روايات

يوم فرحى

وقفت في البلكونة، بشوف الناس وهي معدية في الشارع، بيشاوروا على بيتنا، بس نظراتهم اتغيرت. مبقاش فيها شفقة ولا سخرية، بقى فيها احترام.. احترام للي اختارت الحقيقة على الستر الكداب. بصيت للسما، حسيت إن أخويا -في مكان ما- أخيراً ارتاح. رميت خاتم الجواز اللي كان في إيدي في الشارع، وشفت لمعته وهو بيختفي في وسط الزلط. بدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها أسرار، مفيش فيها ذل، صفحة عنوانها “أنا”.

الحياة مكنتش سهلة، وكل يوم كان فيه استجوابات ومحاكم، بس كنت بمشي في الشارع راسي مرفوعة، لأني بقيت حرة.. حرة من الماضي، وحرة من خوفي، والأهم من ده كله، حرة من الكدبة اللي كادت تدفـ,ـني وأنا لسه عايشة. …….. عدت الشهور كأنها سنين، المحاكمات كانت بتهد الحيل، وأبويا دخل السجن يقضي عقوبته عن ذنبه اللي اعترف بيه، بس في كل زيارة كنت بدخله فيها، كنت بلاقي في عينيه سلام مكنش موجود قبل كده، كأنه اتطهر من حمل تقيل شاله سنين فوق كتافه. أمي فضلت جنبي، سندتني وسندتها، وبقينا احنا الاتنين في وش الريح، بس المرة دي ريح مش هتقدر تهزنا.

سالم اتوزع على سجون بعيدة بعد ما الحقيقة اتكشفت، وكل اللي كانوا شغالين معاه تاهوا، والمصالح اللي كانت بتدور بالفساد اتقفلت أو اتغيرت إدارتها. الناس بدأت تنسى “فضـ,ـيحة الفرح”، وتحفظ في الذاكرة “شجاعة البنت اللي كشفت المستور”. في يوم خريف، كنت ماشية في شارعنا القديم، لقيت عريسي السابق، اللي طلقني بكلمة رخيصة في القاعة، واقف بعيد بيراقبني. لمحته وهو بيقرب بخطوات مترددة، ملامحه كانت ذابلة، وكأنه عرف معنى الخسارة الحقيقية. وقف قدامي، حاول يتكلم، حاول يبرر:

”انجي.. أنا.. أنا كنت مخدوع، كنت فاكر إن..” قاطعته قبل ما يكمل، ابتسامة خفيفة ورزينة اترسمت على وشي، بصيت في عينيه بثبات، ومن غير أي عصبية أو حقد، قلتله: ”اللي بيحب بجد يا فلان، بيسأل قبل ما يرمي اليمين، وبيصدق اللي بيحبه قبل ما يصدق كلام الغريب. أنت اخترت السهل، وأنا اخترت الحق.. والاتنين مبيتقابلوش.”

سبته واقف مكانه، مكملتش كلام، ومبصتش ورايا تاني. مشيت في طريقي، كملت تعليمي اللي كان واقف، وبدأت مشروع صغير بجهدي وشقايا. بقيت بشتغل وبكبر، والفلوس اللي كانت بتيجي من “الشبكة” أو “الفساد” مابقتش موجودة، بس البركة كانت في كل قرش بدخله بيتي، والراحة اللي في قلبي كانت تساوي كنوز الدنيا. أحياناً، بليل، لما بقعد في بلكونتي وببص للنجوم، بفتكر “انجي” بتاعت زمان، البنت اللي كانت خايفة ومكسورة، وببتسم. الزمن مش بس بيغير الوشوش، الزمن بيصقل البني آدم. عرفت إن الفضـ,ـيحة مش إنك تطلق في فرحك، الفضـ,ـيحة الحقيقية إنك تع

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى