
وأول ما اختفى من قدام الباب، زحفت بسرعة بعيد عن السر,,ـــــير، وقومت وأنا جسمي كله بيرتعش، وجريت قفلت باب أوضتي بالمفتاح، وفضلت لازقة فيه وأنا بحاول آخد نفسي. ماعدتش غير ثواني… وسمعته بيتكلم. لكن مش بنفس الصوت اللي كان بيهددني بيه من شوية. لا… رجع لصوته الهادي، الصوت اللي كان بيخدع بيه أمي طول السنين، وقال وهو بيفتح الباب الحمد لله إنكم جيتوا… بنت مراتي تعبانة نفسيًا، ومنهارة من الصبح، وبتقول كلام مش حقيقي عشان غابت عن المدرسة النهارده، وأنا لما رجعت لقيتها قافلة على نفسها الأوضة وخفت عليها.
وقبل حتى ما ألحق أستوعب إنه قدر يغيّر وشه وصوته في ثانية… سمعت صوت أمي. مريم… يا حبيبتي… أنا برا… افتحي الباب… أنا مع الشرطة. جريت ناحية الباب، ودموعي نازلة من غير ما أحس. وقلت وأنا مخنوقة من العياط إنتِ لوحدك؟ ردت بسرعة، وكأنها كانت مستنية السؤال لا يا حبيبتي… أنا مع الشرطة… افتحي. ساعتها بس… لفيت المفتاح. وفتحت الباب. لقيت أمي واقفة قدامي بملابس الشغل، وطرحتها ميلة من كتر الجري، ونفسها مقطوع، ووشها أصفر كأنها جريت الطريق كله من غير ما تقف.
أول ما عينيها جت في عيني… حــ,,ـــــضنتني. حــ,,ـــــضنتني بقوة لدرجة إني حسيت نفسي مش قادرة أتنفس. لكن لأول مرة… ماكنتش عايزة تبعد. كنت محتاجة أفضل مستخبية في حــ,,ـــــضنها شوية، وأقنع نفسي إن الكابوس ده قرب يخلص، وإن أمي فعلًا قدامي، وإني أخيرًا بقيت في أمان. لكن سالم ما استحملش المشهد. حاول يقرب مننا بسرعة، وقال وهو بيبص لأمي ويحاول يرجع يلبس قناع البراءة أمينة… اسمعيني… البنات فاهمين الموضوع غلط، زينب اختلطت بناس مش كويسين، ومريم بتحاول تداري عليها.
أمي ما استنتش يكمل. رفعت إيديها. مش علشان تضــ,,ـــــربه… لكن علشان تسكته. وبصتله بنظرة عمري ما شوفتها في عينيها قبل كده، وقالت بصوت ثابت، ماكانش فيه خوف، ولا تردد، ولا حتى ذرة ضعف إياك تنطق اسم بناتي مرة تانية… وكأن ليك حق فيهم. سكت. وأنا لأول مرة أشوف سالم مش عارف يرد. سكت سالم. يمكن لأول مرة من ساعة ما عرفته. والسكون ده كان كفاية لواحد من رجال الشرطة إنه يقرب منه، ويبعده عن باب الأوضة، ويطلب منه يفضل واقف بعيد.
وأنا لسه مستخبية في حــ,,ـــــضن أمي، خرجنا كلنا للصالة. إيد أمي كانت بتترعش وهي بتفتح الفيديو على موبايلها، لكن رغم رعشتها أصرت تشغله قدامهم من أوله لآخره. فضل رجل الشرطة مركز في الشاشة من غير ما يقاطع ولا بكلمة. الصورة كانت مهزوزة. والنور كان ضعيف. لكن الحقيقة ما كانتش محتاجة جودة أحسن. القفازات كانوا واضحين. شنطة زينب الزرقا كانت واضحة. والعلبة وهي بتدخل الجيب الجانبي كانت أوضح من أي كلام.
أما صوته… فكان أوضح حاجة في الفيديو كله. النهارده. .. هتسقط الفتاة المثالية. أول ما الجملة خرجت من سماعة الموبايل… حسيت أمي بتحط إيدها على بقها. ما عيطتش. ولا صرخت. فضلت باصة لسالم، وكأنها لأول مرة تشوف الراجل اللي عاشت معاه من غير القناع اللي كان لابسه طول السنين. لكن سالم، وبرغم كل اللي اتعرض قدامه، هز كتفه بمنتهى البرود وقال الفيديو ده متفبرك. بصله رجل الشرطة بهدوء، وقال طيب تفسر بإيه إن البلاغ اللي وصل للمدرسة وصف مكان العلبة بالظبط، وحدد إنها موجودة في الجيب الجانبي للشنطة؟
المرة دي… سالم ما عرفش يرد. وبعدها أخدونا كلنا على المدرسة. كنت قاعدة في العربية لازقة في حــ,,ـــــضن أمي، ولسه لابسة هدوم البيت، وركبتي بتحــ,,ـــــرقني من الخدوش اللي اتملت بيها وأنا بزحف تحت السر,,ـــــير، لكن لأول مرة من الصبح، حسيت إني مش لوحدي. ولما وصلنا… دخلنا مكتب المدير. ولقيت زينب قاعدة على كرسي في آخر الأوضة، وشها شاحب، وعينيها حمرا من كتر العياط، وشنطتها الزرقا محطوطة فوق المكتب، جنب كيس شفاف فيه علبة الأقراص.
أول ما شافتني… قامت جري. حــ,,ـــــضنتني بكل قوتها، وهي بتقول مريم… إنتِ كويسة؟ هزيت راسي. لكن أول ما حــ,,ـــــضنتها… ماقدرتش أتمالك نفسي. انفجرت في العياط. وهي كمان عيطت. وزينب… البنت اللي عمرها ما كنت بشوفها بتضعف… كانت بتترعش في حــ,,ـــــضني بنفس الرعشة اللي كانت في جسمي. فضل المدير ساكت. وبص لأمي وقال بهدوء إحنا وصلنا لنا بلاغ بيقول إن في أقراص ممنوعة جوه شنطة زينب، والبلاغ وصف مكانها بدقة، فكان لازم نفتش.
عقدت أمي حاجبيها وقالت مين اللي بلغ؟ المدير سكت. وفي اللحظة دي… طلعت زينب موبايلها من جيبها، وقالت أول ما شفت سالم داخل المكتب، وحسيت إنه بيحاول يورطني، شغلت تسجيل الصوت وحطيت الموبايل في جيبي. كل اللي في الأوضة لفوا يبصولها. ضغطت على تشغيل. وفجأة… اتملت الأوضة بصوت سالم. وهو بيقول إن مريم هي اللي سرقت الأقراص. وإن زينب كانت مخبياها ليها. كدبة واحدة… كان عايز يضيع بيها أختين. ويكسر بيها أم.
بص رجل الشرطة لسالم، وقال هنتــ,,ـــــحفظ على موبايلك ضمن التحقيق. المرة دي… سالم فضل ساكت. وخلال التحقيق، وبعد ما اتخذوا الإجراءات القانونية، ظهرت رسالة على موبايله كانت كفاية لوحدها تكشف اللي مستخبي. كانت رسالة من رقم محفوظ بحرف واحد. ومكتوب فيها المدير عرف… خليه يفتش الجيب الجانبي للشنطة… وبعدها أمينة هتوافق وتمضي. أمي اتجمدت. وبصتله وهي بتقول بصوت مكسور أمضي… على إيه؟ سالم نزل عينه في الأرض. وساعتها… كل حاجة بقت مفهومة.
ماكنتش مجرد علبة أقراص. ولا مجرد محاولة يورط زينب. هو كان بيرتب إنه يوقع أمي في قضية بسبب شغلها، ولما الدنيا تضيق عليها، يساومها على الشقة، ويعمل نفسه المنقذ الوحيد. الشقة… اللي جدي الله يرحمه كتبها باسم أمي. واللي أمي كانت بترفض تنقلها باسمه مهما ضغط عليها. وساعتها فهمت إن كدبة الحمى اللي افتكرتها الصبح أكبر غلطة عملتها في حياتي… هي نفسها اللي كشفت أكبر مصيبة كانت مستخبية وسطنا. وأنا واقفة في مكتب
المدير، وأمي ماسكة إيدي، وزينب حــ,,ـــــضناني وهي لسه بتعيط… أدركت إن سالم ما كانش عايز ينتقم مننا وبس. هو كان عايز ياخد مننا بيتنا… واسم أمي… ومستقبل أختي… وحتى طفولتي. وفي الليلة دي… ما رجعناش الشقة. وقبل ما نمشي، بصت أمي ناحية باب البيت اللي قضينا فيه سنين، وبعدها بصتلنا أنا وزينب، ومسكت إيدينا بقوة، وقالت بصوت عمري ما هنساه ولا واحدة من بناتي هتنام تاني في بيت كان راجل زي ده عايش فيه.
ورحنا بيت ستي. أمي كانت مستعجلة، فحطت كام طقم هدوم في شنطتين، وخدتنا ومشينا. أول ما ستي فتحت الباب وشافت وشوشنا… ما سألتش ولا سؤال. حــ,,ـــــضنت أمي، وقالت بهدوء اتفضلوا… الأكل جاهز. وساعتها عرفت إن ساعات الحنان مش بيكون في الكلام… الحنان الحقيقي إن حد يفتح لك بابه قبل حتى ما يعرف إيه اللي حصل. تاني يوم… أمي أدلت بأقوالها. وزينب كمان. وأنا قعدت أحكي كل اللي شفته قدام الباحثة الاجتماعية ورجل الشرطة.
كانوا بيتكلموا معايا بهدوء، كأنهم خايفين أي سؤال يكسرني. سألوني ليه استخبيتي تحت السر,,ـــــير؟ وليه صورتي؟ وليه بعتي الفيديو؟ جاوبتهم بالحقيقة… لأني كنت خايفة محدش يصدق بنت عندها تلتاشر سنة… قدام راجل بيعرف يلبس وش الملاك قدام الناس. ومع استمرار التحقيق… وبعد ما النيابة أذنت بفحص موبايل سالم والأدلة اللي اتحفظت من الشقة… بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة. لقوا على موبايله صورًا لعقد الشقة، وصورًا لكل أوراقها، ورسائل بينه وبين واحد
بيشتغل في السمسرة، بيقوله فيها إنه هيقدر يخلّص نقل ملكية الشقة لو قدر يجيب توقيع أمي. وساعتها فهمنا إن حكاية الأقراص ما كانتش الهدف. دي كانت مجرد أول خطوة في الخطة. كان عايز يورط زينب. وبعدها يجر أمي في القضية بحكم شغلها في الصيدلية. ومن الرسائل فهمنا إنه كان ناوي يستغل اللي هيحصل، ويضغط على أمي، ويقنعها إنها مش هتخرج من المصيبة دي غير لو تنازلت له عن الشقة. لما عرفت التفاصيل دي…
خفت أكتر من خوفي وأنا مستخبية تحت السر,,ـــــير. لأني فهمت إن اللي حصل ما كانش لحظة غضب. ولا خناقة بين زوج ومراته. دي كانت خطة متحططة من زمان… خطوة ورا خطوة… واترسمت تفاصيلها كلها جوه بيتنا. بعد أيام… إدارة المدرسة اضطرت تعتذر. مش بالطريقة اللي كنت بتتخيلها. ولا قدام المدرسة كلها. اعترفوا إنهم استعجلوا في الحكم على زينب. وعدلوا كل البيانات اللي اتكتبت في ملفها. وطلبوا من المدرسين يوضحوا للطلبة إن زينب كانت ضحية بلاغ كاذب، وإن اللي حصل معاها كان ظلــ,,ـــــم.
كانت زينب واقفة رافعة راسها. وشايلة شنطة جديدة اشترتهالها أمي. وقالت لها الشنطة القديمة خلاص… مش عايزة أشوفها في بيتنا تاني. زينب ما ابتسمتش. لكن كانت واقفة بثبات. وأنا بصيت لها، وقلت بيني وبين نفسي… في ناس كرامتها مش محتاجة تتكلم. يكفي إنها ترفض تنكسر. أمي غابت عن شغلها كام يوم بسبب التحقيقات والإجراءات. لكن الحمد لله… ما خسرتش شغلها. الصيدلية راجعت كل السجلات، واتأكدوا إن الأقراص دي مالهاش أي علاقة بشغل أمي.
ولما الحقيقة ظهرت… مدير الصيدلية اعتذر لها، وقال إنه اتأكد بنفسه إن الشبهة ماكانتش في محلها. أمي هزت راسها وقالت مسامحاك. ولما خرجنا، قالتلي وهي ماشية الاعتذار ما يمسحش إنهم كانوا مستعدين يصدقوا إني حرامية من أول كلمة. سكت. ما عرفتش أرد. كنت لسه صغيرة… لكن فهمت إن الظلــ,,ـــــم حتى لو اتكشف… بيسيب وجع جوه القلب. سالم فضل يحاول يوصل لنا. كل مرة من رقم مختلف. مرة يشتم. ومرة يترجى.
ومرة يهدد. ويقول إن أمي هي اللي خربت حياته. وإن زينب بنت جاحدة. وإني كذابة. وفي مرة بعت رسالة صوتية وهو بيعيط. بيقول إنه مشتاقلنا… وإن الأمور خرجت من إيده. أمي سمعتها للآخر. وبعدين حفظتها مع باقي الرسائل، وسلمتها للمحقق علشان تتضاف لملف القضية. وقالت بهدوء الندم الحقيقي غير الكلام… واللي يؤذي أهله ما يرجعش بكلمتين. فضلنا عند ستي كام أسبوع. وهناك… زينب كانت تقعد تذاكر معايا كل يوم. وتشرحلي الرياضيات بأسهل طريقة لحد ما بدأت أفهم.
ولما جه امتحان الدور التاني… دخلته. المرة الأولى ما نجحتش. لكن في المرة التانية… نجحت. ولما رجعت قلت لأمي… حــ,,ـــــضنتني بقوة.




