
لبست بسرعة وخدت بناتي في إيدي ونزلت، أول مشوار كان على المستشفى الحكومي، عملت تقرير طبي بالضــ,,ـــــرب والكدمات اللي في وشي وجسمي، ومن هناك على قسم الشرطة، وقفت قدام الضابط وبكل ثبات طلعت التقرير الطبي وطلعت القيد العائلي وقولتله: “أنا عايزة أعمل محضر ضــ,,ـــــرب واعتــ,,ـــــدا، ومحضر إثبات حالة وتزوير وخداع.. البني آدم ده دخل بيتي على إنه عازب ودلوقتي بيبتزني في شقتي وشقى عيالي الأيتام”.
الضابط بص في الورق وبص لوشي المتبهدل، وبان في عينيه التعاطف، وقالي: “متقلقيش يا مدام، حقك وحق بناتك هيرجع، بس لازم تروحي لمحامي فوراً يرفع ق*ضية طلاق للضرر عشان التقرير ده والقيد العائلي يضمنوا ليكي حقك من غير ما تتنازلي عن شبر واحد”. خرجت من القسم وأنا حاسة إن الهوا بدأ يدخل صدـ,,ـــري تاني، كلمت محامي زميلنا في الشغل بس في فرع تاني، حكيتله كل حاجة، الراجل صدمته كانت شديدة وقالي: “دا نصاب ومحترف يا مدام، وعامل الحسبة دي عشان يطردك من شقتك، متقعديش معاه في مكان واحد”.
أخدت بناتي ورحت عند جارتي أم أحمد، ست طيبة وماليش غيرها في الدنيا، أول ما شافتني شهقت واحتضنتني، حكيتلها وأنا بنهار، قالتلي وعينيها بتطق شرار: “والله ما هيدخل الشقة دي تاني، والمنطقة هنا كلها رجالة وأهو نشوف هيعمل إيه”. الساعة جت تمانية بالليل، تليفوني رن، كان هو، رديت ببرود تام مكنش يتوقعه، قالي بصوت كله ثقة وقرف: “أنا واقـف تحت البيت، اخلصي انزلي افتحيلي عشان نسيت المفتاح، وجهزيلي لقمة أكلها عشان مش فايقلك”.
قولتله بنبرة هزت تليفونه: “أنا مش في الشقة، وأنت ملكش عيش فيها تاني يا كداب يا متجوز يا أبو العيال، وباب الشقة ده لو عتبته تاني هحبسك، والمحضر معمول والتقرير الطبي والقيد العائلي في النيابة دلوقتي، وق*ضية الطلاق للضرر هتوصلك على شغلك بكرة الصبح”. الخط قطع لثواني، حسيت بصدمته وسكوته، وبعدها صوت نبرته اتقلب مية وتمانين درجة، وبدأ يزعق ويشتم ويهدد، قفلت السكة في وشه وعملتله بلوك، وبصيت لبناتي اللي كانوا باصين لي بفخر وخوف في نفس الوقت، واجهت عيونهم وابتسمت وقولتلهم: “خلاص يا بنات، الكابوس انتهى، وأبوكم الله يرحمه سابكم لمعلمة هتعرف تحميكم وتجيب حقها وحقكم”.
………. عدت الأيام، وكنت فاكرة إن الموضوع هينتهي عند المحاضر والمحاكم، بس الندل المحترف مبيستسلمش بسهولة.
في يوم وأنا راجعة من الشغل وواخدة بناتي في إيدي، لسه بدخل الشارع لاقيت لمة ناس قدام باب عماراتي، وقلبي انقبــ,,ـــــض. قربت بسرعة، ولاقيت الجيران واقفين وهو واقف في النص، عمال يصرخ ويمثل دور الراجل المكسور، وعامل مندبة! أول ما شافني، شاور عليا وقال بصوت عالي عشان يسمّع الشارع كله: “أهي.. أهي الست اللي فتحت لها بيتي ورضيت بيها وببناتها الأيتام، وفي الآخر طردتني في الشارع وسرقت فلوس مشروعي اللي كنت مشغله ليها ولعيالها! يرضي ربنا يا ناس أرجع من شغلي ألاقي قفل الباب متبدل وهدومي مرمية بره؟”
الناس بدأت تبص لبعضها وتبص لي بنظرات لوم، والدم غلي في عروقي. بناتي جريوا استخبوا ورا ضهري وهم بيعيطوا من الخوف. مفيش ثانية، ولاقيت أم أحمد جارتي نازلة من العمارة زي الإعصار، وقفت في وشه وقالتله بصوت جهوري: “بس يا كداب يا نصاب! عامل فيها سبع البرمبة وأنت جاي تقعد في شقة ست وتصرف عليك؟”
أنا مسمحتلوش يكمل الفيلم بتاعه، سبت إيد بناتي ووقفت قدامه وبكل قوة وطلعت من شنطتي صور من المحضر وصورة القيد العائلي اللي كنت مخلية نسخ منهم معايا دايماً، ورفعتهم في وش الجيران وقولت بأعلى صوت عندي: “يا أهل المنطقة يا محترمين، البني آدم ده دخل بيتي على إنه مقطوع من شجرة، واتجوزني وضحك عليا، وفي الآخر اكتشفت بالقيد العائلي ده إنه متجوز وعنده تلات عيال وعايش بفلوسي وفلوس بناتي الأيتام هناك! ولمّا واجهته، ضــ,,ـــــربني وعلم على وشي والتقرير الطبي في القسم، وكان عايزني أتنازل له عن الشقة تمليك شقى عمري عشان يطلقني! أهي دي حقيقته!”
الشارع كله سكت، والصدمة بقت على وشوش كل الواقفين. هو وشه جاب مية لون، وعينيه بقت تروح وتيجي وملقاش كلمة يقولها بعد ما كشفته قدام الناس كلها. كبير المنطقة، الحاج غريب، قرب منه ومسكه من هدومه وقاله بغضب: “بقى جاي تتبلى على ست أرميلة وتاكل مال يتامى في منطقتنا؟ غور من هنا يالا بدل ما نعمل معاك الجلاشة والبوليس ييجي يلمك!” الناس بدأت تلتف حواليه وتزقه بره الشارع، وهو ماشي يتطوح ويبص لي بنظرات غل ويتوعد بصوت واطي: “مش هسيبك.. مش هسيبك يا…” لحد ما اختفى من الشارع خالص.
بعد الموقف ده، الق*ضية مشيت أسرع مما كنت أتخيل. المحامي بتاعي استغل محضر الضــ,,ـــــرب وق*ضية التزوير والتناقض في إنه متجوز ومخبي، والقاضي حكم لي بالطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكل حقوقي وحق بناتي في الشقة بالكامل، والزملاء في الشغل لما عرفوا حقيقته من المحاضر والشوشرة اللي حصلت، اتقلبوا عليه واتفصل من الشركة بسبب غيابه ومشاكله.
يوم ما استلمت ورقة طلاقي، رجعت الشقة، قفلت الباب عليا وعلى بناتي، سجدت في الأرض وبكيت دموع فرحة وراحة عمري ما حسيتها. بصيت لبناتي وقولتلهم: “الشقة دي بتاعتكم، ومحدش في الدنيا هيقدر يخرجكم منها ولا يكسر عينيكم تاني”. ومن اليوم ده، قفلت باب قلبي على بناتي، ورجعت بشتغل وبشيل مسؤوليتهم وأنا راسي مرفوعة في السماء، وعرفت إن الست لما بتكون أم، ربنا بيحط في قلبها قوة تهد جبال عشان تحمي ضناها.
………… مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بحالها وأنا بنام ومخيفتش، وبصحى وأنا مش شايلة هم الكدب والغل اللي كان مالي بيتي. المحكمة حكمت عليه كمان بنفقة للبنات كتعويض عن الضرر، ورغم إنه حاول يتهرب ويغير مكان شغله عشان ميرجعش الفلوس، المحامي بتاعي جابه من قفاه، وبقى يدفع غصب عنه وبقوة القانون. الشغل بتاعي اتقيت فيه وبقيت ماسكة قسم جديد، ورجعت هيبتي وسط زمايلي اللي بقوا يبصوا لي باحترام وفخر إني قدرت أقف على رجلي وأحمي بناتي.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في الصالة والمطرب المفضل لبناتي شغال في التلفزيون، والبنت الكبيرة قاعدة بتذاكر والصغيرة بتلعب جنبي.. فجأة الباب خبط. قلبي انقبــ,,ـــــض لثواني، الفوبيا القديمة لسه سايبة أثر، بس قومت وبصيت من العين السحرية. لاقيتها أم أحمد جارتي، فتحت لها وبستها وسألتها: “خير يا أم أحمد؟ في حاجة؟” أم أحمد دخلت ووشها بيتكلم من قبل ما تنطق، قعدت على الكنبة وقالت لي وهي بتنهج: “مش ه تصدقي يا أميرة اللي حصل.. أنا لسه جاية من بيت أختي في المطرية، وعرفت هناك خبر عن المحروس جوزك القديم”.
جسمي قشعر بس قعدت قدامها وقولت ببرود: “جرى له إيه؟” قالت لي والشماتة في عينيها: “طلع مراته الأولانية، أم عياله التلاتة، مكانتش تعرف حاجة عن جوازه منك ولا من غيرك! ولما الحكاية اتكشفت وعرفت إنه اترفد من الشغل وجاي يقعد في بيتها ملوش لزمة، قلبت عليه الدنيا.. وعرفت كمان إنه كان واخد قروض بضمان الشغل القديم وضيع الفلوس في مشروعه الوهمي ده، البوليس جه خده من قلب بيتها الأسبوع اللي فات عشان شيكات من غير رصيد وتزوير، ومراته رفعت عليه قض*ية خلع وطردته من حياتها ومن شقتها اللي هي باسمها هي كمان!”
سكت لثواني.. الصدمة مكنتش قوية، لاني كنت عارفة إن أخره الضياع، بس حسيت براحة غريبة، حسيت إن ربنا جاب لي حقي تالت ومتلت ومن غير ما أوسخ إيدي بحاجة. بصيت لأم أحمد وقولتلها: “يمهل ولا يهمل يا أم أحمد.. اللي ياكل مال اليتامى ويتبلى على الولايا، ربنا بيخليه عبرة في الدنيا قبل الآخرة. سيبك منه، هو خلاص بقى صفحة مقطوعة من كتاب حياتنا”. أم أحمد مشيت، وأنا دخلت المطبخ، عملت كيكة بالشوكولاتة اللي بناتي بيحبوها، وطلعت صينية العشا وقعدنا إحنا التلاتة في وسط الصالة.. ناكل ونضحك وصوتنا عالي ومحدش بيقولنا “صوتكم عالي ليه”.
بنتي الصغيرة بصت لي وهي بتاكل وقالت لي: “ماما.. أنا بحبك أوي، وأنا فرحانة إننا مع بعض لوحدنا”. دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع رضا ونصر، أخدتها في حــ,,ـــــضني وأختها الكبيرة ضمتنا إحنا الاتنين، وقولتلهم: “وأنا بمــ,,ـــــوت فيكم يا قلب ماما.. طول ما إحنا إيد واحدة، مفيش راجل في الدنيا هيقدر يكسرنا ولا يدخل بيننا تاني.. إحنا السند لبعض”. ………




