة إن فريدة يمكن متصدقش الكلام ده أبدًا، ويمكن لو كنت مكانها ما كنتش هصدقه أنا كمان، لكن ربنا شاهد إني يومها ما كنتش بضحك علشان فرحانة ولا علشان راضية، كنت بضحك ضحكة إنسان مرعوب بيحاول يعدي موقف مش عارف يخرج منه إزاي، ويمكن دي أكتر حاجة هتفضل توجعني طول عمري، إن بنتي شافت اللحظة دي بعينيها ومكنش عندها أي سبب يخليها تفسرها غير بالطريقة اللي أي حد كان هيفسرها بيها.

هنا بدأت أنفاسي تضيق وأنا بكمل. أنا غلطت لما خفت أكتر من اللازم، وغلطت لما هربت بدل ما أواجه، وغلطت لما رميت ذنبي فوق ضهر بنتي الصغيرة وخرجت أجري من الحقيقة، لكن مهما حصل ومهما عدت سنين، فريدة عمرها ما كانت السبب، والبنات عمرهم ما كانوا السبب، ولو في يوم سألوك عني قولهم إن أمهم غلطت، لكن قولهم كمان إنها كانت بتحبهم أكتر من أي حاجة في الدنيا. هنا مقدرتش أكمل.

حطيت الورقة على رجلي وأنا حاسة إن الأوضة كلها بقت أضيق من إنها تستحمل اللي جوايا، ولأول مرة من اتناشر سنة حسيت إن في جزء من الحقيقة اللي كنت عايشة عليه بدأ يهتز تحت رجلي، مش لأنه وقع، لكن لأني اكتشفت إن فيه حاجات كتير ما كنتش أعرفها. ساعتها حبيبة مسحت دموعها وقالت بصوت مبحوح يبقى بابا كان عارف. رفعت عيني ناحيتها. فكملت وهي بتبص للورقة كان عارف إنها بتبعت، وعارف إنها بتحاول توصل لنا، وعارف إننا عمرنا ما شوفنا أي جواب.

الكلام وقع علينا زي صخرة. لأن فجأة بقينا شايفين إن جزء كبير من الحكاية كان متخبي بإرادة حد. وفجأة حسيت إني مش قادرة أفضل قاعدة ثانية واحدة زيادة، فقمت من على السرير بسرعة وحبيبة قامت ورايا من غير ما نتكلم، ونزلنا السلم خطوة ورا خطوة وكل درجة كنت بنزلها كنت حاسة إن السنين اللي فاتت كلها بتتقلب قدامي، ولما وصلنا للصالة لقينا أبويا قاعد قدام التلفزيون لكن من نظرة واحدة عرفت إنه ماكانش بيتفرج على أي حاجة.

أول ما شاف الكيس في إيدي وشه كله اتغير. وقف ببطء شديد. وقال لقيتوه؟ محدش رد. فضلنا واقفين. وبعدين قولت بصوت مرتعش ماما كانت بتبعت. سكت. قولت كانت بتبعت وإنت كنت عارف. لسه ساكت. قولت وكانت بتبعت وإنت خبيت الجوابات. قفل عينه ثانية طويلة جدًا. وبعدين فتحها وقال أيوة. والله العظيم الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قريتها في الرسالة، لأن جزء جوايا كان لسه مستني تفسير تاني أو سوء فهم أو أي حاجة تخلي الصورة أقل وجعًا، لكن مفيش، كان فيه اعتراف مباشر وصريح ومفيش مكان للهروب.

حبيبة انفجرت في العياط وقالت ليه؟ ليه تعمل فينا كده؟ قعد أبويا على الكرسي كأنه كبر عشرين سنة في دقيقة واحدة، وفضل ساكت شوية طويلة قبل ما يتكلم، ولما اتكلم كان صوته متكـ,ـسر بشكل عمري ما سمعته منه قبل كده. قال

أول جواب وصل بعد ما مشيت أمكم بحوالي شهرين، وقريته كله، وقعدت أعيط زي الطفل، لأني لأول مرة شفت نفسي بعين حد تاني، وشفت كل مرة كانت ترجع فيها من الشغل خايفة وأنا أقولها استحملي، وكل مرة كانت تحاول تفهمني إن الراجل ده نيته مش سليمة وأنا أقولها امشي الأمور، وكل مرة كانت تقول إنها مرعوبة وأنا أقنع نفسي إن الموضوع مجرد ضغط شغل وهيعدي لوحده، والحقيقة إني كنت فاهم أكتر ما كنت معترف لنفسي، وكنت شايف نفوذ الراجل وعارف إنه يقدر يأذينا، لكن خوفي خلاني أختار أسهل طريق وأقنع نفسي إن السكوت هيحمينا.

سكت لحظة ومسح دموعه. وبعدين كمل كنت فاكر إني بحافظ على البيت، لكن الحقيقة إني كنت بسيب النار تكبر جواه كل يوم. حسيت إن صدري بيتقبض وأنا بسمعه. لأن لأول مرة في حياتي بشوف أبويا مش كضحية بس. بشوفه كإنسان غلط. واتحاسب. ومازال بيتحاسب. كمل بصوت مبحوح

لما طلبت تشوفكم رفضت، ولما بعتت تاني رفضت، ولما بعتت مرة ورا مرة رفضت، كنت غضبان منها، وغضبان من نفسي، ومش قادر أبص في وش أي حد فيكم من كتر إحساسي بالفشل، وبعد شوية بقيت أخبي الجوابات كلها، وكل مرة أقول هقولكم الحقيقة بكرة، لكن بكرة كان بيبقى أصعب من اللي قبله، لحد ما السنين عدت وبقيت جبان زي ما كنت جبان زمان. وبعدين سكت لحظة، وكأنه بيحاول يطلع الكلام من مكان عميق جواه بقاله سنين مدفون.

وقال بعد أول كام جواب بقيت كل ما أمسك واحد منهم أحس إني لو سلمته ليكم هتعرفوا إني كنت عارف من البداية وسكت، وإن أمكم ما كانتش الوحيدة اللي غلطت في الحكاية، وإن أبوكم اللي كنتوا شايفينه دايمًا الضحية كان ليه نصيب من اللي حصل. وكل سنة كانت بتعدي كانت بتخلي الاعتراف أصعب من اللي قبلها، لحد ما بقيت سجين للكذبة اللي أنا بنفسي صنعتها.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى