روايات

لما أمي خرجت من البيت وسابت إخواتي الصغيرين بيعيطوا

بس الحقيقة ما راحتش. كانت لسه واقفة. وأكتر حاجة صعبة إن اللقاء مش معناه نهاية الألم، لكنه بداية مواجهة الحقيقة من غير هروب. بعد لحظات، رفعت عيني وأنا لسه ماسكة فيها، وحسيت إني لازم أسأل، لازم أتكلم، لازم أطلع اللي جوايا حتى لو صوته هيكسر الدنيا تاني. وقولت بصوت واطي ليه؟ الكلمة كانت صغيرة بس تقيلة. ليه سبتينا؟ ليه سكتنا؟ ليه كل السنين دي؟ أمي مسحت دموعها بإيد بترتعش، وبصت لنا كأنها بتحاول تجمع نفسها قبل ما تنهار تاني، وبصوت مبحوح قالت

مش هقول إني بريئة لأني مش بريئة. ومش هقول إني مظلومة بس لأني كنت غلطانة. أنا هربت. لأني خوفت. ولأني لما الدنيا اتقفلت حواليا، حسيت إني لو فضلت هتدفن وأنا عايشة. سكتت لحظة طويلة، وبعدين كملت وهي باصة في الأرض لكن أكتر حاجة وجعتني مش إني مشيت أكتر حاجة وجعتني إني سيبتكم. سيبت بناتي. وسكتت وأنا كنت فاكرة إن السكوت ده حماية. لكن الحقيقة إنه كان مـ,ـوت ببطء. بصيت لها، وقلبي كان بيتكسر تاني، وقلت

وأبويا؟ رفعت عينيها ناحيتي بسرعة، وكأن السؤال ده كان أصعب من أي حاجة. وقالت أبوكي كان بيحبني. بس كان بيخاف. وأنا كنت محتاجة الحماية والسند. مش حد بيشاركني الخوف. الكلام وقع بيننا كأنه اعتراف مش بس بحكاية، لكن بانهيار كامل لعلاقة، لعيلة، لسنين من سوء الفهم اللي كبر لحد ما بقى حياة كاملة. وفجأة الباب اتفتح تاني. ودخل أبويا. واقف عند الباب. ما بيننا. وبينها. وبين كل حاجة اتكسرت واتلمت بالغلط.

بص لها. وهي بصت له. والصمت بينهم كان مختلف صمت ناس فاهمة بعض أوي، بس اتأخروا أوي. وبصوت منخفض جدًا، قال أنا آسف. بس المرة دي الكلمة ماكنتش ضعف كانت اعتراف متأخر، وندم مش بيطلب مسامحة، بس بيطلب فرصة يفهم نفسه. أمي قالت وأنا كمان آسفة إننا بدل ما نحمي البيت كسرناه بإيدينا. وفي اللحظة دي، فهمت إن مفيش حد بريء تمامًا. ومفيش حد شرير تمامًا. في بس ناس خافت وسكتت ودفعت التمن سنين طويلة.

وبعد وقت، كنا قاعدين كلنا في نفس الأوضة. نفس البيت. نفس العيلة اللي كانت مكسورة ورجعت تلم نفسها بالعافية. وأنا بصيت لهم كلهم، وبصيت لحبيبة، وبصيت لنفسي، وفهمت حاجة واحدة أخيرة إن الحقيقة مش بتصلّح الماضي. لكنها على الأقل بتوقف النزيف. وبتدي فرصة جديدة حتى لو متأخرة. وأول مرة من سنين طويلة حسيت إني مش شايلة الذنب لوحدي.

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى