
تفتكروا إيه السر المرعب اللي كتبته أم ندى عن نسبها وحقيقتها؟ وإيه اللي هيحصل لما الشريط ينزل للنيابة ويكشف الرؤوس الكبيرة اللي ورا توفيق الجبلي؟ الجزء الخامس والأخير وقعت الورقة من إيدي وكأنها جمرة نار مشتعلة.. الأرض تحت رجليا اتسحبت، وصوت دقات قلبي بقى يصرخ في ودني أعلى من أصوات سرينات عربيات الشرطة اللي مالية الشارع بره. اللواء حمزة العطار لاحظ ذهولي وصدمتي اللي خلت لون وشي يبياض كأني شفت جثة.. نزل على ركبتيه بسرعة، جاب الورقة من الأرض وبصلي بتساؤل وقلق:
– «ندى! مالك يا بنتي؟ إيه اللي مكتوب في الورقة دي وخلاكي تتسمري كدة؟» لساني كان مشلول.. مش قادرة أطلع حرف واحد.. شاورِت لإيده بالورقة، وقرأ هو السطور اللي كتبتها أمي فاطمة بخط إيدها المرتعش قبل ما تفارق الحياة بأيام قليلة:
«يا ندى يا بنتي.. لو تقرأي الكلمات دي، يبقى السر انطوى وحق عبد الحميد رجع.. بس فيه حق تاني لازم تعرفيه قبل ما تقابلي ربنا.. أنتِ مش بنتنا بالدم يا ندى.. أنتِ طفلة عبد الحميد جابك من الملاذ لما كان عمرك أيام، بعد ما دكاترة المستشفى قالولنا إن رحمي مش هيشيل أطفال.. عبد الحميد سِمّاكِ ندى، وكتبك باسمنا عشان يحميكي ويفرح بيكي.. وربنا شاهد إني حبيتك أكتر من أي أم ما جابتش! لكن السر الأكبر يا ندى.. إن السرين بتوع توفيق الجبلي والملف ده.. أصلهم يرجع لأبوكي الحقيقي اللي عبد الحميد مات عشان يحمي سر أهله!»
غبت عن الوعي لثواني.. أفكاري تضاربت وتلاطمت زي أمواج البحر.. أنا مش بنت فاطمة وعبد الحميد؟ الست اللي قضت عمرها تحميني، واللي وقفت على رجليها في مطعم الفول عشان تسيبلي بيت وسند، مش أمي الحقيقية؟ وعبد الحميد الراجل الطيب اللي اتقتل عشان العقد، مش أبويا بالدم؟ اللواء حمزة حط إيده على كتفي برفق شديد، ونبرة صوته الحازمة تحولت لأبوة مطلقة:
– «اهدِي يا ندى.. اهدِي يا بنتي واقفي على حيلك.. فاطمة وعبد الحميد هما أهلك الحقيقيين.. اللي يربي ويكبر ويحمي بروحه ويضحي بحياته هو الأب والأم الحقيقيين، مش اللي يرمي ويختفي! والورقة دي ما تنقصش من قدرك، دي بتزيدك شرف إنك بنت أبطال عاشوا وماتوا بشرفهم!» كلامه نزل على قلبي زي المية الباردة في عز الصيف.. مسحت دموعي بإيدي، واستجمعت نَفَسي، ورفعت رأسي لفوق.. اللواء حمزة عنده حق.. فاطمة هي أمي اللي شيلت اسمها، وعبد الحميد هو أبويا اللي مات عشان يحميني.. ومفيش سر في الدنيا هيغير الحقيقة دي.
أخذ اللواء حمزة الشريط الكاسيت والعقد الأصلي، وأمر رجالة المباحث بنقل الصندوق والتحفظ على المكان بالكامل.. وخرجنا من المطعم. في الشارع القديم، كان منظر توفيق الجبلي وطارق والحاجة صفية وإبراهيم وهم متكلبشين ومحطوطين في البوكس بتاع الشرطة منظر يداوي أي جرح.. طارق شافني طالعة مع اللواء حمزة، حاول يصرخ ويهز الكلبشات في إيده: – «ندى! ارجعي يا ندى! أنا اتخدعت والله.. أمي هي اللي أغرتني بالفلوس! سامحيني واقفي جنبي في النيابة!» بصيت له بعيون ميتة، عيون مفيش فيها حتى كره.. القرف والازدراء هما كل اللي حسيت بيه ناحيته.. قُلت له بنبرة قاطعة هزت الشارع:
– «أنت ما تستهلش حتى إني أكرهك يا طارق.. أنت مجرد نكرة بعت شرفك وكرامتك عشان قرشين.. والحساب اللي هتدفعه في السجن مش هيكون بس على التزوير والسرقة.. هيكون على دم عبد الحميد وسنين شقاء فاطمة!» الحاجة صفية كانت بتصوت وتلطم على وشها وتدعي عليا وعلى الدنيا، وتوفيق الجبلي وشه كان اسود زي الفحم وهو شايف مستقبله وإمبراطوريته المزيفة بتنفي في ثواني. مرت الأيام والأسابيع بعد الليلة دي زي السحاب..
أمام النيابة العامة، اتفتحت التحقيقات في قضية إعادة فتح مقتل عبد الحميد والتزوير والاستيلاء على أراضي الأوقاف.. الشريط الكاسيت اللي أمي سابته كان فيه تسجيلات صريحة لتوفيق الجبلي وهو بيعترف بتهديد عبد الحميد وبترتيب الحادثة المفتعلة اللي أودت بحياته.. وبمساعدة طارق وزوجته وأمه في محاولة سرقة العقود بعد وفاة أمي فاطمة. صدر بعد شهور من المحاكمات.. المعلم توفيق الجبلي اتسجن بالسجن المؤبد عن جرائم القتل والتزوير..وطارق أخذ 15 سنة سجن مشدد لمشاركته في التزوير والشروع في السرقة والإكراه..7 ساعات
والحاجة صفية وأولادها أخذوا أحكام متفاوته بالسجن والتجريد. أما أنا.. فعدت لبيتي في المعادي.. البيت اللي ورثته عن فاطمة وعبد الحميد.. فتحت الباب الحديد الكبير.. المرة دي ما كانش فيه عربيات مركونة صف تاني، ولا ناس طمعانة جاية تقسم الأوض وتستبيح المكان.. الشارع كان هادي، وعم سيد البواب كان واقف على البوابة بيسقي الجنينة وهو مبتسم ابتسامة صافية.. دخلت الجنينة، وريحة الفل وشجر الجوافة ملأت المكان.. مشيت بثبات، وركبت السلم، وفتحت أوضة النوم الرئيسية اللي كانت حماتي بتحلم تأخذها..
قعدت على السرير، وطلعت الملف البيج اللي فيه عقود الملكية الحقيقية المسجلة، وحطيت جنبه السلسلة النحاس والمفتاح الفضي.. افتكرت كلام أمي فاطمة الأخير في وصيتها: «يا بنتي، أول ما الناس تعرف إن تحت إيدك حاجة أو حيلتك قرشين، مش هيستأذنوكي قبل ما يمدوا إيديهم وياخدوها.. هيجربوا الأول يشوفوا هنسكتي لحد فين، ولو سكتِ.. بكرة ياكلوا لقتك!» ابتسمت من قلبي وأنا بدمع، وقُلت وأنا بصادق روحها اللي حاسة بيها حوليا: – «ما سكتش يا أمي.. وما خليتش حد ياكل لقتي.. عشت ووقفت على رجليا زي ما علمتيني.. وبيت فاطمة وعبد الحميد هيضل مفتوح بالخير والكرامة طول ما أنا حية.»
قفلت الملف، وقمت وقفت قدام مراية الأوضة.. شفت ندى الجديدة.. مش الممرضة الغلبانة اللي كانوا بيمشوها بكلمة، ولا الست الضعيفة اللي كانت بتخاف من كلمة طلاق.. شفت ست قوية، حرة، سيدة قرارها وبيتها، واللي خدت حقها وحق أصلها بالقانون والعزة. النهاية




